أمين معلوف اللبنانيّ الخالص

3 حزيران 2015 | 20:39

سُجِّل دخول داني لافيريير تحت قبّة "الأكاديميّة الفرنسية" عضواً جديداً فيها كحدثٍ مُتشعّب البُعد. أفاضَت "لو ماغازين ليتيرير"، كما فعَلَت مطبوعات فرنسيّة سواها، في الحديث عن الوافد إلى ملكوت الخالدين، كأول كندّي ينال أحد التشريفات الأدبيّة الأرفع في العالم الناطق بالفرنسية، وكسليل للمنافي - أكانت طوعيةً أو جبريةً - وجَدَ في الكتابة إستراحة من الترحال السرمديّ.
في خضمّ الكلام الباحث في التحوّل الطارىء على هويّات المؤلِّفين الذين جلسوا حَديثاً، وتحديداً في الأعوام اليسيرة المنصرمة، في مقاعد الصرح المرجعي، تراءى توصيف عميد "الأكاديمية" جان دورميسون لمجيء لافيريير ناتئاً من حيث استعانته بدقّة رفيعة تكاد تُشبه تلك التي يحتكرها الجرّاحون. قال دورميسون "سيرثُ كَنَديّ يأتي من كيبيك وهو من هايتي في الأساس، رجلاً فرنسياً أرجنتينياً من أصول إيطالية، في حين سيستقبلُه لبنانيّ. والحال ان هذه هي الأكاديمية".
أشار دورميسون في كلامه إلى ثلاثة: المُحتفى به داني لافيريير أولاً، بطبيعة الحال، والراحل هكتور بيانكيوتي ثانيا، وأمين معلوف ثالثا. يدلّنا هؤلاء في مسارهم على تبديل راهن أصاب مفهوم الإنتماء الأدبي الذي لم يعد كلمة مُفردة، وإنما صار على نحو ما، صيغةً جامعةً. في حين تشير تجربتهم أيضا إلى أي حدّ غدوا يدينون إلى مصطلح أدب العالم بالفرنسية الذي تقدّم على ما عداه ولاسيما على الفرنكوفونية التي لم يعد ثمة حرجٍ في نعيها.
لن يكون هؤلاء الثلاثة بما يمثلوه بعد اليوم نوّاب بلدان أقلوية تتجذّر في قارات العالم الخمس وحدث أن عبَروا إلى لغة أكثروية هي الفرنسية. لكل من الكُتّاب الثلاثة خلفيّة على خصوصية تقاطعت مع إنتقاء الفرنسية لسانا أدبيّاً لتغدو الوعاء الجامع.
ليس غريبا أن يُفنّد دورميسون مروحة الأصول لكل كاتب على حدة، ذلك ان النقاء الخالص الذي تمظهَر سمة طاغية في كنف "الأكاديمية" في ما مضى، بات بحكم المُنتهي لثلة من العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية. وفي الموازاة، لم يعد ثمة شكوك تعتري الأدب حين يستنبطه غير الفرنسيين بالفرنسية.
يُمكن تفسير الكثير في كلام دورميسون. في وسعنا التمهّل عند عولمة "الأكاديمية" وخروجها على نطاقها التقليدي أي فرنسا (متروبول) الأرض الأم، وغرفها، من دون تردّد، من جميع الروافد الأدبية التي تحوطها، وما أكثرها. في وسعنا السؤال خصوصا عن سبب تصنيف دورميسون لمعلوف كاتباً لبنانياً فحسب، من دون إضافات، في اسقاط نخالٌه واعيا لثنائيته الفرنسيّة- اللبنانية.
تحدّث دورميسون عن لافيريير كاتب غادر العنف المستشري في مسقطه في جزيرته هايتي إلى الشطر الشمالي من القارة الأميركية وإلى كندا تحديدا، لكي لا يصير الإسم التالي في قائمة الموت. وتوقّف دورميسون عند بيانكيوتي الذي رأى النور في قرطبة الأرجنتينيّة وجعلته فرنسا إبنها المتأخر وظلّ إلى حين غيابه الممثل الوحيد للثقافة الناطقة بالقشتالية في كنف "الأكاديمية". غير ان دورميسون لم يجد كلاما ينعت من طريقه معلوف يتخطّى صفة اللبناني.
عند لافيريير، جاءت "رائحة القهوة" بمثابة رواية هايتي الإستهلالية، في حين كتب بيانكيوتي عن متاهة داخلية نشأت في الطفولة الأرجنتينية، أما معلوف فظلّ يرود المكان الأول، كأنه إيثاكا المرجوة، كما حين كَتب في "التائهون" بمرارة خانها الأمل عن لبنان البلاد التي تصفق الأبواب في وجه مواطنيها وليس العكس. بلاد تختار هي أن تهجر أبناءها.
يتردّد في شوارع القارة الأفريقية أن اللبناني هو مهنة وليس جنسيّة. يسلّم دورميسون بهذا الإقتناع، على نحو ما، حين يصف أمين معلوف باللبناني من دون إضافات. لا يحتاج إلى استدعاء المزيد للقول كم يصعب أن يُمحى وشم الولادة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard