28-05-2020 | 23:32
ماذا يعني لمثقفين غياب مقهى بيروتيّ هو مكان للمؤانسة وملتقى للنقاش؟
ماذا يعني لمثقفين غياب مقهى بيروتيّ هو مكان للمؤانسة وملتقى للنقاش؟
Smaller Bigger

يوم غنّت فيروز "في قهوة عَ المفرق"، لم تُردنا ربما أن نتألّم. المدينة مؤلمة، فحين تهجرها معالمها، تسكنها خيالات الأشباح. أرادت محاكاة الحنين وترسّبات الهشاشة في الأعماق المُرهفة. مُتعب السؤال: ماذا بقي لنا من بيروت، وسط الوجع والمفارقات وقسوة تبخُّر الهوية. يطول النقاش حول تبدُّل فكرة المدينة ونموذجها المستجدّ، لكنّ إقفال مقهى "دار بيسترو" حرَّك الجرح بملعقة صدئة. ماذا يعني غياب مقهى جديد، هو مكان للمؤانسة، ومتكأ للجلوس والتأمّل، وملتقى للحوار والسؤال والنقاش؟ ثلاثة آراء، والكآبة واحدة.

غيَّر الكاتب والصحافي يوسف بزّي نمط حياته اليومية منذ العام 2008. لم يعد مقهى الرصيف وفضاؤه في شارع الحمراء جزءاً من روتينه وطقوسه الاجتماعية. "تكيّفتُ العيش من دون المقهى وطاولاته وشلله"، يتحدّث بهدوء، كأنّه يُطرّز الجُمل. بدا ذلك انتهاء لحقبة السجال الشفوي الثقافي ومناخاته العلنيّة المطعّمة بروح النميمة والنقد الارتجالي والتعليق السياسي العفوي. منذ ذلك الحين، وبيروت تشهد إقفال مقاهٍ وافتتاح أخرى: "أمكنة جيلي قد بادت، لكنّ الأجيال الجديدة وجدت أماكنها المتوائمة مع طقوسها المختلفة. هذا حال التحوّل الذي يصيب كلّ مدينة بين حقبة وأخرى، وبين جيل وآخر".

لا يروقه اختزال المقهى البيروتيّ بشارع الحمراء وحده. رأس بيروت بأكملها في الذاكرة، بأرصفتها وصخبها ومقاهيها وحركتها الطالبية: "كانت للمدينة، قبل الأزمة الأخيرة، عدا الحمراء ورأس بيروت، أمكنة للاجتماع والتواصل والسهر، موزّعة ما بين مار مخايل والجمّيزة ومونو والأشرفية والدوان تاون، وصولاً إلى بدارو. لم يكن للمثقف شارع الحمراء فحسب. إنها أسطورة مدينية غير مطابقة للواقع". يُعدّد شوارع بيروتية محفورة في العمق: بلس، جان دارك، فردان، وسواها، "لا تزال تحمل طابع عدم الانتماء إلى أي جماعة أهلية أو طائفية أو سياسية، وتتيح الشعور بالحرية الاجتماعية، مما يسمح للشباب وطلاب الجامعات و(اللامنتمين) الاختلاط والتعارف وتحقيق بعض مظاهر الفردية، بعيداً من وصاية الهويات القبلية".