بحثاً عن "عقلة" في الدكوانة... وهكذا سلّم المعتدون الى الأمن

19 تموز 2017 | 20:10

المصدر: "النهار"

ترجم الشحن العنصريّ بين اللبنانيين والسوريين على أرض الواقع، بفيديو بث على "فايسبوك" أمس، لثلاثة شبّان دون أن تظهر وجوههم، ينهالون بالشتائم والضرب على شابّ سوري أعزل، وبعدما سألوه عن اسمه وأجاب "عقلة" ولم تكن أوراقه الثبوتية بحوزته، اتهموه بالانتماء إلى "داعش"، ووجّهوا إليه سؤالاً عما إذا كان سيشارك في تظاهرة يوم الثلثاء، فارضين عليه النطق بعبارات مؤيدة للجيش وقائده ورئيس الجمهورية، بالإضافة إلى إجباره على شتم بلده.

أثار الفيديو موجة استنكار واسعة لدى اللبنانيين قبل السوريين، الذين رفضوا التعدي على بريء لا ذنب له سوى أنه يحمل الجنسية السورية. المشاهد المقززة والمعبّرة عن حال الحقد التي وصل إليها بعض اللبنانيين، والخوف من توسع دائرة الانتهاكات ضد النازحين، دفعت بالقوى الأمنية إلى الإعلان فوراً تقصّيها عن المعتدين بغية توقيفهم، وذلك قبل ساعات قليلة من تغريدة لوزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق زفّ من خلالها خبر إلقاء القبض عليهم.

أين عقلة؟

المعتدون الثلاثة مقيمون في منطقة رأس الدكوانة، أوقفت اثنين منهم شعبة المعلومات، وهما "ج.ك. وشخص ملقب بنوح". أما المعتدي الثالث فلا يزال متوارياً عن الأنظار، لكن أين عقلة؟ لم يتمكن حتى الساعة أيّ من الأجهزة الأمنية من تحديد مكانه، بحسب مصادر أمنية. "النهار" قصدت منطقة رأس الدكوانة، أملاً العثور عليه.

هدوء يسيطر على الأجواء، الطريق شبه خالية من السيارات، السوريون الذين يسيرون في الشوارع أكثر من اللبنانيين، وعلى باب معظم المحالّ يجلس عامل سوري، الجميع أجمعوا على عدم معرفتهم بهوية الشاب. أمل العثور على عقلة بدأ يتلاشى، إلى أن اقتربتُ من عامل سوري، يجلسُ على كرسيّ على بعد نحو متر من دكان للسمانة، وسألته كيف يمكنني التواصل مع الشاب الذي انتشر فيديو ضربه من شباب المنطقة، فأجاب متهكماً: "هل بإمكانه أن يعاود الدخول إلى المنطقة بعد كل الذي حصل معه؟ هو من سكان النبعة، كان يقصد رفاقه للسهر عندهم". طلبتُ منه رقم هاتفه، عندها توجه مسرعاً إلى الدكان، تحدث إلى "معلمه" الذي راوغ، قبل قوله إنّ الشاب لم يضرب في الدكوانة بل في النبعة.

عقلة ليس الوحيد!

المضحك المبكي، أن رحلة البحث عن "الإبرة في كومة القش" لم تقتصر علينا، بل إن أحد عناصر أجهزة فرع استخباريّ كان حائراً في أمره، تحدث عن انتهائه من البحث في معظم أحياء المنطقة من دون أن يعثر على عقلة أو حتى الحائط الذي ظهر في الشريط المصور، ولفت: "في ذلك اليوم حدثت إشكالات عدّة لا واحد، أحدها كان في حيّ القاعية، حيث ضرب نازح سوري بسبب تمدّده على الشرفة بملابسه الداخلية، كما ضرب أبناء المنطقة شابّاً   بالعصيّ"، هذا الكلام أكّده شرطيّ البلدية الذي أشار: "في تلك الليلة ضرب أكثر من سوري، لا بل كل يوم يتعرض نازح وأكثر لمواقف مماثلة، بعد تململ أبناء المنطقة من وجودهم الكثيف ومعهم العراقيون. من المؤكد أنّ عقلة سيتوارى عن الأنظار لكونه كما يبدو من الفيديو أنه لا يملك أوراقاً ثبوتة أو ربما أن إقامته انتهت مدتها لذلك يخشى توقيفه".

تضييقات وخروقات

"يمنع تجوّل السوريين في الدكوانة بعد الساعة الثامنة، كما أنه عند أي مخالفة يرتكبها أحدهم، يجبر على توقيع ورقة إخلاء تحول دون إمكان معاودته السكن في المنطقة، بهدف التخفيف من عددهم"،  قال شرطي البلدية، قبل أن يضيف: "كل ذلك لا يحول دون كسر بعضهم المحظور والتجوّل ليلاً، مع ما يستتبعه من تعريض أنفسهم لإشكالات مع السكان، بل إن أحد الأحياء تحوّل بسبب وجودهم الكثيف إلى حيّ مخيف أطلق عليه حيّ الأشباح، فحتى أنا لا أتجرأ على دخوله في ساعات الليل".

أمر مرفوض ولكن!

رئيس بلدية الدكوانة أنطوان شختورة هو من سلّم شابّين من الثلاثة المعتدين إلى شعبة المعلومات، حيث أكد لـ"النهار" أنه "بعد التعرّف إليهم وهم من المقيمين في الدكوانة وليسوا من أبناء المنطقة، تواصلت مع الأجهزة الأمنية، سلمت اثنين منهم والثالث لا يزال فاراً".

وأضاف: "نستنكر كبلدية ما حصل، هذا عمل شائن، وسابقة خطيرة تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه. نعم بلدية الدكوانة وأنا، كما كل مواطن لبناني، ضد الوجود السوري لكونه يأخذ من البنى التحية واليد العاملة، ونحن مع عودتهم، لكن ليس بهذه الطريقة سيعودون بل بالحوار. التعاطي بهذا الشكل مع النازح المقيم داخل الدكوانة وخارجها أمر مرفوض، فنحن لسنا عنصريين".

كتب لـ "عقلة" أن تظهر حادثة الاعتداء عليه إلى العلن، وأن تثير الرأي العام، الذي هبّ رافضاً التصرفات العنصرية، لكن يومياً يوجد عشرات من عقلة يضربون ويهانون، وتبقى قصصهم طي الكتام لأنها لم تلتقط بكاميرا وتُبث الى الناس!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard