أولاف موللر: إليكم أفلامي العشرة المفضّلة

6 كانون الثاني 2017 | 15:40

المصدر: "النهار"

أولاف موللر في لوكارنو. (تصوير هـ. ح.)

أن تُحادث أولاف موللر في السينما طوال ساعة يعني أن تتلقى الكثير من المعلومات التي تجهلها. فجأة، يهبّ على وجهك هواء منعش آتٍ من ماضي الشاشة. فهذا الناقد والكاتب الألماني خزان ثقافة وإطلاع وشغف وتحليل، يتحدّث لغات عدّة بطلاقة، لكن لغة السينما وصورها الماثلة في الوجدان هي الأكثر صموداً في ذاكرته عبر السنوات.

عندما جلستُ إليه في مهرجان لوكارنو الصيف الماضي لاعداد الحلقة الثانية من سلسلة "أفلامي العشرة المفضّلة" التي أطلقتُها مع مارك كازنز، لفتتني مقاربته للسينما من منطلق سياسي ونضالي، ولكن ليس بالمعنى المبتذل. فضول هذا الرجل لا ينضب، إذ ينبش لك أفلاماً من أقصى التاريخ، هناك حيث النسيان طوى الكثير من الأسماء اللامعة. وقد تكون احدى وظائف هذه السلسلة: انتشال المنسيين الكبار من العتمة.

كم ممتع أن تسمعه بالصوت وتراه بالصورة وهو يتكلّم بشغف ويتلون بألوان الأفلام مستعيداً لحظات طبعت حياته السينيفيلية التي بدأت باكراً في مدينته كولونيا. فإيقاع الكلمات والدهشة لا بل صرخته عندما يسمع عنوان فيلم معين، أشياء يستحيل نقلها في نصّ مكتوب، مهما كان أميناً. إلا أنه، وعلى الرغم من متابعته الأكولة للسينما، يقول موللر إنه ليس سينيفيلياً: "السينيفيلية تعني حبّ السينما لذاتها. عندي، السينما متصلة جداً بفكرة حضّ الناس على التفكير، وهذا شيء سياسي. حتى مفهوم "الفنّ حبّا بالفنّ"، لديه في بعض الأحيان أبعاد سياسية. لكنني لستُ من مناصريه. "الفنّ حبّا بالفنّ" فكرة دفاعية، أمّا أنا فأميل إلى النمط الهجومي".

في الآتي، لائحة موللر بأفلامه العشرة المفضّلة، بلا أي ترتيب من حيث الأفضلية.

"أفريقيا ٥٠" لرينه فوتييه (١٩٥٠)

هذا الفيلم تحفة السينما المعادية للاستعمار. اشتغال عظيم على الشكل. يبدأ تقريباً بسردية على طريقة الأفلام الكولونيالية، وينزلق تدريجاً في الإدانة. إدانة السياسة الاستعمارية. انه احدى روائع السينما الانقلابية. عمل في منتهى الذكاء، يبثّ الوعي. نموذج رائع لما يمكن أن يكونه الفيلم السياسي الجاد. لا أتذكّر أين شاهدته في المرة الأولى، ولكن في بالي انه خطف أنفاسي، وتلقائياً نشأت علاقة مع أفلام فوتييه. حتى هنا في لوكارنو، كنت أنوي ضمّه إلى الاستعادة المعروضة عن سينما ألمانيا الفيديرالية، ذلك أنه كان سبق لفوتييه أن أنجز فيلماً من إنتاج ألماني مشرك عن حرب الجزائر عنوانه "الجزائر تحترق"، إلا إننا لم نجد نسخة منه.

 

 

"حوار مع السيدة المرحّلة" لليو هرفتز (١٩٨٠)

ملحمة يسارية عظيمة عن المقاومة السياسية والفنية في الولايات المتحدة. هذا فيلم يبيّن كيف يمكنك أن تأخد السياسة بصفة شخصية جداً. هنا سنرى نضال المواطن الحقيقي. إلى ذلك، إنه أيضاً إعتراف بالحبّ لشخص أمضى المخرج معه حياته. عمل يحرّك المشاعر. أعتقد أنني اكتشفتُ "حوار مع السيدة المرحّلة" في أواخر الثمانينات أو مطلع التسعينات. هناك نسخة منه في ألمانيا تتداولها أوساط اليسار السينمائي. هرفتز شخصية مشوّقة جداً. مساهمته كبيرة في التنوير السياسي. اشتغل في أشياء عدّة ومختلفة، بعضها عن بعض. لم يقتصر نشاطه على الإخراج. قارب السينما كحرفة، وهي كانت وسيطاً سياسياً بالنسبة إليه.

 

"الحفرة" لوانغ بينغ (٢٠١٠)

طبعاً، هناك مَشاهد مقززة، ولكن الحياة هكذا في معسكر الاعتقال عند الذي يشعر بالجوع. ما أجده عظيماً في هذا الفيلم هو جانبه الوثائقي الممزوج بالواقعي. للمونتاج فضلٌ كبير في بثّ الاضطراب في نفس المُشاهد. اسلوبه نقيض السينما المباشرة، إلا انه يمسككَ من أعمق مكان. "الحفرة" تجربة مشاهدة موجعة جداً. في المقابل، إنه حالة نموذجية للفيلم الصادم الذي يحضّك على التفكير والتأمل. بدءاً من الصدمة الجمالية وصولاً إلى الصدمة الناتجة من القرف الذي تشعره جراء رؤيتك لأناس يعانون. عندي، هذه تحفة وانغ بينغ. الناس تركّز كثيراً على أفلامه الوثائقية "الصافية"، إذا صحّ التعبير، ويتجاهلون هذا الفيلم الذي هو الأكثر صرامةً وتطلباً، حتى من الناحية السياسية. "الحفرة" من الأفلام التي تطلب منك رد فعل، لا يمكن أن تكتفي بالتفرج عليه. شاهدته في مهرجان البندقية، ولا أزال أسأل نفسي لمَ لم يُعتمد العنوان الصيني الذي كان يحمل إسم معسكر الاعتقال، جيابيانجو، وفيه (أو في ما تبقّى منه) صوّر بينغ الفيلم. حتى أنه تمّ سحب إسم المستثمر الهونغ كونغي، وجرى الاكتفاء بالمنتجَين الفرنسي والبلجيكي. تمّ سحب العناصر الصينية من الفيلم لإجراءات وقائية ولحماية المخرج. أفهم لمَ تعاملت إدارة البندقية معه على هذا النحو، لأنه عمل في منتهى الحساسية.

 

 

"تمهيد لموسيقى أرنولد شونبرغ المرافقة لمشهد سينمائي" لدانيال وويه وجان ماري ستروب (١٩٧٢)

ستروب هجر فرنسا إلى ألمانيا خلال حرب الجزائر. كم ظريف أن يختار مخرج فرنسي ألمانيا، أي البلد الذي أحتلّ بلده، من بين كلّ البلدان المتوافرة، كي يشعر فيه بأمان. هذا فيلم عن العنف ومعاداة السامية. معاداة السامية كان يُنظر إليها كذروة الفكر الحداثي في ألمانيا العشرينات. في المقابل، هذا أيضاً فيلم عن حرب فيتنام. إنه لشيء إستثنائي أن يجمع فيلم - وبروح عدائية جداً - هاتين المسألتين. إنه واحد من أعظم أفلام الثنائي ستروب - وويه. من المستحيل تصنيفه وتحديد هويته. إنه عن ثلاثة أشخاص مختلفين يطالعون رسالة، ثم ترى صوراً... يمكنني اختزاله بالقول إنه تطوير لفكرة سياسية.

 

"صلاة لليسار" لريني مرتنز وفالتر مارتي (١٩٧٤)

إنهما البريشتيان (من برتولد بريشت) العظيمان في السينما السويسرية. إذا لم تخنّي ذاكرتي، أعتقد ان مرتنز ترجم بريشت للايطالية. نحن هنا أمام ذروة السينما التي تعبّر عمّا يمكن تسميته بالشيوعية المسيحية. هذا عمل بسيط جداً: المخرجان طلبا من الأسقف البرازيلي هلدر كامارا أن يقترح نموذجاً للثيولوجيا التحررية وأن يتلو صلاة لليسار في مكان إسمه ارليكون، منطقة سويسرية تحتضن صناعة الأسلحة. فيصوّران هذه الصلاة ويمزجانها مع صوَر أخرى. هذا فيلم سياسي آخر، تجريبي وشكلاني، أو لنقل إنه صارم جداً على المستوى السياسي، ومنتهى الحسية. أنا جد معجب بعمل هذا الثنائي، انهما سينمائيان مسيّسان يستحقّان أن نتذكّرهما بإستمرار. أراهما أساسيين للفكر السياسي واشكالاته، ودعني أذكّرك بأنهما جاءا ببعض الحلول للسينما السياسية التي يجب أن تُؤخد في الاعتبار. ما جعلني أكتشف هذا الفيلم، هو فيلم آخر لمرتنز - مارتي، عن التربية التي يحظى بها الأولاد من ذوي الاحتياجات الخاصة. وأتيحت لي فرصة لقائهما في أحد المهرجانات ذات مرة. أثارا إهتمامي بقدر ما استحوذ وويه وستروب على إهتمامي. هو من النوع الذي ينفعل بسرعة، في حين هي الطرف الهادئ، مع أنها في منتهى الصرامة أيضاً.

 

"جوم" لأبو بكر سامب ماخارام (١٩٨١)

لنقل ان هذا الفيلم هو البريشتية الأفريقية. ينتمي إلى المرحلة المزدهرة التي عاشتها السينما في أفريقيا الصحراوية. مخرجه السينيغالي إحدى المواهب التي ضاعت اليوم [توضيح من المحرر: توفي عام ١٩٨٧]. أعتقد انه أنجز ثلاثة أفلام، وهذا هو الطويل الوحيد له، أو لعل له اثنين طويلين. مرة اخرى، الفيلم مزيجٌ، ينطوي على سرد تاريخي يتضمن فصولاً عدة. الطريقة بريشتية جداً، لكنها متأصلة في تقليد سردي معين. هذه سينما بديلة جداً حيث يلتقي التأمل السياسي بتقنية السرد. فيلم آخر اكشتفته في الأوساط اليسارية للسينيفيلية الألمانية في الثمانينات. فأنا من مواليد ١٩٧١، واتسم عقدا السبعينات والثمانينات بمنهج مثقل بالسياسة في جمهورية ألمانيا الفيديرالية. مدينتي كانت مسيسة جداً، وخلال نشأتي عشتُ واختبرتُ الثقافة السينمائية البديلة الطالعة من عمق اليسار. هناك صالة احتفت أخيراً بالذكرى الثلاثين لتأسيسها كانت اتخدت آنذاك مبادرة عرض الأفلام الآتية مما يسمى بالعالم الثالث. جاء هذا بهدف التأسيس لتأهيل سينمائي مضاد ولتعريف الجمهور على أفلام لا تسلك دربها المعتاد نحو الشاشات التجارية.

 

"غضب" لإيدا لوبينو (١٩٥٠)

هذا واحد من أكثر الأفلام كمالاً. تحفة النسوية الأعظم. عمل سياسي بإمتياز. إنه حكاية امرأة تتعرض للاغتصاب، وماذا يعني بالنسبة لها ولجماعتها هذا الفعل. نرى أميركا تلك التي تم "تدميرها" غداة الحرب العالمية الثانية. البلد تعرض للضرر بشكل لا يصدّق، على غرار ألمانيا، وعلى غرار كلّ البلدان التي شهدت حروباً. عائلات منفصلة، نفسيات محطّمة، صلات إجتماعية مكلومة، كان هناك ملايين من الـ"سايكوباتيين" المحتملين يتسكّعون في الشوارع. لا أريد حتى أن أتخيّل كيف كان الوضع مع كلّ العائدين من الحرب الذين كانوا هناك. مَن هؤلاء، كيف تعاملوا مع معطياتهم اليومية، بأي طريقة عادوا إلى حياتهم الطبيعية؟ الفيلم يتحدّث عن هذا كله، ولكن يعتمد شكلاً مكثفاً ونمطاً مقتصداً وواضحاً، إلى درجة أنني أصاب بالدهشة في كلّ مرة أشاهده. إنه واحد من أعظم التحف السينمائية على الاطلاق. لم تكن السينما يوماً أفضل من هذا الفيلم.

 

"مدينة العمّال" لفلاديمير فنغيروف (١٩٦٥)

ها! من التحف المنسية للسينما السوفياتية بتوقيع فلاديمير فنغيروف الذي يُعتبر أحد أسياد السينما السوفياتية. كان سينمائياً ناجحاً، وترك تأثيراً كبيراً في الآخرين، لأنه أسسّ لنمط كامل من سينما الاستوديوات. أعتبره عبقرياً في حالة التأسيس لنمط متنوع من الواقعية، تبلور بدءاً من الخمسينات. قلة هم الذين اعتبروه وقدّروه. هذا الفيلم حالة خاصة جداً، فآنذاك عُرض ثم اختفى كلياً وسريعاً من التداول. لم يُمنع رسمياً أو أي شيء من هذا القبيل، لكنه اختفى. لماذا؟ ربما لأنه يتناول الشعب السوفياتي بأنبل الأساليب. في المقابل، يرينا الكثير من الأشياء المدهشة. على سبيل المثل، في المشهد الأخير من الفيلم، عندما يستمع العمّال إلى الخطاب السريّ المزعوم لخروتشوف، نراهم غارقين في صمت عميق. لا يوجد لا غضب ولا شيء من هذا، فقط صمت مطبق. إنها لحظة بديعة. هذا واحد من أوائل الأفلام التي تناولت المخابرات السوفياتية وهي تعتقل الناس. درسٌ مذهل في الواقعية التصويرية. عرضته مرة ضمن مشروع عن السينما السوفياتية في الخمسينات والستينات، وعند النهاية كان الناس جالسين في مقاعدهم، صامتين وعلى حيرة من أمرهم. لم يكن أحد يتوقع أي شيء من الذي شاهدوه.

"طريق طوله سنة" لجيوسيبّي دي سانتيس (١٩٨٥)

آه...! دي سناتيس هو واحد من ابطالي على مدار الأزمنة كلها. هذه حكاية شيوعية عن التضامن. عمل هائل طوله ثلاث ساعات تقريباً. فيلم يتحدث كيف الناس يتسلّمون زمام الأمور. انها قصة رجل يتحكّم بالآخرين من خلال جرّهم إلى الأكاذيب. الناس هنا يعيشون في قرية صغيرة معزولة عن باقي العالم. القرية تستنزف والحكومة لا ترعى شؤون سكّانها. تضحك عليهم بالوعود ولكن لا أحد يقوم بأيّ خطوة. يأتي رجل ويقترح أنه يجب التحرك وتدبير الأمور بشكل منفرد، فيصدقونه ويعملون لصالحه، قبل أن يكتشفوا حقيقته بأنه لا يكترث بهم. لكن لحظة التضامن الجماعي تلك ستجعلهم يدركون أهمية التكاتف من أجل نيل ما تحرمهم منه الدولة. هذه ملحمة حياة وبهاء. دي سانتيس يجعلك تلمس الغبار وتشتمّ الورود. هناك أصالة إنسانية. مجدداً فيه شيءٌ بريشتي. في النهاية، هذا فيلم عن كيف يستطيع الناس أن يغيّروا أوضاعهم وحياتهم برمّتها. ليس فيلماً نضالياً على طريقة فوتييه، بل عمل جماهيري ضخم. لعله من المهم أيضاً أن نعرف خلفية الفيلم: دي سانتيس حاول إنجازه لسنوات في ايطاليا، إلا ان لا أحد كان يريد تمويله. ولمّا أصيب باليأس، ذهب ليبحث عن تمويل في يوغوسلافيا السابقة، وهناك وجد ما يبحث عنه. وفقط حينها، تسلّم بعض المال من ايطاليا. لكن الفيلم يُعتبر إنتاجاً يوغوسلافياً وفاز بجائزة "غولدن غلوب" بإسمها. في ايطاليا، عُرض الفيلم باللغة الروسية، وفقط في المناطق التي تحت سيطرة الحزب الشيوعي، وتمّ حذف نصف ساعة منه. هذا مثال على كيف يمكن أن تكون السينما الشعبية نضالية أيضاً.

 

 

"عسكر تحت أضواء النيون" لوانغ بينغ (١٩٦٤)

إنه عن جنود ينتهون للتو من تحرير شانغهاي، فيجدون أنفسهم في مواجهة انحطاط المدينة. فيذعنون لنزواتهم. تستهويهم الرفاهية. ليسوا من نوع العسكر الذين يرفضون كلّ شيء. هؤلاء يحبّون الطعام اللذيذ والنساء الجميلات. تغريهم هذه الحياة ثم يعودون إلى طريق الشيوعية الصالح والسلوك السليم. لكنهم بشر، وهنا تكمن أهمية المخرجة وانغ بينغ (عدم الخلط مع المخرج وانغ بينغ). بينغ كانت أول سينمائية في جمهورية الصين الشعبية. في مرحلة من حياتها، عانت إلى درجة ما كلّ التناقضات التي ألمّت بها. عاشت معضلة أن تكون مخرجة النظام الرسمي وفي الوقت نفسه أن تكون دائماً الاستثناء كونها امرأة. كانت أيضاً من اولى ضحايا الجيش الأحمر، ذلك ان أفلامها اعتُبرت في مرحلة ما "حثالة بورجوازية". إليك واحدة من سيدات السينما المهمومات بالمجتمع وهي ترينا نوع الجمال ونوع السلطة التي تفرضها جماليات الشاشة.

 

عناوين الأفلام بلغتها الأصلية:

1 - Afrique 50
2 - Dialogue with a woman departed
3 - The ditch
4 - Einleitung zu Arnold Schonbergs begleitmusik zu einer lichtspielscene
5 - Gebet für die linke
6 - Jom
7 - Outrage
8 - Rabočij poselok
9 - Cesta duga godinu dana
10 - Níhóngdēng xià de shàobīng

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard