ماذا يعني فوز ماكرون للغرب؟

9 نوار 2017 | 15:06

المصدر: "النهار"

فوز #إيمانويل_ماكرون في انتخابات الرئاسة الفرنسية، وخصوصاً النسبة المئوية الضخمة التي هزم بها منافسته مارين لوبن، مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية ( 65 في المئة مقابل 35 في المئة) مؤشر هام بأن الموجة الشعبوية المبنية على المفاهيم القومية الضيقة وحتى الشوفينية والتي أوصلت دونالد ترامب الى البيت الابيض وأخرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، قد تحطمت يوم الاحد في فرنسا. انتصار ماكرون، مرشح الوسط السياسي، "انقذ الاتحاد الاوروبي من موت محتم"، نظراً إلى عداء لوبن للاتحاد وفقاً لما قاله لـ "النهار" فيليب كراولي مساعد وزير الخارجية لشؤون السياسة العامة السابق. ويضيف كراولي الذي يدرّس مادة الديبلوماسية العامة في جامعة جورج واشنطن "ان نتائج الانتخابات الفرنسية والهولندية تمثل الجدار الكبير الذي منع انتشار الشعبوية اليمينية لمناطق أوسع" في اوروبا. 

 ولكن الاهم هو ان الناخبين الفرنسيين قرروا يوم الأحد إنقاذ الليبرالية الغربية، التي تمثل جوهر المشروع الاوروبي المتنور. هذا المشروع الأوروبي يواجه منذ الضائقة المالية في 2008، أزمة وجودية تخطت بخطورتها الأزمات المالية الصرف التي عصفت بالاقتصاديات الغربية بعد انهيار الاسواق المالية في نيويورك وازمة العقارات الاميركية، او تعويم الاقتصاد اليوناني، حين هزت أزمة اللاجئين الهاربين من حروب الشرق الاوسط وجنوب آسيا والنازحين الافارقة الباحثين عن خلاص اقتصادي، أسس الاتحاد الأوروبي ومبادئه: مفاهيم الحدود المفتوحة، والاسواق الحرة والمؤسسات الليبرالية، والمساواة الاجتماعية. وفجأة تعرضت هذه المبادئ التي يعمل الاوروبيون على ترسيخها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى الرفض من قوى اليمين الشعبوي- القومي الذي تلتقي مختلف روافده الاوروبية على رفض الهجرة واستيعاب المهاجرين، وبخاصة المسلمين. المشاعر القومية الغاضبة ارغمت الاحزاب التقليدية الى الجنوح نحو اليمين لكي لا تخسر كلياً هذه الشرائح الاجتماعية. هذه النزعات الانغلاقية اتخذت اشكالاً مختلفة وابرزها دعوات الانسحاب من الاتحاد الاوروبي الذي تتهمه هذه القوى بتقويض وإضعاف سيادات الدول. قرار الناخبين في بريطانيا في السنة الماضية بالانسحاب من الاتحاد الاوروربي صدم النخب السياسية الاوروبية، وشجع الاحزاب الانفصالية في الدول الاخرى وتحديد الجبهة الوطنية في فرنسا لكي تحذو حذو حزب الاستقلال البريطاني الذي قاد عملية الخروج من الاتحاد الاوروبي.

الاتحاد الاوروبي بين بوتين وترامب

واذا لم تكن هذه المشاكل البنيوية كافية لزعزعة ثقة البعض في النخب السياسية الاوروبية بمستقبل الاتحاد، جاء انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة تحت شعار "اميركا أولاً"، والذي ترجمه ترامب بعداء صريح للاتحاد الاوروبي، وحلف الناتو، ورفضه لاتفاقات التجارة الحرة الدولية، ليشكل نكسة جديدة لمفهوم اوروبا الموحدة والمنفتح. ولكن روسيا برئاسة فلاديمير بوتين، كانت ولا تزال تشكل الخطر الاكبر على مستقبل وتماسك الاتحاد الاوروبي والثقافة الليبرالية الغربية. بوتين الذي يطمح الى احياء مجد الإمبراطورية الروسية السلافية، استولى بالقوة للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية على اراضي تحت سيادة دولة أخرى عندما احتل، ثم ضم شبه جزيرة القرم من اوكرانيا، وبعدها أيد حركة انفصالية عنيفة في شرق اوكرانيا. وبنى بوتين علاقات سياسية ومالية مع هذه القوى اليمينية القومية الصاعدة في بعض دول الاتحاد الاوروبي، بما في ذلك تقديم "القروض" الروسية الى بعض هذه الاحزاب ومن بينها الجبهة الوطنية التي تقودها مارين لوبن. وللمرة الاولى في تاريخ عملية الاندماج الاوروبي، يجد الاوروبيون انفسهم في مواجهة حلف غير مقدس بين الاوتوقراطي بوتين الذي يحكم روسيا من خلال طبقة أوليغارشية جديدة وجشعة والرئيس الاميركي ترامب الذي يتوق لأن يحظى بصلاحيات مماثلة لصلاحيات بوتين، ويرى في الاتحاد الاوروبي ما يراه بوتين: كتلة اقتصادية منافسة. بعض القوى والاحزاب اليمينية في اوروبا بنزعاتها الشوفينية، ترى في بوتين آخر زعيم مسيحي أبيض في القارة لا يزال واقفاً وقادراً على التصدي لموجات المهاجرين واللاجئين السمر والمسلمين. ويدعي هؤلاء ان بوتين قاتل الاسلاميين المتطرفين في الشيشان، وهو يواصل المعركة ضد التنظيمات الاسلامية المتطرفة المشاركة في الحرب في سوريا.

الاميركيون يقولون: Vive la France

من هذا المنظور يشكل فوز ماكرون نكسة سياسية للرئيس بوتين، والى حد أقل الرئيس ترامب. كما يمكن اعتبار الصعود المثير والسريع لماكرون في الحياة السياسية لفرنسا مماثلاً الى حد ما للصعود السريع لباراك اوباما في انتخابات 2008. ولذلك رأى بعض المعلقين ان فوز ماكرون، هو فوز رمزي لاوباما. وكان ترامب قد أعرب عن تأييده الضمني لمارين لوبن، حين اثنى عليها وعلى ما اعتبره مزاياها القيادية القوية التي ستساعدها في التصدي للارهاب، خلال أكثر من تغريدة. من جهته كان اوباما قد اعرب علناً وفي شريط فيديو عن تأييده لماكرون. بعض المعلقين الاميركيين قارنوا بين ماكرون الشاب الوسطي وخطابه السياسي الموحّد والرافض للتفرقة ونبذ التيارات المتشددة التي تمثل اليمين او اليسار، والسناتور الشاب باراك اوباما في 2008 وخطابه السياسي الموحد.

ردود الفعل الاميركية عكست الاستقطابات السياسية الراهنة. الديموقراطيون والليبراليون لجأوا الى تويتر ليرحبوا بحماس بانتصار ماكرون، بمن فيهم هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديموقراطي للرئاسة، وسوزان رايس مستشارة الامن القومي السابقة، والمرشح الرئاسي السابق بيرني ساندرز. الرئيس ترامب الذي لم يؤيد ماكرون، سارع لتهنئته بتغريدة معرباً فيها عن تطلعه للاجتماع به. معظم المهنئين كتبوا بالفرنسية عبارة "عاشت فرنسا" Vive la France. ولكن الناخبين المؤيدين لترامب سارعوا الى القول ان يوم الاحد "يوم حزين لفرنسا" او استخدموا هاشتاج "نهاية فرنسا" #EndofFrance .

الفرنسيون، مثلهم مثل الاميركيين سئموا من الاحزاب التقليدية، وكانوا يبحثون عن المرشح الاتي من خارج الطبقة السياسية التقليدية المعروفة بتسوياتها لكي "يجفف المستنقع". الاميركيون انتخبوا مرشحاً من خارج الطبقة السياسية التقليدية، ولكنه بدلاً من ان يجفف المستنقع نجد انه وعائلته يسبحون في مياهه الآسنة وسط اتهامات بشأن تضارب المصالح. الفرنسيون ايضاً انتخبوا شاباً من خارج الطبقة السياسية التقليدية، يؤمن بضرورة بقاء الاتحاد الاوروبي، ولا يتصرف بتهور. بعد فوزه لاحظت في تغريدة ان ماكرون تحدث عن كل القيم والمفاهيم التي كان الرؤساء الاميركيون – باستثناء ترامب- يتحدثون عنها بعد انتصاراتهم السياسية: الوحدة، والحرية، والثقافة والحضارة وشمول الجميع.

الفرنسيون فازوا بمعركة ولكن الحرب مستمرة

التقى معظم المحللين الاميركيين على القول ان نتائج الانتخابات الفرنسية سوف تؤثر ايجابياً على الانتخابات الالمانية في وقت لاحق هذه السنة. واذا استمر النمط الهولندي والفرنسي في المانيا، عندها يمكن الحديث بثقة أكثر عن ان الموجة الشعبوية قد منيت بالفعل بهزيمة مؤلمة. ولكن، هناك شبه اجماع على ان اليمين الشعبوي الاوروربي سوف يبقى خطرا حقيقيا يهدد الاتحاد الاوروربي والليبرالية الغربية، وبخاصة اذا لم تعالج الاثار السلبية لازمة اللاجئين، واذا لم ينعش الاقتصاد الفرنسي وغيره من الاقتصاديات الاوروربية التي انكمشت في السنوات الاخيرة.

ويقول فيليب كراولي: "على الليبرالية الغربية ان تحيي ايمان الشرائح الاجتماعية والسياسية الكبيرة التي ترى ان العولمة قد خذلتهم". ويرى كراولي ان اداء معظم الاقتصاديات الغربية قد تحسن أخيراً "ولكن الشعوب الاوروبية لا تشعر بذلك". ويخلص كراولي الى القول "الانتخابات لا تعني نهاية المشاكل السياسية في فرنسا. وعلى ماكرون ان يتوصل الى طريقة لحكم البلاد بطريقة فعالة، وهذه ليست مهمة سهلة".


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard