"سنة النفايات" كشفت المستور

31 كانون الأول 2015 | 10:11

المصدر: النهار

طبعت أزمة النفايات السنة المنصرمة بنكهة خاصة وباتت تصحّ تسمية الـ2015 "سنة النفايات" بامتياز. ولولا تفاعل المبادرة الرئاسية في الشهر الأخير من السنة لكان الموضوع الوحيد الذي حرّك عجلة الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان على مدى خمسة أشهر، هو "الزبالة" وحلولها وطروحات الحكومة وخلافاتها على هذا الموضوع، والحراك الشعبي الذي نشأ على إثر اندلاع الأزمة مع ما تخلل ذلك من مظاهرات وأعمال شغب.

اقفال مطمر الناعمة

بدأت الازمة فعلياً في 17 تموز 2015 موعد تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية بإقفال مطمر الناعمة وفشل المفاوضات السياسية للتمديد للمطمر لثلاثة اشهر إضافية، حيث عمدت "حملة إقفال مطمر الناعمة" بالتعاون مع اهالي المنطقة الى إقفال كل الطرق المؤدية الى المطمر ومنع اي شاحنة من الدخول لإفراغ حمولتها، فطافت مناطق بيروت وجبل لبنان بالنفايات بسبب عدم وجود خطة بديلة او مكان آخر لطمر النفايات سوى هذا المطمر.
تجنّدت القوى السياسية ومجلس الوزراء لإيجاد حلّ موقّت لهذه القضية التي بدأت تخلق احتقاناً شعبياً في الشارع، فتم الاتفاق بين رئيس الحكومة تمام سلام ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط على نقل النفايات الى منطقة الكسارات في سبلين، ما أحدث غضباً شعبياً في منطقة اقليم الخروب، نجَم عنه إقفال طريق بيروت الجنوب عند منطقة برجا، والتعدّي على شاحنات تنقل النفايات تابعة للمتعهد جهاد العرب نهار الاحد في 26 تموز 2015.
وكاد هذا الإقفال يخلق أزمة إنسانية وسياسية وطائفية نظراً لمصادفة عودة سكان الجنوب الى بيوتهم في العاصمة، واحتجاز الناس في سياراتهم لساعات طويلة قبل ان يتم تطويق الوضع، إثر وعد حاسم بعدم عودة النفايات الى هذا المكان. وبالتالي تصحّ تسمية هذه الخطوة بأنها الشرارة الأولى لحراك شعبي عمّ المناطق كافة لاحقاً.

التخبّط على وقع الازمة ارتفع مع استمرار غرق البلاد في النفايات. وكثرت الطروحات الموقتة لإيجاد حلول لرفع النفايات من الشوارع، وتخفيف الاحتقان الذي بدأ منسوبه يتصاعد، مع اقتراح وزير البيئة محمد المشنوق حلاً يقضي بتوزيع نفايات العاصمة وضواحيها على نحو عشرة مطامر موزعة على مختلف المناطق، مع الاستمرار في إرسال 600 طن من النفايات إلى مطمر الناعمة، بدلاً من نحو 3000 طن كان يستقبلها يومياً. الا هذه الحلول رفضها اهالي المناطق المعنيّة بشكل قاطع، وعمدوا الى إقفال الطرقات المؤدية الى هذه المطامر بينها حبالين وصور ورأس العين وبر الياس وبعلبك وطرابلس.

المناقصات

أطلق مجلس الإنماء والإعمار، صباح الخميس 5 شباط 2015، بالتنسيق مع وزارة البيئة، المناقصات لتلزيم خدمات النفايات الصلبة، التي تشمل كنس وجمع ونقل ومعالجة وطمر واسترداد الطاقة، في المناطق الخدمية التالية:
أ‌ - بيروت الإدارية والضواحي المحدّدة في ملف التلزيم.
ب‌ - أقضية جبيل وكسروان والمتن، باستثناء ضواحي بيروت المشمولة بالمنطقة "أ".
ج - أقضية الشوف وصيدا وعاليه، باستثناء ضواحي بيروت المشمولة بالمنطقة "أ".

وكان من المفترض فضّ العروض في 14 نيسان 2015 ، الا ان طلباً من وزارة البيئة أجل الاطلاق لفترة خمسين يوماً، نظراً للعراقيل التقنية واعتراض الشركات المتقدّمة لضيق الوقت مع صعوبة تأمين مطامر. الا ان تمديد الـ50 يوماً مُدّد مرة اخرى لعدم تقدّم اي شركة لمعالجة نفايات بيروت، وفي هذه الاثناء تصاعد الحراك الشعبي ونزلت مظاهرات عدة على الارض، وحصل اشتباك بين قوى الامن والمتظاهرين.
وفي يوم الاثنين 24 آب 2015 اعلن وزير البيئة محمد المشنوق نتائج العروض المالية لمناقصات النفايات الصلبة إثر اجتماع اللجنة الوزارية والفنية المكلفة درس العروض. وقد اجتازت المرحلة الإدارية والتقنية في قسم من المتن، وكسروان، وجبيل، شركتان من أصل 3 والسعر الأدنى لمجموع الكنس والجمع والمعالجة والطمر حوالي 171,6$/الطن.

وفي الشمال وعكار اجتازت المرحلة الإدارية شركتان بسعر 189,3 $/الطن.
في الجنوب والنبطية اجتازت المرحلة الإدارية والتقنية 3 شركات بسعر ادنى 151,86 $/الطن.
في البقاع وبعلبك - الهرمل اجتازت المرحلة الإدارية التقنية 3 شركات بسعر ادنى 148,95 $/للطن.
في بيروت وضاحيتيها اجتازت المرحلة الإدارية والتقنية شركة واحدة وعرضها بعرض ادنى 168,63 $/الطن.
لم يكن السير بهذه الخطة معبداً بالكامل، بل جوبه برفض وزاري وشعبي كبير نظرًا للاسعار المرتفعة في العروض التي تجاوزت سعر تكلفة الطن الذي تتقاضاه "سوكلين". وجرى دفن الخطة إثر اجتماع في مجلس الوزارء في 24 اب 2015 ، تمخض عن إلغاء المناقصات وتكليف اللجنة الوزارية المتابعة للملف، البحث عن بدائل.

وبعد 5 ايام من قرار إلغاء فض العروض واعتراضاً على الطريقة التي يدار فيها الملف سجّل أكبر حراك شعبي مدني في تاريخ لبنان نهار 29 آب 2015 ، حيث نزل عشرات الآلاف الى الشارع مندّدين بالحكومة، ومطالبين باستقالة وزير البيئة نظراً لسوء ادارته لهذا الموضوع الحساس.

"تنحي" المشنوق وتعيين شهيب

بعد التظاهرة الشعبية وفي 31 آب 2015، أعلن وزير البيئة انسحابه من اللجنة الوزارية المكلفة متابعة ملف النفايات، ايماناً منه بـ"ضرورة التقدم بحلول تحدث خرقاً في الواقع المتردّي نتيجة إغلاق مطمر الناعمة، وعدم إتمام ملف المناقصات، وعجز القوى السياسية عن إيجاد المطامر الصحية"، كما قال.
وبعيد اعلان المشنوق قراره الانسحاب، صدر عن رئاسة مجلس الوزراء بيان يعلن فيه تكليف الرئيس تمام سلام وزير الزراعة اكرم شهيب ترؤس لجنة من الخبراء واصحاب الاختصاص تكون مهمّتها النظر في ملف النفايات واقتراح حلول فورية للأزمة، على ان تبدأ هذه اللجنة عملها فورا.
فشكّل وزير الزراعة لجنة مؤلفة من مجموعة من الخبراء البيئيّين لتقديم خطة متكاملة تشكّل موقتاً في مرحلته الاولى لأزمة النفايات وتقديم خطة لحلٍّ جذريّ في المرحلة الثانية.

خطة شهيب

في 10 ايلول 2015 وافق مجلس الوزراء على خطة مقدّمة من لجنة الوزير شهيب تضمّنت بنودها الاساسية:
1 - لا مركزية المعالجة واعطاء دور للبلديات واتحاداتها في تحمل مسؤولية الملف للمرحلة المستدامة وفق آليات تنفيذية يجري إعدادها لهذه الغاية.
2 - الموافقة على اعتماد مطمرين صحّيين يتم تحضيرهما وفق المعايير البيئية في منطقة سرار في عكار، ومنطقة المصنع في سلسلة جبال لبنان الشرقية، واستكمال دراسة استخدام مكب برج حمود في المرحلة المقبلة في اطار خطة تأهيله، وتكليف مجلس الانماء والاعمار اعداد الدراسات اللازمة مع وزارة البيئة لتأهيل مكب رأس العين والمباشرة بتلزيمه.
3 - بالتزامن مع تنفيذ البند السابق، الموافقة على نقل النفايات المتراكمة في منطقة بيروت وجبل لبنان والتي لم تطمر بين 17-7-2015 وتاريخه الى مطمر الناعمة الذي يفتح لهذه الغاية لمدة سبعة ايام، على ان تبدأ بعدها فورًا اعمال التتريب والتغليف والتخضير وانتاج الطاقة الكهربائية لتوزع مجانا على القرى المجاورة.
4 - تكليف مجلس الانماء والاعمار اتخاذ الاجراءات اللازمة لتجهيز وتشغيل المواقع المقترحة للمعالجة والتخلّص النهائي من النفايات خلال فترة شهر، وفقا للارشادات الفنية المحددة المرفقة بالقرار مع ترتيبات الاشراف اللازمة.
5 - إبلاغ المشغل الحالي لمنطقة خدمات بيروت وجبل لبنان عدم تجديد عقود المعالجة والطمر والإشراف.

6 - تكليف مجلس الانماء والاعمار تمديد عقد الكنس والجمع والنقل مع المشغل الحالي لفترة لا تتجاوز 18 شهراً من تاريخ موافقة مجلس الوزراء على هذا التمديد، وتعديله وفقا للمهام الفعلية وتكليفه تنظيم عقد الإشراف على هذه الاعمال، وإجراء عقد مصالحة عن الفترة الممتدة من تاريخ 2015/7/17 الى حين سريان تمديد العقد أعلاه بالإضافة الى تسديد تكاليف اشغال الطمر في مطمر الناعمة وفقا للبند رقم 3.

فشل الخطة والمكبات وفق المعيار الطائفي

طريق خطة شهيب لم يكن اسهل من طريق المناقصات للحل فزادت الاعتراضات الشعبية وتشكلت حملات في الاماكن المقترحة للحل، تم خلالها إقفال الطرقات، كما كبرت الاحتجاجات في عكار وجرى وضع خيمة بالقرب من المكب المقترح في سرار وتنظيم وقفات احتجاجية. كما رفضت حملة #عالطريق في مجدل عنجر اي مكب في السلسلة الشرقية، ونفّذت اعتصامات عدة، ورفض اهالي برج حمود والاحزاب السياسية الفاعلة في المنطقة اعادة فتح مطمر برج حمود، "بعدما نالوا ما نالوا منه"، اما في الناعمة فقد اخفق الاجماع على اعادة فتحه لسبعة ايام.
التعثر في تنفيذ الخطة أوجبَ طرح تعديلات عدة عليه، وخصوصاً فيما يختص بالمطامر. وبعد الرفض الشعبي العنيف الذي واجهته الخطة الاساسية استوجب طرح تعديلات عليها، وبدأ العمل على ايجاد مطامر في كل منطقة او لكل طائفة، وبدأ طرح اسماء جديدة في المناطق وبرزت مطالبات بتدخل "حزب الله" لايجاد مطمر لنفايات الضاحية، ومطمر لاستقبال نفايات البقاع، وطرح اسم منطقة حام في البقاع، واعادة العمل في مكب الكفور في النبطية، وطرح مطمر في كفرزبد والقاع، جميعها ووجهت بالرفض من ابناء المنطقة.

وكانت المحاولة الاخيرة التي قامت بها الحكومة على هذا الصعيد هي محاولة ايجاد مطمر في منطقة الكوستا برافا، ليحوي نفايات الضاحية والشوف وعاليه، فيما يستقبل مطمر سرار في عكار نفايات بيروت والمتن وكسروان وجبيل، الا ان هذه المحاولة سقطت ايضاً في الضربة القاضية بعد اعلان رئيس الحزب "الديمقراطي اللبناني" طلال ارسلان أنه "بعد التداول لمدة ثلاثة أيام مع المخاتير والبلدية والمشايخ والكهنة وهيئات المجتمع المدني والفعاليات والأحزاب في الشويفات، اتُّخِذ قرار جامع لأهل شويفات برفض مطمر "الكوستا برافا"، مشيرا إلى أن "حل ترحيل النفايات يريح اللبنانيين ويخرج هذا الموضوع من التداول اليومي".

الترحيل

رفض مطمر الكوستابرافا جمّد خطة النفايات نهائياً، وبقيت "الزبالة" تغزو الشوارع وتحولت اغلب الاحراش في المناطق الى مكبات عشوائية، اضافة الى استعمال اساليب غير صحية واعتماد الحرق في اغلبية المناطق، فلجأت الحكومة اللبنانية بتاريخ 22-12-2015 الى اقرار خطة ترحيل النفايات الى الخارج كحل جزئي. اما الحل الجذري فيكون مستداماً كسائر الدول، ويكون على لبنان إيجاد الحلول للنفايات، كما يحصل في سائر الدول مستفيداً منها كصناعة وطنية توفّر الطاقة، وفق ما اكد رئيس الحكومة تمام سلام بعد جلسة اقرار الترحيل، داعياً جميع القوى والأطراف إلى توفير ما يلزم من دعم ومؤازرة، كاشفاً عن احياء الخطة القديمة ضمن البند 3 من مقررات مجلس الوزراء.
ونصّت خطة الترحيل على تكليف مجلس الإنماء والاعمار تلزيم تصدير النفايات إلى خارج الأراضي اللبنانية، وفقاً للقوانين المحلية والدولية المعمول بها لمعالجة النفايات.

- التعاقد مع شركتي "هوا بي في" و"شيروك ارين مايننغ انترناشيونال"، وهما بريطانية وهولندية.
- مُدّة العقد سنة ونصف (18 شهراً) ابتداءً من تاريخ إعطاء الشركة أمر مباشرة العمل.
- كلفة ترحيل الطن الواحد 212 دولاراً مع الكنس و191 دولاراً للطن من دونه.
- الصندوق البلدي المستقل سيتحمل نفقات التنظيفات بنسبة 30 في المئة، بدءاً من 9/9/2015 على ان تقتطع وزارة المالية هذه النسبة.

غموض وأسئلة حول الترحيل

ووفق ما تقدم تبدى حل الترحيل كوحيد لأزمة عصفت في البلد لمدة خمسة اشهر. لكن حتى هذا القرار "الحل" بقي مشوباً بشوائب عدة، ويحمل الكثير من الغموض، وفق ما قال وزير الاقتصاد ألان حكيم لـ"النهار"، حيث أشار الى ان مجلس الوزراء لم يزوّد بتفاصيل العقود مع الشركتين وكيف وصل الاختيار اليهما حصراً، لافتاً الى عدم وضوح، لا بل تفاوت بالارقام بين وزارة الاشغال ووزارة البيئة بالنسبة الى الضرائب في المرفأ.
ورأى حكيم ان "هكذا قرار تم تهريبه تحت شعار الضرورة والموقت، ويندرج في إطار السياسة السيّئة لإدارة البلد".
أسئلة وزير الاقتصاد تبقى مشروعة، ويمكن إضافة أسئلة عديدة عن وجهة التصدير، في ظل عدم الكشف حتى الساعة عن البلد المستورد، وعمليه الفرز قبل التصدير، ومن سيقوم بها، واذا كانت النفايات المتروكة على الطرقات منذ خمسة لا تزال صالحة للفرز.
وفي هذا المجال يتخوّ ف الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة في حديث إلى "النهار" من ترحيل النفايات الى بلدان مضطربة سياسياً، او تشهد حروباً ونزاعات، اي بكلام أوضح تهريب النفايات.

ويشير الى ان لبنان موقّع على اتفاقية "بازل" التي تفرض موافقة الدولة المستوردة للنفايات، وهو ما لم يحصل حتى الساعة"، لافتاً الى ان الاتفاقية عينها تفرض فرز النفايات. وهذا ما لم يستطع احد فعله بفعل فقدانها لقيمتها الحرارية، ولا يستطيع اي معمل فرز في لبنان العمل عليها".
ورغم القرارات والوعود بالحل، تنتهي سنة 2015 والنفايات لا تزال مكدسة على الطرقات وبين بيوت اللبنانيين، والامراض تأكل صحتهم، على أمل ان يحمل العام الجديد تنفيذاً لقرار يريح اللبنانيين وينسيهم واحدة من أبشع الازمات التي مرّوا بها.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard