مسؤولون غائبون ومواطنون متأقلمون... بحرنا يحتضر فلننتفض!

19 حزيران 2017 | 23:00

المصدر: "النهار"

يحكى انه يوم اجتمع ساسة لبنان لايجاد حلٍّ لأزمة النفايات، اختاروا استحداث مطامر صحية. علّقوا الأوسمة على صدورهم، وتباهوا بأنهم صنعوا حلاً يؤخذ به بعد فضيحة الشركات الأجنبية الوهمية التي قيل إنها ستستورد نفايات اللبنانيين كما تقول حكاية "كان يا ما كان" نفسها. هذه الفضيحة أسقطت ورقة التين عن الجهابذة أنفسهم، فإذا بهم يخالون الدنيا تمطر، في كلّ مرّةٍ يُرشقون بلوح "بندورة بلدية"، السلاح الذي بات محظوراً استخدامه داخلياً، لما يشكّله من خطرٍ على الصحة العامة اثر الترسبات الناتجة منه. المواطن اعتاد ان يساق بنظرية "نحنا خرطوش فردك". "لا تفرق معه" ان كان يسبح في جورة صحية او يتشمس قرابة جبل قمامة. وقد شاءت الصدفة أن تطفئ أزمة النفايات شمعتها الثالثة، في ظلّ تصفيق المواطن، المأخوذ بحبّ أميرٍ من أمراء الحرب يتبع له. يصفّق للزعيم، ويطفئ شمعة الأزمة الثالثة، وفي حال أراد الثورة يكتب تعليقاً على فايسبوك، قبل أن تسرقه لعنة المذهبية، فاذا به يغرق في فهم تفاصيل قانون الانتخاب العتيد، ليعلم اذا كان مخيطاً على قياس سيّده، وان كان ما سيجنيه هو من كلّ هذه التجرة، لكمة أو ركلة. وفي الأجواء الموبوءة هذه، بات السؤال الأمثل: من الأكثر وباءً يا ترى؟ "كيس الزبالة"؟ أم الزعيم الفاسد والمفسد؟ أم المواطن؟ 

وهكذا، فصول الوجع التي تفتك باللبنانيين لا تزال تتفاعل. ولعل الحدث الأكثر تداولا بين المواطنين منذ صباح الإثنين، هو صورة "نجمة" تناقلها الناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إنها تجسد صورياً نسبة التلوّث التي تفتك بالشاطئ اللبناني. تعددت النظريات والتحليلات، والسخط بدا عارماً، افتراضياً طبعاً، من خلال فورة رقمية من الإعجابات الغاضبة "likes" أو التعليقات الثائرة من على كنبة. "النهار" تابعت القضية، واستقصت لمعرفة البقعة التي التقطت فيها الصورة، اذ تبيّن انها التقطت حديثاً في منطقة زوق مصبح، وفق ما يؤكد رئيس بلدية جونيه جوان حبيش. وهو لا ينفي نظرية متعارفاً عليها لبنانياً مفادها ان "الشاطئ اللبناني ملوّث، وهذا ليس بجديد". لكنه يلمح الى ان "أعمالاً تجري في المنطقة البحرية لتنظيف مجرى نهر الكلب من الرمول التي تسدّه وتقفل مدخل "الهوليداي بيتش"، مما يدفع وزارة الأشغال العامة والنقل الى تلزيم مهمات فتح مجرى النهر لشركة متخصصة في هذه الفترة من السنة". هل تقصد ان تغيّر لون البحر سببه الأعمال البحرية؟ "لا أعلم، ولا يمكنني أن أجزم، لكن المسألتين تزامنتا".

بادرت مجموعة "طلعت ريحتكم" الى تعميم صورة الشاطئ الكسرواني عبر صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعي. وقد حصلت عليها من الانترنت بعدما تم تداولها بكثافة اثر التقاطها جوا من طائرة وفق ما تقول لـ"النهار" الناشطة البيئية سارة ابو كامل. وبعبارةٍ تهكمية تنتقد الوضع المزري التي وصلت اليه البلاد: "يومياً نخال انها المصيبة البيئية الأكبر التي شهدناها في لبنان، وفي اليوم التالي نكتشف أن مصيبة أكبر من تلك في انتظارنا". وفي مقاربةٍ ناتجة من تجربتها البيئية المتواضعة كناشطة، تبدي ابو كروم رأيها محاولةً حلّ لغز لون البحر العجيب، فتقول: "ترسبات مطمري الكوستابرافا وبرج حمود تصل الى شكّا، ذلك أن التيارات المائية تتمدّد من الجنوب اللبناني الى شماله، وهي نظرية متعارفٌ عليها علمياً، فضلاً عن مياه الصرف الصحي التي لا تجد سوى البحر منفذاً لها تستقرّ فيه".

فكّ اللغز

وفي محاولةٍ لفكّ لغز الصورة "النجمة"، أجرت "النهار" حديثاُ مع خبير مخضرم في الشؤون البييئة هو دكتور رفيع المستوى في موقع مسؤولية علمية رسمية (فضّل عدم ذكر اسمه)، لتبيان الحقيقة. يؤكد الخبير في قراءة أولية مستندة الى تحليلٍ صوري، ان "الترسبات الظاهرة في الصورة، مصدرها برج حمود في اتجاه الزوق وكسروان". واذا كبّرنا الصورة نلحظ ان نقطة انطلاق المدّ مصدرها جهة برج حمود. أما النقطة الخضراء التي تفصل بين البقعة الجنوبية (الوحل والرواسب) التي تسربت من جبل برج حمود المردوم بالبحر، فهي مزيج من اختلاط الوحول في مطمر برج حمود ومياه البحر. ويشرح ان "التسربات الناتجة من جبل النفايات تغزو زوق مصبح بسبب عدم بناء حائط صدّ لمنع تسربها، وتعود لتتحول الى طحالب تنمو بسرعة في الأجواء الملوّثة او جرّاء القمامة المعدنية، فتفسد نوعية مياه الشاطئ وتغيّر لون البحر وتعود لتغزو الشمال اللبناني إذا استمرت تغذيتها برواسب القمامة". ويضيف ان "البقعة العائمة على سطح المياه، تعزز وجودها أمتاراً في الأعماق، مما يعني انها قد تُسحب شمالاً إذا جرّها المد". لكن النقطة الأبرز التي يتداولها الخبير نفسه، هي أن النفايات كانت ترمى في برج حمود منذ سنة 1980، وهي مختمرة منذ عشرات السنين، مما يعكس خطورة الوضع. وبنبرةٍ واثقة يختم الخبير نفسه: "أنا ضد أخذ عيّنات من هذه المنطقة التي نعرف ان نسبة التلوّث فيها بلغت حداً لا يطاق. واذا استمر الوضع على ما هو فسيزيد ثقل التأثير السلبي على المسابح".

من جهته، يعتبر الخبير في البيئة المائية والمستشار العلمي في المجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور كمال سليم أن "التحليل الأولي للصورة يشير الى أن اللون عبارة عن مواد كيميائية ناتجة من نفايات، أو من أنواع بيولوجية تفرز على سطح المياه". وفي مقاربته هذه، تلاقٍ مع الخبير المائي، في أن مشهدية لون البحر العجيب ناتجة من تلوّث البحر ومن طحالب (أنواع بيولوجية) تنمو في المياه. وتبقى الأنظار شاخصة الى ضرورة أخذ عينات لفحصها لدى مركز البحوث المائية، لتبيان مدى خطورة الوضع الذي وصل اليه البحر في لبنان. أما بيت القصيد، فيكمن لدى وزارة البيئة الغائب الأبرز عن كلّ ما يحصل. اذ حاولت "النهار" كما في مرّات عدة التواصل مع الوزير طارق الخطيب لتبيان وجهة نظرها من المسألة من دون أن تلقى رداً. لا جواب يلوح في الأفق، لعل كلمة السرّ في مكان آخر 


يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني