رداً على الضمّ... هل تعترف بروكسيل بفلسطين دولةً مستقلّة؟

10 تموز 2020 | 17:41

المصدر: "النهار"

من الأرشيف - الرئيس الفلسطيني محمود عباس في زيارة إلى البرلمان الأوروبي وفي استقباله رئيس البرلمان السابق مارتن شولتز، 2015 - الصورة عن موقع البرلمان الأوروبي

كانت لافتة دعوة مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في "مركز الأمن الأميركيّ الجديد" إيلان غولدنبرغ الكونغرس إلى اتّخاذ خطوات عمليّة ردّاً على احتمال بدء تنفيذ الحكومة الإسرائيليّة ضمّ مناطق من الضفّة الغربيّة. 

غولدنبرغ الذي كان ضمن الفريق التفاوضيّ لوزارة الخارجيّة الأميركيّة في شؤون الصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ كتب في صحيفة "واشنطن بوست" أنّ الردّ الوحيد على الخطوة الإسرائيليّة سيتجسّد باعتراف الكونغرس بفلسطين دولة مستقلّة.


"حلّ وسط"

أدرك غولدنبرغ مخاطر مسارعة تل أبيب لتنفيذ عمليّة الضمّ وهي نهاية حلّ الدولتين واحتمال تقلّص آمال الفلسطينيّين بقيام دولتهم الخاصّة إضافة إلى تآكل سلطتهم الوطنيّة وتحوّلها إلى مؤسّسات غير قادرة على العمل. وبالعكس، إنّ الاعتراف بدولة فلسطينيّة سيقدّم دفعاً قويّاً للطموح الفلسطينيّ الوطنيّ وسيعزّز شرعيّة السلطة الفلسطينيّة وفقاً للكاتب.

معرفة مدى استجابة الكونغرس لهذه الدعوة مؤجّلة إلى ما بعد انتخابات تشرين الثاني. بحسب آخر استطلاعات الرأي، يُتوقّع أن يحصد الديموقراطيّون غالبيّة مجلس النوّاب بأريحيّة، مع إمكانيّة تحقيقهم تعادلاً في مجلس الشيوخ. وسينتخب الأميركيّون مجلساً نيابيّاً جديداً و 35 عضواً في مجلس الشيوخ من أصل مئة، بالتزامن مع تصويتهم للرئيس. فوز الديموقراطيّين بالكونغرس والرئاسة قد لا يحسم التوجّه العام للإدارة المقبلة إزاء القضيّة الفلسطينيّة، وإن كان من المرجّح أن تشهد العلاقة الأميركيّة-الإسرائيليّة قيوداً عدّة.

يعتقد غولدنبرغ ضمناً أنّ مبادرته قادرة على أن تبصر النور لكونها تشكّل حلّاً وسطاً بين مختلف الأجنحة في الحزب الديموقراطيّ. يرى المحافظون في الحزب أنّ إقناع إسرائيل بالتوقّف عند حدود ما سبق لها أن ضمّته أو حتى التهديد بسحب اعتراف ترامب بما تحقّق من تلك العمليّة سيكون كافياً. بينما يعتقد التقدّميّون أنّ وضع شروط على المليارات التي تقدّمها الولايات المتّحدة سنويّاً كمساعدة أمنيّة إلى تل أبيب سيكون الخطوة المناسبة. يردّ الباحث بأنّ التوجّه الأوّل ليس خطوة ملموسة بينما سيؤذي الثاني المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة في الشرق الأوسط.


أهمّ من العقوبات على إسرائيل

إنّ سياسة أميركيّة تهدّد تل أبيب بالاعتراف بفلسطين دولة قائمة بذاتها إذا تابعت خطوة الضمّ، قد تحفّز الاتّحاد الأوروبّيّ على اتّباع سياسة مماثلة. منذ سنتين، كان هنالك رفض أوروبّيّ لاتّخاذ خطوة كهذه. لكن مع مرور الوقت وعمل واشنطن وتل أبيب على تقويض فرص إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة، برزت مؤشّرات إلى وجود انعطافة أوروبّيّة في هذه القضيّة. ويمكن أن تكون هذه الانعطافة مستقلّة عن السياسة الأميركيّة.

خلال حديث إلى وكالة "رويترز" في تشرين الثاني الماضي، قال وزير خارجيّة لوكسمبورغ جان أسَلبورن إنّ على الاتّحاد الأوروبّيّ الاعتراف بدولة فلسطينيّة بعدما أعربت الولايات المتحدة عن دعمها الاستطيان الإسرائيليّ في الضفّة الغربيّة المحتلّة. وأضاف: "الاعتراف بدولة فلسطينيّة لن يكون خدمة ولا تفويضاً مطلقاً لكن بدلاً من ذلك مجرّد اعتراف بحق الشعب الفلسطينيّ بدولته الخاصّة." وشدّد بالمقابل على أنّ القرار لن يكون "ضدّ إسرائيل" بل سيشكّل إجراء يهدف إلى إفساح المجال أمام حلّ الدولتين.

وكان البرلمان الأوروبّيّ قد تبنّى قراراً سنة 2014 يدعم فيه قيام دولة فلسطينيّة "من حيث المبدأ"، وقد جاء هذا القرار كحلّ وسط حين أراد المشرّعون اليساريّون حضّ جميع الدول الأعضاء على الاعتراف بدولة فلسطين "بطريقة غير مشروطة". واعترف تسعة أعضاء من الاتّحاد الأوروبّي بالدولة الفلسطينيّة بشكل فرديّ. يعدّ أسلبورن داعماً نشطاً لحلّ الدولتين، حتى أنّه ذهب إلى مقارنة عمليّة الضمّ الإسرائيليّة لمناطق من الضفّة بضمّ روسيا للقرم، قائلاً إنّه "لا فرق على الإطلاق" بين الخطوتين.

وحين سألته مجلّة "دير شبيغل" الألمانيّة في حزيران عن السياسة البديلة بما أنّ فرض عقوبات أوروبّيّة على إسرائيل سيواجَه ب "فيتو" ألمانيّ على الأرجح، كرّر بأنّ البديل سيكون الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة. وشرح أنّ هذه الخطوة أسهل لأنّها لا تتطلّب إجماعاً كما في حال العقوبات، وأنّه إذا اتّبع آخرون مثال أسوج ومالطا وقبرص وتشيكيا والمجر ورومانيا وبولونيا وسلوفاكيا فالإنجاز سيكون أكبر من العقوبات الاقتصاديّة.


عراقيل أمام بروكسيل

لكنّ هذه الخطوة قد لا تكون يسيرة حتى بالنسبة إلى الأوروبّيّين. وهذا ما يوضحه ل "النهار" زميل السياسات في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع ل "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة هيو لوفات. فالاعتراف بفلسطين ليس من صلاحيّة الاتّحاد الأوروبّيّ وفقاً للباحث الذي يضيف أن لا آفاق لموافقة جميع دوله الأعضاء على هذه المسألة:

"على الرغم من ذلك، أعتقد أنّ مجموعة أصغر من الدول الأعضاء يمكن أن تتحرّك قدماً بالاعتراف كردّ على الضمّ. وتلك تتضمّن لوكسمبورغ، إسبانيا، بلجيكا وإيراندا." ولم يستبعد أن تنضمّ إليها لاحقاً البرتغال وسلوفينيا. ولفت النظر إلى وجود تلكّؤ لدى هذه الدول باتّخاذ الخطوة من دون فرنسا التي لم تظهر أيّ مؤشّر إلى تتبّع هذه السياسة بالرغم من قولها إنّها ستفعل ذلك حين تصبح الظروف مؤاتية.

حتى في ما يخصّ غالبيّة الدول الأوروبّيّة التي اعترفت بفلسطين، فقد حصل ذلك أيّام الاتّحاد السوفياتيّ. وهي اليوم، بحسب الباحث، من الدول الشرقيّة التي تميل إلى أن تكون أقلّ دعماً للحقوق الفلسطينيّة. ومع أنّها لم تسحب ذلك الاعتراف، يبقى أنّ هذه الدول لا تُترجِم حاليّاً اعترافها بفلسطين على المستوى السياسيّ.

ويبدي لوفات أسفه لأنّ دولاً قليلة أبدت استعدادها للاعتراف بفلسطين في الماضي حين أمكن هذه الخطة أن تتمتّع بنتائج أكثر تأثيراً على مستوى تعزيز حلّ الدولتين، "وأنّها عوضاً عن ذلك قد تفعل هذا حين لن يعود بالإمكان التوصّل إلى حلّ الدولتين."

إذاً تبدو المؤشّرات عن انعطافة أوروبّيّة غير جدّيّة، أقلّه طالما أنّ فرنسا ممتنعة عن أخذ القرار الجريء. فهل يتبدّل الموقف الفرنسيّ، وتالياً الأوروبّيّ، في حال وصل الديموقراطيّون إلى السلطة السنة المقبلة؟


بين المستبعد والمرجّح

"لا أعتقد أنّ إدارة جو بايدن ستعترف بشكل أحاديّ بدولة فلسطينيّة." هكذا يردّ الأستاذ المشارك في "مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجيّة" في "جامعة الدفاع الوطنيّ" الدكتور مايكل شارنوف على سؤال "النهار".

وتابع: "مع ذلك، من المرجّح أن تضغط على إسرائيل كي تتراجع عن نواياها بضمّ أي أرض في الضفّة الغربيّة. ومن المرجّح أيضاً أن تعكس بعض سياسات إدارة ترامب مثل إعادة تأسيس روابط مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة بعدما تمّ ترحيل بعثتها من واشنطن. وقد تساعد إدارة ديموقراطيّة إجراءات بناء الثقة بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين لإعادتهم إلى طاولة المفاوضات مع السعي للتوصّل إلى اتّفاق سياسيّ."

ويذكّر شارنوف بأنّ لجو بايدن "سجلّا قويّاً في التصويت لدعم إسرائيل لكنّه استنكر أيضاً النشاط الاستيطانيّ في الضفّة الغربيّة والذي يرى فيه تأثيراً هدّاماً على أمن إسرائيل ويقوّض احتمال إنجاز حلّ دولتين."

إذاً، قد لا تلاقي دعوة غولدنبرغ صدى في دوائر القرار الأوروبّيّة والأميركيّة بغضّ النظر عن أيّ تغيّر في طبيعة القيادة. لكن على الأقلّ، بإمكان إدارة ديموقراطيّة محتملة أن تعيد إحياء مسار التفاوض الفلسطينيّ-الإسرائيليّ بناء على مشروع الدولتين. لكن لا مفرّ من تطلّب إعادة الإحياء هذه ضغطاً أميركيّاً وأوروبّيّاً جدّياً على الإسرائيليّين للقبول بالتنازلات. فأيّ شكل سيتّخذه هذا الضغط إن وُجد؟ وهل سيكون الاعتراف بفلسطين أحد أشكاله الاحتياطيّة في المدى البعيد؟ وحتى لو صحّ الاحتمال الأخير، ألن يأتي الاعتراف متأخّراً كما يعتقد لوفات؟

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard