شابة تروي تفاصيل حياتها مع مرض لم نسمع عنه كثيراً..."التصلب المتعدد"

16 حزيران 2017 | 11:58

المصدر: "النهار"

هي قصة شابة تروي تفاصيل حياتها مع مرض لم نسمع عنه كثيراً لكنه يُصيب الآلاف في العالم. قصة أردات ان تُشاركها مع الآخرين علّها تساعدهم في تشخيص حالتهم باكراً وتخطي المرض. لم تنتهِ معاناتها وفصول القلق والخوف والانتكاسات الفجائية والتساؤلات التي تعيش معها في كل لحظة، مشاعر متناقضة ساكنة في داخلها رغم محاولاتها الدائمة في نسيانها او تناسيها. ابنة الـ 25 سنة كبرت سريعاً، كان عليها ان تواجه نفسها ومرضها في آنٍ واحد، وهي ما زالت في الثامنة عشرة، يوم علمت انها تعاني من Sclérose en plaques.  

اسمه مرض "التصلب العصبي المتعدد" او ما يُعرف بالـMS، وهو مرض يُصيب الجهاز العصبي المركزي – المكون من الدماغ والحبل الشوكي. هو مرض إلتهابي مزيل لصفائح الميلين المغطية للأعصاب، التي تحمي وتساعد في سرعة إيصال الإشارات العصبية من الرأس الى اجزاء الجسم مما يساعد في تحرك الجسم بشكل طبيعي، وعوارضه متشابهة لكنها تتفاوت بين شخص وآخر بحسب مكان الإصابة.

ريتا زوجة وأم لطفل صغير وموظفة، أصابها المرض وهي في الثامنة عشرة، فكيف تروي لـ"النهار" قصتها مع مرض التصلب المتعدد؟

تسترجع ريتا تفاصيل يومياتها المرضية قبل تشخيص حالتها بالقول "بدأ كل شيء عندما كنتُ أدرس التجميل في أحد المعاهد، وفجأة شعرت بتنميل في قدميّ لكني لم أعِر الموضوع أهمية معللةً ذلك بالتعب والتوتر. كنت اشعر بتنميل في اطرافي واُوقِع الأشياء من يدي، وبعدما ساءت حالتي قررت الذهاب الى طبيب العائلة الذي شخص حالتي بالإصابة بـ "الروماتيزم". وهكذا بدأت اتلقى علاجاً لمشكلة لا اعانيها وبقيت العوارض تزداد ما أدى الى تدهور حالتي، لم اعد اقوى على الامساك بأي شيء. لم أكن أفهم ما يجري وبدأتُ اعرج من رجلي إلا ان ادخلني والدي الى المستشفى لإجراء الفحوص ومعرفة سبب هذا الإرتخاء والضعف في جسمي".

ساءت حالة ريتا في المستشفى، لم يتمكن الأطباء من تشخيص حالتها على الفور وقرروا أخذ خزعة للتأكد من عدم الإصابة بالسرطان قبل ان يقرروا اجراء تصوير الرنين المغناطيسي (IRM) الذي كشف حقيقة حالتها الطبية. خضعت ريتا الى التصوير بالرنين المغناطيسي وكانت صدمتها كبيرة عندما دخل الطبيب غرفتها ليطلعها على حقيقة حالتها. وتقول منفعلة "دخل اليّ وقال لي بالفم الملآن ودون تمهيدات اني مصابة بالتصلب العصبي المتعدد او ما يعرف بالـMS/Schlérose en plaque وكان وقع كلامه قاسياً وصادماً عليّ. لم أكن أعلم شيئاً عن هذا المرض ولم اسمع به من قبل. كلماته كانت كالسيف قاطعة ومؤلمة لا سيما عندما قال لي انني سأعيش على الحقن وان مرضي مزمن وعلي ان اتعالج من خلال الكورتيزون وهناك اموراً ممنوعة عليّ، وكلما ساءت حالتي يتوجب عليّ تغيير الدواء الى عيار اقوى وبكلفة أكبر. والأهم من كل ذلك أكد لي بأني لن أُشفى أبداً".

حقيقة قاسية لصبية رقيقة في ريعان شبابها ونضارتها. لم تكن مستعدة لسماع هذا التشخيص الطبي كما لم تكن جاهزة لمواجهة كل ذلك. كانت أحلامها وتطلعاتها أكبر من مرض ظهر فجأة وسرق ضحكتها وفورتها في الحياة. هكذا إنطفأت ريتا رويداً رويداً وابتعدت عن عالمها الذي كان يضجّ بالأصدقاء، أصبحت وحيدة امام مرضها، عرّته وعرّت نفسها من افكارها ودموعها ليتسنى لها استرجاع قوتها وإيمانها في تخطي حالتها المستجدة.

تتحدث ريتا بكل حواسها، لديها الكثير لتقوله، افكارها تسبقها فتقول لـ "النهار": "لم تعد مشكلتي جسدية بقدر ما أصبحت نفسية. تعبتُ كثيراً ولم أتوقف عن البكاء والتفكير، كان وقع الخبر أشبه بالموت البطيء. وجاء موعد الحقنة الأولى وعندها تعرفت الى ممرضة توزع الحقن التي يجب ان أخذها مرة أسبوعياً وعلمتني كيف أحقن نفسي. وعندما وجدتني في حالة يائسة وحزينة وقفت الى جانبي وبدأت تساعدني على تخطي مرضي والتصالح معه، فهو ليس بهذا المرض الخطير والمميت كما كنتُ أعتقد. ومعها بدأت أتقبل كل ما جرى معي وبدأت حالتي تتحسن وبدأت أحقن نفسي، ولكن لا اخفي عليكِ اني كنت أبكي في الغرفة عندما اقوم بالحقنة ومن بعدها ينهار جسدي ويتعب كثيراً وأبقى على هذه الحالة مدة يومين لأعود الى طبيعتي".

في تلك الفترة كانت ريتا في علاقة عاطفية لكن سرعان ما قطعت هذه العلاقة بعد معرفتها بمرضها. لقد انفصلت عنه وعن محيطها إلا ان الشاب كان يحبها بصدق ولم يتخلّ عنها ورفض ان تتركه بسبب المرض ليُكلل حبهما بالزواج. تتحدث ريتا عن حبيبها الذي أصبح اليوم زوجها.

تُعبّر عنه متأثرةً: "إعتبرتُ ان حياتي إنطفأت ولم يعد هناك معنى لوجودي وانا لا أعرف متى سأموت. لكن وجود أهلي وحبيبي بقربي ساعداني على تخطي كل هذه المشاكل النفسية والجسدية، لم يتركني حبيبي للحظة، بقي الى جانبي طوال الوقت وساعدني كثيراً. ومنذ تلك اللحظة قررتُ ان أعيش حياتي وأتعايش مع مرضي ولا أقف عنده، ولقد نجحتُ في ذلك. لقد تزوجت وأصبح لدي طفل، صحيح ان حالتي تراجعت قليلا بسبب الولادة لكني لم أضعف. لقد مررتُ في مرحلة عصيبة وساءت حالتي ودخلت الى المستشىفى بعدما شعرتُ بتنميل في وجهي وبدأت بتناول دواء جديد أقوى من السابق والذي يمنع إنجاب الأولاد. يُكلّف الدواء 3 ملايين و850 الف ليرة لكن زوجي يؤمنه من الجيش لكونه عسكرياً".

قطعت ريتا شوطاً كبيراً في مشوارها مع MS ، تتخطى بعض انتكاساته وتسقط احياناً في بعضها الآخر. الصعود والهبوط مرحلة اعتيادية ومتوقعة مع هذا المرض، لكن ذلك لم يمنع ريتا من مواصلة حياتها بشكل طبيعي. هكذا تحب ان تواجه مرضها، تتقصد احيانا استفزاز نفسها لتؤكد انها انسانة طبيعية مثل غيرها ويحق لها ان تقوم ببعض الأمور كغيرها. واحيانا اخرى ترضخ للأمر الواقع وتتماشى مع حالتها والأمور الممنوعة عنها. هكذا هي ريتا وهكذا هو المرض، خطان متوازيان يتقابلان ويتباعدان بين الحين والآخر لكن تبقى الابتسامة الشيء الوحيد الصامد في حياتها.

توجه ريتا رسالتها الى كل من يعاني هذا المرض، قائلةً: "على الإنسان ان يكمل حياته ويعيش سعيداً دون ان يفكر بواقعه وظروفه المرضية، ويعتبر ان الدواء الذي يأخذه كغير من الأدوية وعندها فقط ينجح في تخطي مرضه بطريقة إيجابية. هكذا قررتُ ان أعيش حياتي وبهذه الكلمات أردتُ ان أتشارك تجربتي مع كل مريض مثلي علّني أساعد غيري في مواجهة مرضه والتغلب عليه أقله نفسياً".

(المزيد عن مرض "التصلب المتعدد" بعد ظهر اليوم على موقع "النهار"). 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard