بين قيام الإنسان من الموت، وقيام دولة الإنسان بشخص المخلّص الموعود قصّة طويلة، يدركها الإنسان بوجع تجربته ومخزون الحق فيه، ويراها شاخصة في أكناف السماء، لأن الإنسان الخليفة أو الإنسان المؤتمن أو الإنسان المتصل بروح القدس وعناوين عظمتها، تحوّل للأسف مع التجربة، إلى كيانات سياسية وقبلية وحزبية وفكرية تعيش على الدماء والقتل والفظاعات والأحقاد، بخلفية وثن يعبده، وصنم يحمله، و"أنا" متوحشة تتحكم بغريزته ورغباته وسلطته، بل بكل قدراته المختلفة، حتى في زمن انتشار فيروس كورونا، ورغم الحاجة إلى صوت واحد موحّد، وإلى بشرية واحدة، وإلى مبادرة جامعة، وضمير عالميّ بدت الإنسانية ممزّقة بالعداوات، موزّعة بالمحاور، متمترسة وراء الغزوات المالية والاقتصادية والفكرية والسياسية، فضلاً عن استراتيجيات العسكر وميادين الاحتلال والاستنزاف، مع أن هذا الكائن اللاحيّ والمسمى فيروس "كورونا" كشف تجربة البشرية الفاشلة، وكشف زيف قوّتها وتفاهة عظمتها، حيث إن عشرات الآلاف من المصابين لفظوا أنفاسهم فقط لأنهم لم يتمكّنوا من جهاز تنفس سعره زهيد، مع العلم أن البشرية تنفق بالعقد الواحد على السلاح وأدوات القتل والإبادة أكثر من 50 تريليون دولار كما تذكر التقارير، فيما تنفق على الصحة الاستراتيجية أقل من 50 مليار دولار. تماماً كإنفاق السلطة اللبنانية في بلدنا منذ التسعينات أكثر من 246 مليار دولار على قشرة زفت، وهي زفت، وصفقات قذرة ونهب مقنّع وصريح، وتلزيمات رحمية، ورشوات سلطة، وتنفيعات نتنة، حوّلت البلد إلى كومة نفايات، ووطن معتم، وشعب يائس وجائع، وكشفت الدولة عن هيكل منهار، والسلطة عن خراب ينعق، والمال العام عن مديونية فلكية، ليتبين أن الإنسان كتجربة بشرية أو كيانية، تحوّل من إنسان مقدّس، إنسان عليه مسحة قدسية بعظمة الله، إلى إنسان شيطان أو كائن متمرّد، أو وحش جشع، همّه قصره لا قبره، وعينه على نفسه وعائلته، وقلّة من أتباعه على حساب شعبه وناسه وبلده الذي حوّله إلى ميدان سلب ونهب ورشوة وخوّة وإفقار.
في يوم السيد المسيح، والإمام المهدي، كخلاص سماوي، وصوت ربّاني، الدعوة إلى البشرية والكيانات السياسية كي تنبش باطنها ومقدسات روحها وأسرار خلقتها، علّها تسمع الصراخ المدويّ من وراء هيكلها، لأن الإنسان دون الله ما هو إلا جثّة هامدة، والجسد دون الروح جيفة نتنة، والسقوط بفخ الأموال والشهوات والأنا والاحتكار والوثنيات يمزّق البشرية، ويحوّل قلب الإنسان الذي يسكنه نور الله إلى مسلخ وسلاح إبادة شاملة. كما الدعوة لكل اللبنانيين للعودة إلى الله، كطريقة وحيدة صالحة، لإعادة إنتاج روحنا الجماعية، ومنطقنا السماوي، ومحبتنا الوطنية، كإنسان وبشر ربهم واحد، ومحبته واحدة، لأن تجربة تجار السياسة والطائفية وليس الدين مزّقوا إنساننا وحوّلونا متاريس، حوّلونا محاور، حوّلونا مقابر وأكوام نفايات ومديونية وحقداً وفرقة وشماتة وتجّار أزمات وطوائف.
أقول: عودوا إلى الله في مناسبة أكبر أيام الله، لأن من تنكّر لله الخالق القادر يسهل عليه التنكّر للوطن والناس، ولأن تجربة التطويف السياسي جيّرتنا للذبح والقتل والتصفية، لكن على طريقة أن الدولة لمن يحكم، والناس مجرد عبيد... عودوا إلى الله لأن من يخسر الله لن يربح دنيا، ولن يتمتّع بدولة، ولن ينعم بعدالة سياسية أو ضمانة اجتماعية، وسيغامر على طريقة نحر الدولة والشعب والإنسان، ثم يقف في صف المعزّين يبكي على ضحاياه، ضحايا الوطن.