عرش المصلوب
Smaller Bigger

كلّ الأديان تسعى إلى معرفة الله والتقرّب إليه. يروي الكتاب المقدّس أنّ موسى النبيّ عندما صعد إلى جبل سيناء ابتهل إلى الله قائلاً: "أرني مجدكَ". والمجد يعني ظهور الله. فأجابه الله أنّه سيريه أعمالَه، وأضاف: "أمّا وجهي فلا تستطيع أن تراه لأنّه لا يراني الإنسان ويحيا" (خروج 18:33-20). إنّ وجه الله الذي لم يستطع موسى أن يراه قد ظهر في وجه يسوع المسيح، كما قال لتلاميذه: "إنّ من رآني رأى الآب" (يوحنا 9:14). لقد ظهر هذا المجد الإلهيّ، أي الحضور الإلهيّ، في كلّ أعمال يسوع من شفاء للمرضى وإقامة للموتى ومغفرة للخطايا. وظهر على جبل التجلّي (متى 2:17). وظهر أخيرًا على الصليب. فعلى الصليب ظهر لنا الله على حقيقته: إنّه إله الحبّ الذي يُعطي ذاته، من خلال ابنه وصورته، عطاء كاملاً، كما قال يسوع لنيقودموس: "لقد أحبّ الله العالم حتى إنّه بذل ابنه، وحيده، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (يوحنا 16:3). وما تقدمة يسوع ذاته على الصليب إلاّ الدليل على محبته القصوى للعالم، كما قال لتلاميذه: "ليس لأحد حبٌّ أعظم من أن يبذلَ نفسه عن أحبّائه" (يوحنا 12:15). وقد عبّر عن شوقه لإظهار هذا الحبّ بقوله: "ولي معموديّة أعتمدها وما أشدّ تضايقي حتى تتمّ" (لوقا 50:12).

لقد كان بإمكان يسوع، بدل الصليب، أن ينعم بكلّ مجد ملوك العهد القديم. وهذا كان انتظار اليهود أن يأتي المسيح ملكًا زمنيّا كسائر ملوك الأرض ويخلّصهم من سلطة الرومانيّين. غير أنّ يسوع قد أتى ليُنشئ مملكة ليست من هذا العالم، هي مملكة الحبّ والحقّ، كما قال لبيلاطس: "مملكتي ليست من هذا العالم"... فقال له بيلاطس: أنتَ إذن ملك؟ أجاب يسوع: أنتَ قلتَ. إنّي ملك. وإنّي لهذا وُلِدتُ. ولهذا جئتُ إلى العالم: أن أشهد للحقّ. فكلّ من كان من أهل الحقّ يسمع صوتي" (يوحنا 36:18-37). العالم كلّه واقع تحت سلطان الخطيئة، سلطان الضلال والأنانيّة والبغض والكراهيّة. سلطان الخطيئة أدّى إلى صلب يسوع. لكنّ يسوع غلب هذا السلطان وافتدى العالم بصليبه، صليب الشهادة للحقّ وبذل الذات والحبّ والمغفرة. تحت الصليب كان سلطان الخطيئة يتكلّم بفم "رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ الذين كانوا يسخرون قائلين: خلّص غيره ولم يقدرْ أن يخلّصَ نفسه! هو، ملك إسرائيل! فلينزل الآن الصليب فنؤمن به" (متى 41:27-42). مقابل ذلك، دوّى صوت يسوع يهتف من أعلى صليبه: "يا أبتا، اغفرْ لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون" (لوقا 34:23). هذا ما عناه يوحنا المعمدان بقوله: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (يوحنا 29:1).