عودة "اللاعودة" لمسيحيي الجبل... أرقام فاضحة و"دروز ينزحون"

17 نيسان 2017 | 15:18

المصدر: "النهار"

المسيحية بالنسبة إليّ، ذاكرتي. فقد نشأت منذ صغري في مدرسةٍ مارونية، وهناك تعلّمت القراءة والكتابة، وتعرّفت اكثر الى الله وتناولت القربان وزيّح جبيني صليب الرماد. ترعرعت في مكانٍ احببته، وانتميت اليه بخاطري، وعشت فيه سلاما مطلقا، فغدوت مسيحي الهوى، رغم اني لست مسيحي الهوية. وفي ايام البرد القارس والثلوج المباغتة، كانت الراهبات يعلّقن الصفوف، ويصطحبنني الى مكان اقامتهن في الطبقة الرابعة فوق المدرسة، ويدفئنني، في انتظار وصول باص العودة الى المنزل. ولم اكن وحدي من عشت هذا المجد الطفولي. بل، كثرٌ عايشوه معي، او من بعدي. ذلك كلّه انتج اقتناعا رسخ في ذهني، ان الجبل لا يمكنه ان يعيش من دون مسيحييه. بل انه اليوم يختنق في حضرة غيابهم، ان لم نقل "عودة لا عودتهم". اينما يحلّوا، تحلّ الحياة. و"اللاعودة" واقعٌ ملموس تعبّر عنه نسب القاطنين الدائمين منهم، والموسميين، في القرى المسيحية. ولذلك اسباب معقدة تتجاوز البعدين السياسي والشخصي لتلج الواقع الاقتصادي والمركزي، الذي يعاني منه اللبنانيون عامةً. 

كي لا نطيل السرد، لا بدّ من القول ان نسبة المسيحيين العائدين الى قراهم في الجبل، متواضعة. بل ان الدروز فيها باتوا يهجرونها، وتجذبهم المدن بحثاً عن فرص عمل، ان لم يجدوها فيها، تراهم اختاروا وجهة السفر. ويؤكّد رئيس بلدية معاصر الشوف الدكتور جورج عربيد لـ"النهار" ان "القضية غير محصورة بالسياسة والطائفية، بل لا بد من تأمين مقومات العودة، وأولها اقتصادي من خلال توفير فرص العمل، إذ إن المسيحيين لم يعودوا تماماً للسكن في البلدة على مدار السنة وبعض الدروز يغادرون". وتتميز قرى الشوف الأعلى بمقومات لها علاقة بالسياحة الريفية، لكن المسألة تحتاج تخطيطاً وتشجيعاً للمبادرات من القطاع الخاص وتعاوناً شاملاً بين البلديات والتعاونيات الزراعية ومحمية أرز الشوف وتسويقاً على المدى البعيد. ويؤكد عربيد أن عدداً من الخدمات المشجّعة أصبح متوافراً في البلدة كمحطة تكريرٍ للصرف الصحي ومركز لجرف الثلوج وخدمة مولّد كهربائي يوفّر الطاقة بسعر مقبول وخدمة الانترنت السريع. لكنه، يستغرب موقف الدولة، هو الذي اتصل منذ فترة بوزارة الزراعة طالباً نصبات زراعية، فأتاه الجواب ان الوزارة بادرت إلى توزيعها على الأحزاب وارسال ما تبقى للبلديات والتعاونيات، "لا اعلم لماذا لا تتعاون وزارة الزراعة فقط مع التعاونيات الزراعية والبلديات. العلاقة لا بد ان تكون مباشرة بين الدولة وشعبها". ولا ينفي أن هنالك هواجس عند بعض المسيحيين ولكن تخطّيها ممكن، خصوصاً ان من لم يزر القرية هواجسه اكبر من ذاك الذي يأتي ويرى ان "الدنيا بألف خير"، وان العلاقة ممتازة بين المسيحيين والدروز. وفي عيد الأمهات، أقامت مجموعة من الشباب بالتعاون مع البلدية   والجمعية الخيرية الدرزية نشاطاً مشتركاً للمسيحيين والدروز ودعت سكان المدن منهم، فكانت مناسبة مشتركة للتلاقي. ينحصر عدد المقيمين الدائمين في معاصر الشوف في فصل الشتاء بـ350 شخصاً من بينهم نحو 15 مسيحياً فقط، ويرتفع العدد الى 1000 مقيم في الصيف. ويراوح عدد ابناء القرية بين 5000 و6000 شخص، منهم 3000 ناخب مقيدة اسماؤهم في لوائح الشطب، اقترع منهم ما يقارب 1000 مواطن في دورة الانتخابات البلدية الاخيرة. ويكمن الحل في رأي عربيد في الاستفادة من طاقات المهاجرين وغير المقيمين وانشاء النوادي الشبابية وتفعيل نشاطات مدنية للتلاقي من خلال التعاونية الزراعية والجمعيات النسائية وبناء مستقبل مشترك.

في مزرعة الشوف، من غادرها جرّاء الحرب مولوداً صغيراً، صار عمره اليوم اكثر من 25 سنة قضاها بعيداً من ربوع قريته وأنشأ صداقاته في المدينة. اهالي القرية لا يعرفون بعضهم بعضا، وان التقوا مصادفة، يجهلون انهم اقرباء، والاهالي لا يشجعون أولادهم لزيارة ربوعهم. والمنجذبون اليها تخطوا العقد الرابع من العمر، لكنهم ايضاً غير مستقرين فيها. "لا بد من تفعيل الاتصالات واللقاءات بين شباب القرية الدروز والمسيحيين وعقد حلقات التعارف بينهما. ونأمل أن يأخذ تيمور بك المسألة على عاتقه خصوصاً انه يجذب إليه اليوم عنصر الشباب"، يقول نائب رئيس بلدية المزرعة انطوان حرب لـ"النهار".

الى شرتون، قرية مسيحية في قضاء عاليه، حيث هناك 120 بيتا يقطنها أهلها فقط، وهو ما لا يشكل أكثر من 20% من مجموع اهالي القرية. وتشمل الفئات العمرية التي عادت بعد الحرب كبار السن، الذين يشكلون 70% من القاطنين الدائمين في القرية. ويقول رئيس بلدية شرتون الدكتور جوزف مارون لـ"النهار" ان "فئة كبيرة من الشباب الذين تراوح اعمارهم بين 25 و30 سنة، يسعون الى انجاز شققهم السكنية فيها، وتالياً العودة الدائمة في ظل الازمة الاقتصادية الكبيرة التي لم تعد تخولهم السكن في بيروت". ويأمل ان "يكون للازمة الاقتصادية وجه ايجابي يعيد المسيحيين الى قراهم القريبة من العاصمة، لكن ذلك يتطلب تأمين البنى التحتية من البلديات والدولة التي لا بد لها ان تواكب العودة". ومن الناحية الامنية، يؤكد مارون ان "العلاقة مع أهلنا الدروز جيدة، رغم أن فئة كبيرة من الناس لم ينسوا، لكنهم تخطوا مرحلة حرب الجبل، ويخططون لرؤية أبعد عنوانها تثبيت الوجود المسيحي والدرزي في المنطقة". ولا بد تالياً للثقة ان تترسخ بين الطرفين، لكن اللحمة لا تبنى في دقيقة، بل تتطلب عملاً ولقاءً مشتركاً من خلال المخيمات الشبابية وفرص التعارف، ومن خلال ترسيخ فكرة ان كل الاطراف المتخاصمة اخطأت، ولكن علينا ان نرى من تضرر اكثر نتيجة الخلاف، وهو تالياً الوجود المسيحي، "لذلك نقول ان على الدروز تكثيف جهودهم وتشجيع المسيحيين على العودة".

وفي رويسة النعمان، قرية مسيحية في جرد بحمدون "التعايش ممتاز والعودة مشرفة لنا كضيعة"، وفق ما يقول رئيس البلدية جان بو سليمان. ولكن استقرار ابناء القرية في المدينة سببه عدم توافر الخدمات. لا نقل مشتركا يربط أواصر المنطقة، والاستشفاء غير متوافر. وفي حال تحققت المطالب الانمائية، تتحقق العودة في اوجها، ذلك ان اهالي القرية لا يمكنهم تحمل اعباء مادية مترتبة على منزلين. ويبلغ عدد السكان في رويسة النعمان 2500 نسمة، يقترع منهم 600 ناخب يقصدون المنطقة صيفا، لكنهم ينزحون شتاءً الى بيروت فيقتصر عدد بيوتها المأهولة على 5 من أصل 125 منزلا.

وصولاً الى قرية التعزانية المارونية في جرد بحمدون، البعض هاجر والبعض الآخر لا يزور القرية. عدد القاطنين الدائمين 30 منزلاً، ويرتفع الى 100 شخص في الصيف، يقطنون في 55 منزلا مرمّما، مع العلم ان وزارة المهجرين لم تنصفهم، بل انهم رمموا كنيستهم بـ"فلس الارملة". فيما 700 من اصل 800 شخص يظلون خارج القرية. وكل من فقد ذويه في الحرب، احتضنته الاديرة او العائلات الاجنبية فتجذّر في الغربة. وفي سنة 2017، ليس في التعزانية دكّانة او مصنع صغير، وفق ما يقول رئيس بلديتها انطوان ابي منصور لـ"النهار". ويشير الى ان "الخلل يكمن في بيع الاراضي للبيارتة او الخليجيين، لان الاهالي لم يتوقعوا عودتهم الى القرية بعد التهجير، فباعوها بمبالغ زهيدة واشتروا شققاً صغيرة في بيروت بدلاً منها. وهم تالياً لا يمتلكون منازل في القرية، ويزورونها بطريقة خجولة في المناسبات الاجتماعية. لكننا أوقفنا السماسرة ووضعنا القرية تحت التصنيف". اين هم اليوم؟ "يبلغ عدد المهاجرين نحو 50 شخصاً، والباقون في مناطق متفرقة في الحازمية والاشرفية ونهر ابرهيم، وثمة عائلة كاملة استقرت في الكورة".

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard