نيسان آخر بلا احتلال واضح

26 نيسان 2016 | 10:43

في ذكرى انسحاب #الجيش_السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، الذي صاحبه نقل المنسحبين معهم، ذات ليلة، تمثال "باسل الاسد" نجل الرئيس الراحل حافظ الاسد، من على طريق عام شتورا - جديتا. يكتب خالد حمود، وهو مهندس معماري من بلدة مجدل عنجر البقاعية، عن خطورة تغيير معالم الامكنة بطريقة تمحو الذاكرة الجماعية، لارتباط الذاكرة بالامكنة وصوغها للهوية المشتركة للمجتمعات. معالجاً من الناحيتين الاجتماعية والجمالية، اقامة مجسم "ساحة الوطن" في المكان عينه الذي كان ينتصب فيه تمثال "باسل الاسد" عنواناً لبطش النظام الامني السوري- اللبناني. يذكر ان المجسم كان قد صمم لانشاء "ساحة الجيش" في ساحة سرايا بعلبك انطلاقاً من رمزية المكان، وجرى نقله الى طريق شتورا – جديتا كبدل من ضائع، بعدما اصطدمت الفكرة برفض "لجنة العمل البلدي" التابعة ل"حزب الله" اقامة المجسم في مدينة بعلبك وبلدة دورس:

 

في إحدى العطل الصيفية، حققت حلماً ظللت أرسم له شتاءً كاملاً. لقد إستطعت أن أجمع 200 دولار اميركي من دون أن يعلم أحد، واتخذت قرارات مصيرية، ومباشرة بعد "امتحانات آخر السنة" بيوم واحد، بدأت بتنفيذها.
فذهبت أولاً واشتريت بندقية صيد "خلع عيار 12" تركية الصنع. ثم قضيت ليلة كاملة أنتظر سكون الكون، حين يغازل رموش الشمس بقصائد من صمت. في هذا الوقت تحديداً الجميع نائم، وقد قررت أن أكون ما أرغب. استيقظت قبل الكون بقليل، وعلى المرآة التي تعرف وجهي جيداً، حلقت شاربي دفعة واحدة.

وللمرة الاولى...هكذا... إلى أن يستيقظ الجميع، لديّ بعض الوقت لأعتادني. ولأن المرآة لا تنام، كانت أول من جَفِل لرؤيتي. ليس صحيحاً أن لا ذاكرة للمرايا، فهي انعكاس المتوقع للصورة التي تشغل براويز الاعتياد ... وبحسب النظرة نرى.
وحدي أمام المرآة، ماذا أفعل؟ هل ألتزم غرفتي؟ أم ألبس للجميع وجه اللا مبالاة؟
لا عين تتسع لصدمتي، لأتخطى المشهد...

وبعدها... في طريقي إلى غرفتي، خرج من الباب أخي عمرو الأصغر سناً مني، كان مستيقظاً نشيطاً ليرافقني الى الصيد. وما إن رأى وجهي ضحِك نصف ضحكة بطيئة، فضحِكت. توقفنا، ثم انفجرنا بضحكة كاملة، وصار الضحك أسرع، وما إن توقفنا قليلاً قال: "نعم هكذا أفضل"، وكانت الضحكة تتشكل بالوقت عينه، على وجهينا معاً. وما أن انتهى من تقويمه حتى تدحرجنا ارضاً، بكرات تتسابق من ضحك.
وكما للشارب أثره في العمر، والمرآة انعكاس ما نرغب، فللمكان ذاكرة ايضاً.
إنطلقنا... وفي طريقنا إلى التلة التي ترفع يدها عالياً"بالحصن"، وتحت ظلّ شجرة من الغابة المحيطة، قال لي أخي يومها إننا اذا حلقنا للكلب شاربه، تصبح حاسة الشمّ لديه أفضل، ولليوم كلما أرى الشجرة ... أسمعه.
بعد مرور ساعة من الملل، تركني وعاد الى المنزل. وقفت على حافة الجبل، وكان الموج تحتي عالياً وأخضر. ثمة قطعة أرض يعود ملكها لوالدي، كان قد أشار اليها جَدي يوماً، حين رافقته في رحلة "تين" الى القلعة. قررت أن أعبرها الى أن أصل أرض "المطارات الإنكليزية"، التي تظهر أطلال حجارتها الصفراء، كسفينة غارقة في بحر من أخضر السنابل.
وصلت لحدود قطعة الأرض، وكانت عيناي الى أسفل، أُحدِثُني وتركض الأفكار في رأسي، أقدام جموع بعيدة تقترب. تزدحم الأفكار، ويعلو صوت الركض نحوي، أسرع وأقرب، الى أن أسمع "وقِف ولك حِيوان"، بعدما دُفعت أرضاً بأيادٍ وأقدامٍ كثيرة.

"شو اسمك ولاك"

عُنُقي الصغيرة بيد غليظة ترفعني بين مجموعة من "جنود الشقيقة البواسل" وصوت: "مو عارف منطقة عسكريّة؟ جايينا مسلح". وأُجرُّ، كفوفاً خفيفة وكدمات، الى "العقيد برهان". يقدمني الجندي للعقيد قابضاً على قبة قميصي من الخلف:" هادا الحِيوان ما يقطع مسلح بمنطقة عسكريّة، سيدي". فيجيب العقيد مقترباً "شو اسمك ولاك؟"، وحين عرف أنني أمتّ بصلة "للبيك" الذي كان صديق سيدهم في عنجر قال: "والله يا عمي، أنا صياد كمان، بس هيّ منطقة عسكريّ". أخذ علبة خرطوش وسمح لي بالعبور.
بعد أيام وفي زيارة لبيت جدي في معمل السكر، وبعد انتشاري وابن خالتي بكل زواريبه وصلنا الى "البوابة". هناك موقف سيارات واسع، بجدران عالية، وسقف من ألواح الحديد، مرفوعة على أعمدة، تفصل بينها وبين الجدار كنافذة، وكانت مغلقة بشرائط شائكة. ما ان رأينا ثقب عبور في الزاوية حتى قفزنا إلى الداخل معاً. على امتداد أرض موقف السيارات، مجسمٌ هائلٌ من رمل، للبقاع كله، بجباله وهضابه وخطوط الأزرق، كان "جيش الشقيقة" قد أعدّه بعناية ودقة. دارت الدبكة فوقه، حتى لم يبقَ نهرٌ يختلف عن سهلٍ، ولا أخضر عن أزرق، ومضينا سعيدين، وضحكنا ضحكة طفلين معاً.
وبعد مسلسل الاغتيالات، وفي أدق مراحل الأزمة بين الوصاية الشقيقة وبيننا، كنا نأتي بالعلم اللبناني ونطويه حتى يبدو كشال المعارضة يومها، أبيض وأحمر، ونلفه على أعناقنا... كانتماء.

"الجنود البواسل"
وحين أوقفنا "حاجزٌ شقيق"، ونَظَر "الخيانة" على أعناقنا صاح "عاملين معارضة يا اسرائيلية، يا كلاب". وبعد زيارة للعقيد في عنجر، الذي كان قد استقبل اتصالاً من "البيك صديقهم". قال العقيد لرجاله: "مو عارفين هاد علم لبنان يا حيوانات؟ هادول قرايبنا من مجدل عنجر مو معارضة". وهكذا خرجنا محملين بالتهديدات الشقيقة والوصاية الجارة.
وعندما صاحت بيروت إغتيالات ابنائها، هبيّنا محملين بأعلام لبنانية علناً، وعلى مرأى الاشقاء متجهين إلى العاصمة... على حاجز شتورا، تحت قدم خيل "باسلالأسد" المرتفعة أعلى من تهديد، انهال علينا "الجنود البواسل" بالضرب وكسروا زجاج مركباتنا، وانتزعوا ما طالت أياديهم من أعلام وداسوا عليها بغلٍّ... لم نتوقف حتى وصلنا بيروت، وما أن شاهدنا الناس عن جسر الرينغ نسينا كل شيء.

المكان عينه

أمرّ منذ فترة عائداً من بيروت، وفي المكان عينه الذي كانت قَدَمُ الحصان تشير إلينا بالخضوع، تقف كتلة اسطوانية من الغرانيت بقطر أسود هائل، تضيقُ من الأعلى بإرتفاع قليل لتبدو مثل "قمع" داكن مقلوب. ومنالجهة الضيقة ترتفع عنقٌ قصيرةٌ أيضاً بالنسبة إلىالقطر، وقد كتب عليها "ساحة الوطن"، وعليها كتلتان من أحمر طفولي مخرقتان بعشوائية، وبينهما أرزة خضراء، من المواد المستخدمة نفسها، مطعّجة. هذا المجسم القليل بمواده الخفيفة وألوانها فوق كل تلك الكتلة الغرانيتية، تخلق أمامك منتجاً مستفزاً بتصميمه ونِسَبه وتعبيره التقليدي، أي مثلاً "إذا اردنا أن نصمم مكتبة نجعلها على شكل كتاب!"، وهذا شيء مرفوض... مرفوض لا سيما في المكان الذي كان يرفع لنا قدماً، قدم التحذير، بعدمااسترقوه سراً، وأرسلوه إلى سوريا قبل خروجهم بأيام. فهذه الكتلة الثقيلة بمقاييس النظر، لا تجعل من "الفكرة التقليدية" التي تحملها سوى مجسم مؤلم من حيث التصميم، موجع من جهة الذاكرة.
يزول الحدث بسرعة ولكن انعكاسه يبقى شاهداً أخرس كمرآته، يحكي بصمت قصة صاخبة عن أناسٍ مروا قبلنا، وتبعناهم على الدرب الشائك ذاته الذي يفضي إلى دولة، وهكذا يتحوّل إلى إجابة لكل الآتين من بعدنا عندما يسألون: "وماذا بعد؟"؛ كان يجب ان نجيبهم في المكان نفسه عبر مجسم يمثّل ما حدث وما آلت إليه الامور. أما الآن وقد قُطعت القصة، واحتل، منبر الجميع، منبرنا، مجسمٌ، لم يحالفه الحظ، بعدما اغتالته "المقاومة"، بأن يرتفع في ساحة أبعد صمم لاجلها لتسمى "ساحة الجيش"، فلن يعرف الآتون من بعدنا شيئاً، ولن يكون هناك شاهد أخرس بل محو أعمى.

النظرة الاولى

في العادة، النظرة الأولى نصف الانطباع، وكل شيء بعدها نصف. وهذا ما يحصل حين دخولنا أي مدينة، المدن تروي أحداثها عبر الصورة المرئية للمتلقي، التي تطرحها المشاهد في عينيه فيتكوّن وجه المدينة كجواب... هنا.
في البقاع، لم نرث أي مكان بذاكرة تضحية لنا، ولا أي معلم يرسي تنوعنا على انتماء لهذه البقعة من الارض التي نأهل. وحين يهِبُنا الحدث ذاكرة نشترك فيها بصورة واحدة، يجب ان نظهرها لتكون شاهداً لانتمائنا، ولبنة أساس لبناء حضارة تتكلمنا وتدل علينا. لن يكون هناك أي اثر حضاري ولا أي مكان يمتّ الى ذاكرتنا، طالما أن هناك من يستطيع بسهولة، ان يسطو على ذاكرة الجميع، ويمحوها بمجسم لم يحالفه الحظ ان يقف في منطقته، ولم يكن هناك أي رقيب.

لم أستغرب ابداً، حين تأكدت أن "الشخصيات" التي تربعت دعماً، و"الكرافيتات" نفسها التي تلونت كما الخطاب، هي بالاغلبية الاشخاص أنفسهم الذين شدوا على أيادي "عنجر" و "شتورا" ليرفع الغرور قدم حصان "القائد" أعلى.
على الجمعيات التي تريد صورة معنونة بإنجاز، ان تفتح عينيها جيداً، لأن هذا المجسّم الذي لم يكن موفقاً في إيصال تعبيره، لا يمتّ لشيء بصلة، ولا حتى للجيش كما كان القصد. ويبقى دليلاً يحكي قصة طمر الأماكن، وغياب الإرتباط بيننا وبين أرضنا التي مسح غياب المسؤول ذاكرتها، وكل معالم الإنتماء.
فحيث الحدث يولد المكان، والانتماء ارتباط وصورة وذاكرة، ثم تأتي بعدهم الحضارة.

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard