توازنات سياسية داخلية وقوى تقرر "الأمر لي"... هل يستطيع عون كسر الاصطفافات؟

18 كانون الأول 2016 | 14:35

المصدر: "النهار"

(الأرشيف).

أن تتشكل الحكومة يعني أنها نالت الثقة سلفاً من حلقة التوازنات الداخلية في البلد، قبل أن يمنحها مجلس النواب الثقة. وفي حصيلة التوازنات الداخلية والأطراف المقررة فيها اليوم سياسياً وطائفياً، بدا أن تأليف الحكومة واكتمال عقدها مسألتان ليستا بالسهولة التي اعتقدها البعض بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، خصوصاً إذا كنا نعرف أنه ما زال هناك من يمسك بمفاصل رئيسية في القرار منذ اتفاق الطوائف، انطلاقاً من أن الترتيب الطائفي والمذهبي وتراتبيته جعل قوى اساسية تتقدم حصرياً إخراج التوازن وتتحكم يه.لذا وفق هذه التوازنات، العهدليس مطلق اليد السياسية في إدارة شؤون الحكم، خصوصاً وأن الصلاحيات لرئيس الجمهورية وإن كان رمز البلاد وحامي الدستور، ليست مطلقةفي التوزير والتشكيل، على رغم أنه يستطيع نظرياً إعلان تشكيلة أمر واقع مع رئيس الحكومة المكلف، لكن أمام ذلك عقبات كثيرة في الحكم في ظل التوازنات ومن يمتلك مفاتيحها.

هذه الصورة التي ترتسمها وقائع اللحظة السياسية الراهنة في الموقع الرئاسي تعود الى زمن اتفاق الطائف. فليس الموقع المسيحي الأول الذي يريده الرئيس ميشال عون وطنياً هو الحاسم في التراتبية الطائفية والمذهبية وفق التوازنات السياسية الداخلية، وهوالذي أعطى أو فرضالشيعية والسنية السياسيتين أي الإسلام السياسي مجتمعاًعلى حساب المسيحية السياسية مجتمعة خصوصاً المارونية السياسية، فكرّس موازين قوى وصلاحيات جديدة ترجمت خلال الوصاية السورية على لبنان ممارسة بـ"الترويكا"، لم يعد حينها الرئيس الأول قوياً، فكان النظام السوري يحرّك الأحجار ويحدد المناصب والتعيينات كيفما يريد خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي والسنوات الخمس الأولى من الألفية الجديدة، حيثتولت قوى أهلية الحكم وبات لها مصالح ضمن الدولة تتحكم بالتوازنات السياسية الداخلية.

ولعل نظرة الى واقع التركيب الثلاثي للحكم وفق الطوائف الكبرى اليوم يعيدنا الى تركيب الطائف، مع تعديلات تعطي الشيعية السياسية دوراً أكبر وقدرة على التأثير في مسار التوازنات الداخلية، خصوصاً وأن أحد ثنائييها أي #حزب_الله يفرض موقعه المحلي والإقليمي وانخراطه في الحرب السورية دوراً أكبر في تحديد شكل التركيب السياسي الداخلي، الى حد يمكن القول أنه أحد المقررين الرئيسيين بعدما خرج ظافراً حتى الآن من معاركه السورية ومرتاحاً لشارعه، وهو وإن كان مد يده الى مختلف الأطراف السياسية ومن بينها "القوات اللبنانية" للتعاون، إلا أن الواقع يشير الى أن له كلمة عليا في الشؤون اللبنانية العامة، لا يبدو أن أحداً لديه القدرة على مواجهة كتلته المتراصة والمدعومة، كما كانت في السابق من المرجعية السورية، من المرجعية الإيرانية من دون قيود ولا حدود.

هل يمكن استعادة صلاحيات الرئيس القوي فيظل هذا الواقع؟ سؤال طرح في أكثر من محطة، وهو كان عنواناً رئيسياً لـ"التيار العوني" في معركته الأخيرة لترشيح العماد #عون للرئاسة، وهو يعلم أن الطائف قيّد من صلاحيات الرئيس ورسم حدوداً للطوائف ونفوذها، ويعلم التيار أيضاً أن الإنتخاب ما كان ليتم لو لم تجتمع التوازنات الداخلية ومكوناتها الطائفية المقررة لتزكي اسم العماد عون للرئاسة بالأكثرية، فحسم الأمر من دون أن يعني ذلك أن المقررين وفق الطائف تنازلوا عن صلاحياتهم، بل هم في الأساس لا يعطون موقع الرئاسة الأولى حق الكلمة النهائية أو الكلمة الفاصلة المنطلقة من موقع وطني لبناني عام، خصوصاً وأن البعض لا يريد أن يعطي الرئيس الأمر النهائي، اعتباراً لمكانته في التوازنات الداخلية الذي كان مقرراً فيها لسنوات طويلة. وهذا يعني إعادة رسم الحدود والصلاحيات وفق قانون الطوائف، بحيث لا يستطيع الرئيس أن يقدم على خطوات من دون أن تكون للسنية السياسية وللشيعية السياسية تحديداً كلمة الفصل فيها.

وبينما كلنا يعلم أن الرئيس ميشال عون وقبل انتخابه رئيساً شكل مساره السياسي رقماً صعباً في موازين القوى، إلا أنه سيسأل في موقعه الرئاسي عن قدرته ضمن البيئة المسيحية في إعادة تعزيز الرقم الصعب بالصلاحيات، علماً أن رئيس حزب "القوات" سمير جعجع الذي دعمه رئاسياً له موقعه وطموحاته السياسية أيضاً. ثم سيسأل عن موقعه الوطني العام بالتوازي مع السؤال الأول إذا كانت الأولوية للمصالح العامة المسيحية أم لاستعادة الصلاحيات بما يتناسب مع الموقع الوطني الذي يحمي البلد من كل شطح أقلوي على ما يحصل في أكثر من مكان. وفي السياسة لا يمكن تسجيل تقدم في الموقع الرئاسي مع شخصية مثل الرئيس ميشال عون كرئيس للبلد الا يتقديم نموذج مختلف كمسؤول أول بتحصين البلد ضد الأخطار وضد انعكاسات الحروب الاقليمية، وكذلك مواجهة الفساد والشروع في عملية إصلاح شاملة. هذا الأمر بالتأكيد لا يحصل ما لم تستكمل عملية التشكيل الحكومي وإجراء انتخابات نيابية، باعتبار أن العهد لا يزال في بدايته، لكن حكم التناقضات ليس سهلاً، طالما أن مواقع الحكم تتحكم بها التوازنات التي تعبر عن نفسها بخطاب طائفي علني وواضح وتعكس مصالح مترابطة. فبين الرئيس القوي والتوازنات نأمل أن يبقى الإستقرار في لهيب المنطقة قائماً الى أن يعاد ترتيب الحكم على أسس جديدة!

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard