صناعة الصابون في طرابلس... "ألف ليلة وليلة"

18 تموز 2017 | 11:43

المصدر: طرابلس النهار

استفاق بدر حسون على محله مسروقاً في سوق الصاغة بطرابلس، فعاد الزمن به إلى نقطة الصفر. لم يكن أمامه للإقلاع ثانية إلا التحول إلى الصابون، بناء على نصيحة قريب له: "تراث محلي هام، وكلفة انطلاقته قليلة".

كان حسون قد اعتاد الخان القريب من محله السابق في سوق الصاغة، والمعروف بـ "خان الصابون"، فاتخذ من ردهات فيه مشغلاً لحرفته الجديدة. ولم يكن يتبادر للأذهان أنه سيتمكن من الانتقال في عقدين من الزمن، من أقبية المدينة القديمة، الجميلة، الوادعة، والبسيطة، إلى رحاب العالمية الواسعة، عبر إنشائه لقريته البيئية التراثية على بعد خمسة كيلومترات شرق المدينة، في محلة ضهر العين، على كتف وادي هاب.

وما هي إلا سنوات، حتى اقترح وزير الصناعة، الأسبوع المنصرم، أن يتبوأ بدر حسون الأمانة العامة لــ "المجلس الوطني للصناعة والزراعة البيئية" تكريساً لنجاحاته، وسيكون للمجلس دور محلي وعالمي بشقين، رسمي مؤسساتي، وشق تنفيذي.

القرية البيئية

اتخذ لنفسه مساراً بيئياً قاده إليه خياره في تصنيع الصابون العضوي، المقتصر في مكوناته على المواد والزيوت الطبعية، ونتيجة لذلك، لم يشأ أن يبني مصنعاً للصابون، بل أنشأ نموذجاً متجدداً في السياحة البيئية، وهي في إنشائه قرية بيئية تراثية، تتناسب مع مفهومه البيئي والعضوي في تصنيع الصابون، ولينطلق منه إلى ممارساتعدة بالروحية عينها، فصنع الكريمات، ووسائط التنظيف الشخصية للانسان، من مواد طبيعية، ومن تراث الأجداد، مثل ماسك التراب الأحمر، وما شابه مما اعتمده الأجداد في ديمومة شبابهم لكن مع تعديلات وإضافات تضفي لياقة على استخدام المواد، وإفادة متزايدة منها.

تقوم قريته البيئية على خمسة عشر ألف متر مربع، كما أفاد، وبنى عليها مقراً جمع فيه صناعته، ومركز إقامته مع عائلته، معتمداً العناصر البيئية المتوافرة في أرضه من حجر وخلافه، وراح يطوره، ويوسعه، فأضاف أبنية متعددة قابلة للسكن، وربما يتحول بعضها إلى فندق مستقبلاً. وبين هذه الأبنية، ممرات حجر، ومساكب للنباتات التي يستخرج منها العطور والزيوت، كغار الجبل، والخزامى، والياسمين، والبابونج وعطريات أخرى.

ويعرف حسون "القرية البيئية" بأنها القرية التي يجري العمل الزراعي فيها لخدمة الانتاج، في مجتمع أشبه بالقرية التي تجري فيها الأعمال الزراعية. وبدلاً من أن أتجه إلى الصناعة، اخترت الزراعة انسجاماً مع توجهي البيئي". 

تعتمد صناعة حسون على زرع المواد الأولية التي "تحتاجها صناعتنا من عطور، وكريمات، وزيوت، ومنظفات" كما قال، مضيفاً: "عندي أيضاً أرض واسعة أخرى خارج المنطقة، مساحتها 60 ألف متر مربع نزرع فيها المواد التي يحتاجها عملنا، مع التركيز على الورد، والنعناع البري، والخزامى (Lavender)".

وفي إطار البروتوكول الذي تروجه منظمات الأمم المتحدة التنموية حفاظاً على الكثير من الأصناف، ومنعاًلانقراضها، وقع حسون على البروتوكول، ويشرح أبعاد ذلك بقوله: "نجمع الكثير من النباتات البرية مثل المريمية، واكليل الجبل، والشومر، والصعتر، والزوبع، وسواها، ملتزمين ببروتوكول التعاون مع الأمم المتحدة في برنامج "القطاف المستدام"، باعتماد طريقة في القطاف تراعي الحفاظ على النبتة، وعدم اقتلاعها، وأقمنا ورش عمل لتدريب المزارعين، والقطافين على الطريقة المثلى للزرع والقطاف حفاظاً على استمرار الأصناف". 

ومن هنا، يعتمد حسون على كل ما هو محافظ على البيئة، ومفاده أن "كل ما عندنا بيئي يراعي التخلص من النفايات من دون الرمي، والمياه الخارجة من القرية لها فلاتر تصدرها نقية معقمة، تستخدم للري. ونعتمد الإنارة بالطاقة الشمسية".

فوائد النباتات التي يعتمدها حسون كثيرة، فـ "الزيتون، مثلاً، ورقته وخشبته وحبته وبزرته مفيدة، ونحن نتعامل فيها جميعا. الخشبة نستخرج منها القطران الذي نستخدمه بأنواع من العطور، وهو مفيد جداً لتعزيز مناعة الجلد. أما الماء المقطر لورق الزيتون فهو مضاد بكتيري مكافح للالتهابات، ومفيد للمضمضة في الفم، ويقوي الشعر". 

ويعرض فوائد أخرى مثل "الروزماري (إكليل الجبل) المكافح للبكتيريا، ويساعد في التئام الجروح بسرعة". ومن الزيوتهناك نوعان، الزيوت الأساسية (essential oils)، والزيوت العطرية (essential aromatic oils). الأولى غالباً تنتج من بذور الفاكهة، ونباتات عديدة كالعنب، والرمان، والمشمش، والدراق، والنخيل، وبزر القرع، والسمسم، والكتان، وهي تنتج بالضغط والعصر، والعطرية منها تنتج بالتقطير أو النقيع، وهناك عدة طرق مثل النقيع بالزيت، والنقيع بالشحوم، والشمع، والغلي، لكن الطريقة الأكثر انتشاراً لأكثر أنواع الزيوت هي التقطير". 

يستخرج حسون من الصنف الأول من الزيوت ما يقارب من 20 في المئة من وزنها كزيوت، أما الصنف الثاني فبالتقطير، وقد نحتاج إلى مئة كيلوغرام من النبات لنحصل على غرام واحد، وهي بالتالي مكلفة، وغالية الثمن. والكيلوغرام من الزيت منها من أغلى المواد في العالم، وهي أغلى من الذهب، مثل زيت الورد ثمن الكيلوغرام منه 20ألف دولار، و"العود الكمبودي" ثمن كيلوغرام الزيت المستخرج منه 30 الف دولار، بينما المواد المطلوبة لاستخراج هذه الكمية تبلغ خمسة آلاف دولار. نستخدمها في الصناعة بنسب مختلفة، والانتاج عالي الثمن". 

عن العديد من الصناعات الأخرى، يقول: "عندنا 1400صنف ينتجها مطبخنا العضوي الأول من نوعه في العالم، وإذا شئنا اختزال الأصناف، يمكن القول إنه عندنا مجموعة اسمها aromatic thrapy، فيها زيوت وكريمات وعطورات وصابون على أنواعها وشموع. المجموعة الثانية اسمها cosmetic therapy وهي علاجية من منظور تجميلي، وليس طبي. لكنها تفيد الطب حيث إن العديد من الأطباء الجلديين والصيادلة، في لبنان ومن الخارج، يصفونها”. 

وعن الصابون، ذكر إنه "أربعة أنواع أساسية فهناك الصابون السائل (الشامبو)، والصلب، واللوسيون الطري مع العسل، والكريمات، تضاف إلى الكريمات المختلفة، والزيوت، والعطور"، كما يوضح حسون 

إنجازات عدة حققتها صناعة حسون، أدخلته موسوعة غينيس، أبرزها الصابونة الذهب، وهي أغلى صابونة في العالم، احتوت سبعة عشر غراماً من بودرة الذهب الصافي، وثلاثة غرامات من بودرة الألماس، ممزوجة بزيوت الزيتون النقي، والعسل، والبلح وغيرها، واستغرق تصنيعها في حينه ستة أشهر، ودخلت في موسوعة الأرقام القياسية العالمية "غينيس".

منذ اقل من عام، أقام حسون احتفالاً جامعاً لمنجزاته، أعلن فيها "اتحاد السفراء الدوليين" في الولايات المتحدة الأميركية إدراج قرية حسون على خارطة السياحة الدبلوماسية والبيئية، ومنح وسام التميز البيئي من الاتحاد العربي للشباب، والبيئة، واعتمدت أول قرية نموذجية عربية متخصصة بالاستثمار في الاقتصاد الأخضر. 

تنتهي قصص الف ليلة وليلة، ولا تنتهي قصص حسون فيما أسسه شبيها بروايات ألف ليلة وليلة، باستدامتها، ورواياتها التي لا تنتهي.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard