بين روسيا "العظمى" وإيران "المهمة"... قراءة في "التباين" حيال سوريا والأسد

9 تشرين الثاني 2015 | 18:12

المصدر: "النهار"

  • محمد نمر
  • المصدر: "النهار"

بعد التدخل الروسي كثرت التحليلات في شأن العلاقة الروسية- الايرانية ومصالح البلدين وتباينهما ازاء الملف السوري وتحديداً مصير الرئيس السوري بشار الأسد الذي غامر للمرة الأولى منذ بداية الأزمة وتجاوز الحدود السورية ليلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ومنذ أيام، طافَ على سطح العلاقة تصريح للقائد العام للحرس الثوري الايراني اللواء محمد علي جعفري يؤكد فيه أن "الروس لا يشتركون بموقف واحد مع طهران حيال ملف "حزب الله" و#سوريا". وقال بحسب ما نقلت عنه وكالة "مهر" الايرانية: "#روسيا غير سعيدة بالمقاومة الاسلامية"، كما أنه أضاف: "روسيا تقدم المساعدات على أساس المصالح المشتركة، ولكن ليس من الواضح أن مواقفها تتطابق مع إيران في شأن الرئيس السوري بشار الأسد"، كما نقلت وكالة "فارس" الإيرانية عن جعفري قوله إن بلاده "لا ترى بديلا" للأسد وتعتبره "خطا أحمر وتجاوزه ممنوع".
وكان التباين واضحاً مع المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا حينما سألها صحافي: هل إنقاذ الأسد مسألة مبدأ بالنسبة لروسيا، أجابت: "لا على الإطلاق لم نقل ذلك أبدا". واضافت: "لا نقول إن الأسد يجب أن يرحل أو يبقى، وروسيا لم تغيّر سياستها بشأن الأسد وان مصيره يجب ان يحدده الشعب السوري".
والسؤال الذي ركز عليه المراقبون: هل سيكون التحالف الروسي - الايراني طويل الأمد أم قابل للتغيّر مع التطورات في المنطقة واختلاف المصالح؟ فمن الواضح أن الاثنين يواجهان النفوذ الأميركي في سوريا، وهواجسهما تنسجم في محاربة الارهاب، علماً أن انتقادات كثيرة طالت روسيا في شأن بنك أهدافها حين ركزت على المعارضة المعتدلة أو الاسلامية أكثر من تركيزها على "داعش"، كما أنه بات واضحاً أن الطرفين يحاولان ترسيخ قدميهما في الشرق الأوسط... ولكن!


دولة عظمة وإيران "المهمة"
روسيا ليست إيران، فالأولى دولة عظمى فيما الثانية دولة "مهمة اقليميا"، وهو ما يريد أن يسلط الضوء عليه عضو الاكاديمية الروسية للتعليم واستاذ الفكر الغربي وفلسفة الحضارات في الجامعة اللبنانية الدكتور سهيل فرح الذي تطرق إلى مسألة التباين الايراني الروسي، لكن بالاشارة أولاً "إلى موقع كل من إيران وروسيا في الخريطة الجيو سياسية العالمية والشرق أوسطية"، مشدداً على أن "الرؤية الروسية لمكانة روسيا مختلفة عن مكانة إيران، فالأولى لا تضع سوريا في قائمة أوليات سياستها الجيو سياسية العالمية، بل تعتبر الأزمة السورية واحدة من الالولويات، تنظر إلى كل سوريا"، مشيراً إلى أن "ايران ليست في المكانة الجيو سياسة العالمية نفسها، وروسيا في نهاية المطاف دولة عظمى، أما إيران فهي دولة مهمة جدا على المستوى الاقليمي وليست دولة عظمى".


وبناء على هذه النظرية المنطقية، فإن فرح يؤكد أن "موقع سوريا في الاستراتيجية الجيو السياسة العالمية ليس عابراً وهناك مجموعة من الارتباطات والعلاقات ما بين سوريا وروسيا  تتحرك على أساسها السياسة الروسية"، ويقول لـ" النهار": "لو لم تتدخل روسيا في سوريا لكان الخيار السعودي - الاميركي - القطري واردا بالنسبة إلى امتداد خطوط الغاز والبترول عبر سوريا، خصوصاً في حال تغير النظام في سوريا ولنتخيل حينها كيف سيكون موقع الاقتصاد الروسي المعتمد في شكل اساسي على الغاز والبترول!".
روسيا ذاقت طعم ارهاب الاسلام السياسي في الداخل، ولا تريد تكرار التجربة، لذلك وبحسب فرح "روسيا تريد أن تضرب الارهاب في عقر داره في سوريا قبل أن يرجع وينتقل إليها".
ويشدد فرح على أن "روسيا تتعامل مع سوريا في شكل برغمائي ، بمعنى أن مصير شخص بشار الأسد ليس أولوية بالنسبة إلى السياسة الروسية، مع الاخذ بالاعتبار الادراك الروسي بأن النظام السوري هو نظام مركزي بيروقراطي يعتمد في شكل أساسي على رأس الهرم أي الرئيس الذي يملك كل الصلاحيات، وبالنسبة إلى روسيا فإن انهيار الرئيس يعني انهيار النظام السوري وكل البنية السورية". من هنا يأتي " الخوف الروسي على الدولة السورية وعلى امكانية وقوع فوضى لا أحد يدرك معالمها في حال انهار الرئيس".


"لا تباين"
أما بالنسبة إلى الدكتور طلال عتريسي فإن الحديث عن تباين بين الطرفين "غير صحيح"، ويقول لـ"النهار": "روسيا اكدت ان من يقرر مصير الرئاسة هو الشعب السوري وهذا ايضا ينطبق على الموقف الايراني"، مبرراً مضمون كلام جعفري بأن "تصريحه يأتي من موقع مباشر وعسكري، فحتى الروسي اليوم ليس لديه بدائل عن الأسد".

ويؤكد "وجود تنسيق عالي بين روسيا وايران"، رافضاً التحليل الذي يتحدث عن أن روسيا سحبت سوريا من النفوذ الايراني، "لأن التدخل العسكري الروسي في سوريا حصل بتنسيق كامل مع ايران والدليل على ذلك زيارة سليماني إلى موسكو".
وفي شأن، محاولات التواصل بين روسيا والمعارضة السورية و"الجيش الحر" والغائبة عن ايران، يقول عتريسي: "الروس يستطيعون أن يلعبوا لعبة التواصل مع المعارضة ودعوتهم لزيارتها لكن إيران لا تستطيع الامر عينه لأن المعارضة المحسوبة على دول عربية كالسعودية أو قطر لا تذهب الى طهران لأن الرياض في صراع مع ايران ولا تريد الأسد لأنه حليف ايران".

ويضيف: "إيران وروسيا لا يعملان وفق المنهجية عينها، وإلا كانا دولة واحدة، لكن لدى الطرفين مخاوف من المجموعات التكفيرية التي ستصل الى موسكو وطهران في حال انتصارها، كما أن الطرفين يملكان هدف مواجهة النفوذ الأميركي في المنطقة، خصوصا أن أميركا تريد تطويقهما، كما يهتم البلدان بأن يكون لديهما حليف في المنطقة يحفظ لهما مصالحهما الاستراتيجية"، مشيراً إلى أن "جزءاً من مصالح ايران الاستراتيجية مرتبط بوجود مقاومة في لبنان، أما الروس فمصالحهم الاستراتيجية أن يكون لديهم شبكة علاقات واسعة في المنطقة"، مشيراً إلى أن "روسيا تحتاج إلى حليف مثل ايران في الشرق الاوسط يضع حداً للاقتراب الاميركي منها وايران تحتاج مثل روسيا لتستطيع أن تواجه الأميركي".


نقاط التبيان بين إيران وروسيا
وفي الحديث عن نقاط التقارب والتباين بين الموقفين الروسي والايراني، فإن سهيل فرح يؤكد حقيقة وجود التباين والتقاطع، لكنه في الوقت عينه يشير إلى نقاط "انسجام تام" بين الطرفين.
أولى نقاط التباين بالنسبة إليه، ترتبط بـ"السياسة الايرانية"، موضحاً أن "الايديلوجية القائمة في ايران دينية وتركز على رؤية خاصة اسلامية لقيادة الدولة ولأن المجموعة الحاكمة في سوريا تدور في هذا الفضاء الجيو ديني- سياسي - ايراني، فان رأس النظام هو أولوية بالنسبة لها، لكنه ليس أولوية بالنسبة إلى روسيا".


ثانياً، يعتبر فرح أن "القيادة الايرانية تسعى إلى السيطرة على المفاصل الاساسية للنظام السوري وتحاول أن تفرض نمطاً واحداً من الحكم في بلد متعدد الاثنيات والطوائف والانتماءات الثقافية، فيما روسيا مع الدولة السورية كبلد متعدد الاديان"، لافتاً إلى وجود "نحو 20 مليون مسلم أكثريتهم من السنة في روسيا والأخيرة معنية بالحفاظ على هذه الفئة في الجسم الروسي ومعنية بأن تكون علاقتها جيّدة مع كل الاطياف والمذاهب الدينية، حتى على مستوى العربي". وذكّر بـ"صفقة السلاح بين السعودية وروسيا حيث ستشتري الأولى 60 طائرة روسية، اضافة إلى شبكة العلاقات الواسعة بين الاثنين، كما أن الرئيس بوتين أطلّ بمبادرة عام 2006 "روسيا- العالم الاسلامي" لتمثيل كل العلاقات من كل المذاهب، فيما ايران ليست في هذه المكانة التي يمكن أن تكون فيها صاحبة سياسة شمولية وواسعة كما روسيا".


ثالث النقاط، ميداني، ويكشف فرح عن اتجاه في أوساط واضعي الخطط الاسراتيجية العسكرية على الساحة السورية "يقول أنه آن الاوان للوصول إلى مرحلة لا يتحكم فيها قاسم سليماني بكل صغيرة وكبيرة متعلقة بسير العمليات العسكرية على الارض السورية"، ويضيف: "هناك رأي في هذا الاتجاه ولا يمكن حسمه، لكن هناك أيضاً وجهة نظر تؤكد أنه إذا أرادت روسيا أن تمكن مواقعها على الارض يجب ان تبني شبكة علاقات مع النظام والمعارضة وفي الوقت عينه تحاول التخلص من التأثير العسكري والسياسي الايراني على ابرز مفاصل الحياة السياسية ومسار العمليات العسكرية على الارض السورية".
وعلى الرغم من هذا التباين في الاستراتيجية والسياسة والمكانة، فإن فرح يؤكد "وجود نقاط مشتركة بين الطرفين، ففي نهاية الأمر ايران تطمح أن يكون لها موقع في الفضاء الاوراسي ومعنية ان تكون علاقتها قوية مع روسيا والاخيرة معنية ان تكون علاقتها جيّدة مع ايران، ومن أشكال التعاون المحكم غرف العمليات التي تضم روسيا، إيران العراق وسوريا".


تقارب مع الغرب
من جهته، يذكر العقيد السوري المنشق عبد الستار العساف بأن "روسيا أرادت من التدخل اظهار نواياها السياسية والاستراتيجية في سوريا، وهي تسعى لايجاد مدخل تفاوضي مع المعارضة السورية وعلى رأسها الجيش السوري الحر، ويأتي ذلك رغم النكران السابق، وهذا أول مؤشرات الخلاف بين روسيا وإيران والنظام السوري". ويضيف: "استطاعت روسيا أن تفتح خطاً تفاوضياً مع الدول العربية والغربية لحل الأزمة السورية سياسياً وهنا يبرز الخلاف الثاني، إذ تسعى ايران وتركز على العمل العسكري لتحقيق نصر لها وللنظام السوري".
ويعتبر أن "روسيا تريد دورا للمعارضة المسلحة في مستقبل سوريا الجديدة، فيما ايران والنظام لا يريدان سوى بشار الأسد ونظامه والسيطرة على الساحل ودمشق وبعض المدن إن أمكن "، ويضيف ان "الخلاف الثالث يكمن في أن ايران والنظام يعتبران المعارضة السورية المسلحة بمجموعاتها كافة "ارهابية"، لهذا فإن التقارب والدعوات بين روسيا والمعارضة المسلحة والسياسية يقرب موسكو من الغرب واميركا والعرب".


mohammad.nimer@annahar.com.lb
Twitter: @mohamad_nimer

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard