لبنان بعد الحريري سيبكي دماً

لبنان بعد الحريري سيبكي دماً
لبنان بعد الحريري سيبكي دماً
Smaller Bigger

نستعيد في #أرشيف_النهار مقالاً كتبه سركيس نعّوم في 15 شباط 2005، حمل عنوان "لبنان بعد الحريري سيبكي دماً".

عام 1984 انعقد في مدينة لوزان السويسرية مؤتمر للحوار اللبناني – اللبناني برعاية سورية وسعودية حضره رئيس الجمهورية انذاك الشيخ امين الجميل والرؤساء الراحلون سليمان فرنجيه وصائب سلام وعادل عسيران والزعماء الراحلون بيار الجميل وكميل شمعون ونجله داني وآخرون لا يزالون احياء ولكن مهددون دائما لان هذا هو قدر العمل السياسي في لبنان او احد شروطه وابرزهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري. لم يسفر المؤتمر المذكور عن تفاهم نهائي او عن تسوية تنهي الحرب اللبنانية والاخرى غير اللبنانية اللتين كانتا دائرتين في لبنان. لكن كالعادة اصدر المؤتمرون بيانا قالوا فيه انهم حققوا تقدما في عدد من القضايا التي تم البحث فيها ربما لانهم لم يشاؤوا ان يصاب شعبهم اللبناني او "شعوبهم" بخيبة او بصدمة هي التي عانت ويلات الاقتتال الداخلي منذ عام 1975 والتدخل الشقيق في شؤونها وشؤون وطنها منذ ما قبل 1975 والتدخل الاسرائيلي السافر في الحربين المشار اليهما والذي تحول عام 1982 اجتياحا عسكريا واسع النطاق. كنت الوحيد من الصحافيين الذين تولوا تغطية ذلك المؤتمر واشاروا إلى فشله او على الاقل الى عدم نجاحه. ولم تكن المعلومات وحدها التي استقيتها من اكثر من مشارك في اعماله هي التي اكدت لي ذلك. بل كان لي لقاء مع رئيس الحكومة السابق، الذي رحل امس ضحية انفجار غادر، في جناحه الخاص في الفندق بعد انتهاء المحادثات والمناقشات عشية احد الايام وكان يومها احد موفدي المملكة العربية السعودية احد راعيي المؤتمر بصفته ممثلا شخصيا للملك فهد بن عبد العزيز.

ماذا حصل في ذلك اللقاء؟

"طبش" باب الجناح بعد دخوله اياه وانا في معيته. كان وجهه عابسا ومحتقنا. طلب من مرافق شخصي له بلهجة فيها شيء من الجفاء والقسوة ان يعد له مشروبا منعشا (غير كحولي بالطبع). ثم صمت وراح يتمشى داخل الغرفة بقلق وعلى ما اذكر بشيء من الغضب المكتوم، سألته مرات ما الذي حصل في "المؤتمر" فلم يجب. اذذاك ادركت ان ثمة خطبا في مناقشات المشاركين فيه. فسألته عن مصيره واذا كان على وشك الانفراط. لكنه ظل معتصما بالصمت. وفجأة انفجر في البكاء وراح يتمتم بعبارات لم افهمها في البداية الا عندما رفع صوته مجيبا عن استفساراتي الصامتة: "رح يخربوا البلد. يريدون ان يخربوا البلد. كلهم. لا احد يريد حلا ينهي الحرب في لبنان". لم تدم نوبة البكاء طويلا وكذلك عملية الافصاح عما في القلب ربما انطلاقا من القول الآتي: "خليها بالقلب تجرح ولا تخرج فتذبح". يومها ادركت انني امام نوع من الرجال المتعلقين بوطنهم والمصممين على خدمته وانقاذه، ونشأت منذ ذلك التاريخ صداقة عميقة استمرت حتى اليوم وان تخللتها "قطيعة" استمرت سنوات قليلة، في التسعينات.