"مقتل بائع الكُتب" للعراقي سعد محمد رحيم: كيف تكتب سيرة حياة محمد المرزوق؟

8 نوار 2017 | 11:17

المصدر: "النهار"

لوحة لشارل خوري.

يستحيل تجاهل ظلال أفكار وسلوكيات أي كاتب عندما تبدأ بقراءة مؤلفاته، إذ يستيعد ذهنُك كل ما تعرفه عن المؤلف من خلال مقابلاته أو ما سبق أن نَشَره عن شخصيته وخلفياته المعرفية، وبهذا يكون المستهلك أو القارئ مساهماً في إبانة خيوط متشابكة بين شخصية الكاتب وإنتاجه النصي. هذا ما ينهض به متلقي رواية "مقتل بائع الكُتب" للكاتب العراقي سعد محمد رحيم الصادرة من "دار السطور" 2016 وهي ضمن العناوين التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر.  

ما إن ترى عنوان هذا النص الروائي بما يحمله من وظيفة إغرائية وما يتضمنه من بنية خبرية مشحونة بسؤال مضمر، حتى يتداعى إليك ما ذكره صاحب "ترنيمة المرأة... شفق البحر" عن علاقته بعالم الكتب وما صحبه من العناوين في رحلة العمر، وهذا ما يشدك أكثر إلى عالم روايته الجديدة. تجد في مستهل العمل ما يعود إلى تجربة الكاتب الحياتية ومعاناته مع سوء الأوضاع الأمنية في بلده حيث ترد إشارة في الرواية إلى إضطراره لمغادرة مدينة بعقوبة مثلما تحدث عن ذلك في مؤلفه "إستعادة ماركس" أيضاً. 

لا أقصد إسقاط حياة الكاتب على الرواية. هذا ما يتعلق بالإنطباع الذي تأخذه عن العمل للوهلة الأولى قبل أن تكتشف جوانبه الأخرى، إذ لا يلبث المؤلف أن يزج بك عبر شبكة من التقنيات المتنوعة في أجواء الرواية، كما يطمح إلى أن يُشرِكَ القارئ في تفاصيل معماره القصصي الذي يشيّده على عنصرَي الحدث والشخصية.

رواية "مقتل بائع الكتب" تتسع لثيمات متعددة من الحب والعنف السياسي والهرب وإزدواجية المثقَف والنزاع الحضاري وقهر الإنسان شرقاً وغرباً. غير أن ما يُكسي هذا العمل فرادته هو الإهتمام بالأسلوب على كل المستويات، إذ تبلغ المادة الحكائية في توزيعها المنتظم درجة الإتقان القائمة في توليفات موسيقية. يوفق الكاتب في تحديد دائرة الشخصيات، فكل شخصية على حدة تشارك بما لديها من المعلومات حول محمود المرزوق في ملء المربعات. يضيف بُعداً جمالياً إلى هذه الطريقة في صياغة القصة الأساسية، أن المعلومات تنم عن وجود صور غير متطابقة مع بائع الكُتُب، وضمن هذه القصص المروية ل ايغيبُ صوت محمود المرزوق أيضاً بل هو موجود في المتن الروائي بيومياته المكتوبة في دفترين، الأول عبارة عن رصد ما جرى بعد سقوط النظام السابق منذ لحظة سقوط التمثال في ساحة الفردوس، والثاني يكشف جانباً آخر من حياة محمود المرزق في باريس وبراغ. هكذا يكون الراوي وسيطاً محايداً لنقل ما يتوصل إليه من معطيات جديدة، وهذا الدور مناسب تماماً للموقع الوظيفي للراوي الذي يعمل صحافياً في جريدة "الضد". يتلقى ماجد البغدادي إتصالاً هاتفياً يطلب فيه المتكلم منه القيام بتدوين سيرة حياة محمود المرزوق وذلك بعد أن ينتشر خبر مقتله من خلال القنوات الفضائية.

مشروع الرواية 

بعد الموافقة على كتابة سيرة حياة محمود المرزوق يقيم الصحافي ماجد البغدادي في بعقوبة في منزل شحص يدعى حيدر يتعرف إليه من خلال مصطفى كريم المكلف رعاية المشروع. يفتح الصحافي القادم ملفاً للقضية بإسم "مقتل بائع الكتب" وهنا يُبرز الكاتبُ خصوصيته المتمثلة في إيراد صيغ وأشكال تواصلية متعددة بين الشخصيات حيث يواكب سعد محمد رحيم التقنيات الحديثة في عمله. هناك أكثر من قناة لإجراء الحوار بين الشخص الصحافي وأصدقاء "صاحب الكتب"، إذ ترى ماجد البغدادي متواصلاً مع سامي الرفاعي عبر شبكة التواصل الإجتماعي، فالأخير يزوده معلومات عن محمود المرزوق، وفي أثناء المحادثة بين الطرفين يُشارُ إلى كتابة الرواية كما ُنبه سامي الرفاعي إلى ضرورة تثبيت عبارة السيرة بجانب مفردة الرواية على الغلاف مع وجود صورة مؤثرة. فضلاً عن ذلك ثمة صور لشخصية محمود المرزوق في مدينته وخارج مدينته يعرضها مصطفى كريم على الصحافي بغرض توضيح جانب من مظاهر شكلية لمحمود المرزوق. اللجوء إلى الصورة ضمن السرد الروائي يذكّر بالكاتب الفرنسي باتريك موديانو حيث يستفيد مؤلف "مستودع الطفولة" من الصور الفتوغرافية لبناء حبكات نصه الروائي. لا ينتهي الأمر عند هذا الحد بل تستمع إلى صوت محمود المرزوق حين يشغلُ هيمن قرداغي جهاز المسجل. يحضر بائع الكتب بصوته متحدثاً عن تجربته في فرنسا وبراغ ونعرف أن هذا الحديث جاء في سياق استضافة اتحاد الأدباء لمحمود المرزوق الذي يعلن أنّه يفضل المدن الآثمة والكتب الآثمة والنساء الآثمات.

مدونات

يفتش ماجد بصحبة فراس سليمان، إبن أخت المقتول، في سرداب كان مكان إقامة بائع الكتب ومحله لبيع بضاعته المعرفية. هناك يتم العثور على ما دوّنه محمود المرزوق في دفتر واختار له عنوان "يوميات الخراب". فهو كتب في هذه الأوراق انطباعاته لما طرأ من التحولات عقب إسدال الستار على مرحلة في تاريخ العراق وبدء مرحلة أخرى وما تحمله من ظواهر جديدة. تأتي الإشارة إلى هذه التحولات في طبائع الفرد من خلال بعض جمل ومواقف معبرة، على رغم قلة الإقبال على إقتناء الكتب. ما ينبغى ذكره هنا أن ماجد البغدادي يجد الكتب التي كان يقرأها محمود المرزوق في أيامه الأخيره قبل أن يلقى حتفه، مثل "موسم الهجرة إلى الشمال"، و"الإستشراق جنسيا". لا تُذْكر هذه العناوين في سياق الرواية اعتباطاً بل تتسق مع الظروف والأجواء التي يمر بها العراق، ما يحتم على المثقف مراجعة الأمور والمعتقدات السائدة. هناك تلميحٌ في هذه اليوميات إلى إمرأة يفهم المتلقي أنها هي المرأة نفسها التي يكني بها بإسم غادة في حديثه في إتحاد الأدباء، من ثم يتضح أن غادة هي الفتاة التي أحبها محمود المرزوق ولكن شاءت الأقدار أن لا يتكلل هذا الحب بارتباط دائم، إذ تزامن اليوم المحدد لإقتران محمود بحبيته مع الإنقلاب العسكري في سنة 1963 فكان محمود من الذين شملتهم حملات الإعتقال والنفي بقطار الموت إلى معتقل نقرة سلمان. تجربة سجن محمود المرزوق تتكرر في كل محاور الرواية بحيث تتحول إلى موتيف العمل.

ينجح الكاتب في إيهام القارئ بأنَّه مشارك في صياغة هذا العمل. ويتسلسل السرد على هذا المنوال إلى صفحات النهاية واعتقال القاتل مع إحتمال أن يكون القتل قد حصل من طريق الخطأ. يدرك القارئ أن عليه المشاركة في تشكيل النهايات. جمالية هذه الرواية تكمن في بنيتها المعمارية ناهيك بخصوصية أسلوب مؤلفها.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard