عرّف العلم الصحافة بأنها المهنة التي تقوم على جمع الأخبار وتحليلها والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور، ومع الايام اصبحت الصحافة وسيلة لتوجيه الرأي العام، تحمل قضية وتسعى الى تحقيقها عبر الكلمة. ويبدو ان الكلمة تزعج الكثيرين ولا زالت، لكن لم تتم مواجهتها بالكلمة انما بالقتل والشنق والتفجير في كثير من الاحيان. ودفع الصحافيون حياتهم ثمن كلمتهم. طبعاً لبنان الذي يحتفل بعيد شهداء الصحافة اليوم، لم يكن استثناءً ودفع صحافيوه منذ عشرات السنين اثمان مواقفهم دماً. لكن رغم الدم الكثير الذي سال، اثبتت الصحافة اللبنانية انها اقوى واجرأ من القتلة مهما زاد حقدهم.
في مناسبة عيد شهداء الصحافة، نستذكر كوكبة من الصحافيين الذين قدموا اجسادهم قرباناً على مذبح الوطن، فكان السادس من أيار العام 1916 محطة لا تنسى في تاريخ لبنان الحديث. في ذلك اليوم الاسود علق جمال باشا السفاح المشانق لعدد من اللبنانيين، بينهم ثلة من الصحافيين. كان ذلك في ساحة الاتحاد في وسط بيروت، التي اصبحت ساحة البرج، قبل أن تستعيد اسمها ساحة الشهداء.
في مقال منشور في "النهار" للزميلة الين فرح (06/05/2012)، إحصاءٌ للصحافيين الذين قضوا دفاعاً عن حرية الكلمة من العهد العثماني الى ما بعد الاستقلال. بدءاً من ساحة المرجة حيث شنق أول شهداء الصحافة أحمد ناصر كما أعدم 11 صحافياً هم: الشيخ أحمد حسن طبارة (صاحب جريدتي "الاصلاح" و"الاتحاد العثماني")، سعيد فاضل عقل (صاحب جريدة "البيرق" في بعبدا، ورئيس تحرير عدد من الصحف أهمها "النصير" و"الاصلاح" ولسان الحال")، عمر حمد (شاعر شعبي ومحرر صحافي جريء كتب في جريدتي "المفيد" و"الاصلاح")، عبد الغني العريسي (صاحب "المفيد" و"فتى العرب" و"لسان العرب")، الامير عارف الشهاب (المحرر السياسي البارز في جريدة "المفيد" البيروتية)، بترو باولي (مدير جريدة "الوطن" ورئيس تحرير جريدة "المراقب" البيروتية")، الصحافي الشهير جورجي حداد (كتب في جريدة "المقتبس" في دمشق، وجريدتي "لبنان" و"الرقيب" في بيروت).
ولم يتوقف جمال باشا السفاح عن سياسة الاعدام فنفذ أحكاماً بحق الشهيدين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة "الأرز".
بعد الاستقلال
ورغم انتهاء العهد العثماني وبعده الانتداب الفرنسي، بقي الصحافيون في دائرة الاستهداف، فعبارات "التمديد جريمة" و"ارفض الاعتداء على الدستور" كلّفت الصحافي نسيب المتني حياته برصاصات غادرة اشعلت من بعدها ثورة عرفت بثورة 1958 في عهد الرئيس كميل شمعون.
شارل مالك ، توهنون رؤوسكم
كلما رحتم تنطحونه
ارحموا رؤوسكم
كلمات من مقال للصحافي ﻓﺅﺍﺩ ﺤﺩﺍﺩ ﺍﻟﻤﻠﻘﺏ ﺒـ"ﺍﺒﻭ ﺍﻟﺤﻥ" كانت الاخيرة قبل خطفه أثناء خروجه من وزارة التربية (كان رئيس الدائرة الفنية لوزارة التربية) ﻓﻲ 19 ﺃﻴﻠﻭل ﺍﻟﻌﺎﻡ 1958 ، وهو الذي كان يكتب عموداً في الصفحة الاولى في جريدة "العمل"، وكان قلمه ساخراً لاذعاً، وﻜﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻭﺍﻷﺭﺒﻌﻴﻥ ﻤﻥ ﻋﻤﺭﻩ.
بعد نحو ثماني سنوات، قال كامل مروة كلمته ومشى فهو جعل عنوان مقالاته " قل كلمتك وامشي" فارتوت "دار الحياة" بدمائه، ومروة عمل في صحف عدة أبرزها "النهار"، قبل أن يطلق جريدة "الحياة". وبرز كأحد ألمع الصحافيين في مدرسة مؤسس "النهار" الراحل جبران تويني، وصادق ملوكاً ورؤساء عرباً، واختلف في الرأي مع آخرين، الى أن وجد مضرجاً بدمائه في 16 أيار 1966 خلف مكتبه في "الحياة".
وفي 16 ايار 1976 خسر لبنان صحافياً مميّزاً اخر هو ادوار صعب الذي تربع على عرش الصحافة اللبنانية الصادرة باللغة الفرنسية. وقبل استشهاده، قال كلماته الاخيرة لزوجته نهى شلحط: "ان لبنان سيحتجب فترة. ومنذ اليوم وحتى عشرين عاماً، سوف يفقد لبنان سيادته وحرية قراره. لكن بعدها سينهض كبيراً من كبوته منتصراً على الاعاصير كلها".
واثناء الحرب الاهلية اللبنانية وبعدما اقسم انه لن يركع ( "لن اركع" عنوان مقال كتبه اللوزي هاجم فيه بعنف السلطة انذاك) اختطف الصحافي سليم اللوزي على طريق المطار في 25 شباط 1980 وعُثر عليه مقتولا بعد 9 أيام في أحراج عرمون قرب مواقع للقوات الخاصة السورية. في مشهد تعذيب بشع: "ملقى على بطنه، في مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. ذراعه اليمنى مسلوخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمسة سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت. كما عثر على أقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف".
"قتلوني يا عار بنادقهم". لعلها كانت عبارة نقيب الصحافة اللبنانية السابق رياض طه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما اخترقت ست رصاصات من النوع المتفجّر رأسه وعنقه وصدره صباح 23 تموز 1980، واضعة حداً لحياة صحافي لامع لعب دوراً بارزاً من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين، في عزّ صراعاتهم وتناقضاتهم وانقساماتهم.
وقيل إن إحدى افتتاحيات طه كانت سبباً في "إهدار" دمه، إذ خاطب فيها أحد الزعماء، قائلاً: "إن قافلة الوعي والتقدم تنطلق بسرعة، فإياك وأن تتعرض لها لأنها ستجتاح كل من يقف دونها. ليتك تقرأ... لتدري أن المصارعين من رجال الأفكار والمبادئ لا يوهن عزائمهم إرهاب أو اضطهاد ولا يخيفهم سلاح، لأنهم لا يخشون الموت... ولكنك لا تقرأ ولا تدري (...)، وإذا قتلت رياض طه، فإن قتله سيخلده وستشب من دمه نار تلتهمك أنت وذريتك (...). حقاً إنني لا أحقد عليك بقدر ما أرثي لك".
6 سنوات تمر على اغتيال طه، ويسقط صحافي شهيد آخر هو رئيس تحرير "النداء"، والمدير العام المسؤول في مجلة "الطريق" وأحد الوجوه البارزة في "الحركة الوطنية" اللبنانية والحزب الشيوعي اللبناني.
سهيل طويلة شهيد آخر تغتاله رصاصات مجهولة في 24 شباط 1986.
واكمل الأسلوب الجبان والقاتل لإسكات القلم الحر بعد انتهاء الحرب اللبنانية وانجاز اتفاق المصالحة او اتفاق الطائف، ففي 15 كانون الثاني 1992 اغتال مسلحان الكاتب والباحث مصطفى جحا بإطلاق النار عليه في سيارته قرب منزله في السبتية. كما شنّت إسرائيل عملية جوية عرفت بعملية "تصفية الحساب" ضدّ المقاومة في الجنوب اللبناني، فكان من ابرز شهدائها مراسل قناة "المنار" أحمد حيدر.
الاستقلال الثاني
في 2 حزيران، اغتيل الصحافي في جريدة "النهار" سمير قصير في انفجار داخل سيارته في منطقة الأشرفية، فالكاتب والمناضل قصير هو من كان خلف شعار "انتفاضة الاستقلال- 2005" ولعب دوراً بارزاً في التقاط لحظة الاستقلال الثاني. وكان له العديد من المؤلفات نذكر منها "عسكر على مين"، "لبنان الجمهورية المفقودة" (2004)، "ديموقراطية سوريا واستقلال لبنان"، "البحث عن ربيع دمشق" (2004)، "تأملات في شتاء العرب" (2005).
وقبل ان يلملم اللبنانيون جراحهم ، ابت يد الحقد والاجرام الا ان توجه الضربة الاقسى للصحافة اللبنانية في التاريخ الحديث فامتدت لتنال من رئيس مجلس ادارة "النهار" جبران تويني عبر تفجير سيارته في المكلّس صباح 12 كانون الأول 2005، فقتل على الفور مع إثنين من مرافقيه اندريه مراد ونقولا الفلوطي. وأضحى شهيد لبنان العظيم الذي دافع عنه حتى الشهادة، مطلقاً قسمه الشهير في انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005 في ساحة الشهداء، ولا يزال يردده الآلاف الى الآن.
وفي 22 تموز 2006، أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان، استشهد سليمان الشدياق مدير محطة إرسال تابعة للمؤسسة اللبنانية للإرسال في منطقة فتقا، وفي 23 تموز استشهدت المصورة العاملة مع مجلة الجرس"وكالة الصحافة الفرنسية" ليال نجيب اثناء توجّهها إلى بلدة قانا.
واستشهد مراسل جريدة "الأخبار" عساف بو رحال بعدما استهدفه الرصاص الإسرائيلي خلال متابعته للإعتداء الاسرائيلي على منطقة العديسة في 3 آب العام 2010 واشتباك القوات الاسرائيلية مع الجيش اللبناني.
في 9 نيسان 2012، استشهد المصوّر علي شعبان من قناة "الجديد" أثناء تغطية فريق المحطة أحوال المنطقة الحدودية بعد اشتباكات شهدتها بين الجيش السوري والمعارضة السورية.
اخر قافلة الشهداء، كانت مع مراسل قناة "المنار" حمزة الحاج حسن والتقني حليم علوه والمصور محمد منتش بعد تعرض سيارتهم لاطلاق نار أثناء تغطيتهم استعادة الجيش السوري لبلدة معلولا في جبال القلمون بسوريا في 14 نيسان 2014. ورغم الانقسام السياسي الحاد بين اللبنانيين في ملفات عدّة، قلّما أثّر الامر على التضامن بين الجسد الاعلامي الواحد.
نبض