.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
نستعيد في #أرشيف_النهار مقالاً كتبه مصطفى الجوزو بتاريخ 24 تشرين الثاني 1995، حمل عنوان "انتحار الأمة والافراد: عيد استقلال مختلف".
عندما انتحر الشاعر خليل حاوي ابان الاحتلال الاسرائيلي للبنان، قيل ان تدنيس العدو لأرض الوطن احدث في نفسه ازمة جامحة فآثر ان يموت، وكان رواقيا في اختياره هذا. لكن بعضهم زعم سرا ان انتحاره كان بسبب مرض عضوي. وأمس، عندما انتحر زميلنا الساخر الدكتور رالف رزق الله، كاد الجميع يوقنون انه انتحر رفضا للواقع، اي انه اختار الموت الرواقي ايضا. لكن بعض الناس شكّوا في امور مرضية جسدية، وكلٌ فسّر مقالته "مدخل الى التعاسة" (ملحق "النهار" 9/9/1995) على طريقته وفي الاتجاه الذي يرضي تحليلاته. والواقع ان في العالم ملايين المرضى، ومنهم من قد لا يقارن بما زُعم لخليل حاوي او افترض لرالف رزق الله، ومع ذلك لا ينتحر اولئك الناس. حتى مرضى الايدز يعيشون على امل اختراع دواء يشفيهم منه. لكن يكفي ان يصاب الانسان في بلدنا بأقل من الايدز بكثير حتى تراوده افكار يائسة، وربما فكّر في الانتحار او انتحر فعلا، واخبار وسائل الاعلام شهود على ذلك. وسبب هذا ان البلاد المستقرة اقتصاديا وسياسيا والخاضعة لقيم عامة متوازنة، ولا نقول ثابتة، قلما تكون بيئة صالحة للانتحار، فهي كالجسم المعافى لا يكون مرتعا للميكروبات المرضية، بل هو مقاوم لها، في حين تبدو البلاد المضطربة الاقتصاد والسياسية والقيم محرضة على الانتحار، ربما لاتفه الاسباب، كالجسم الهزيل يستسلم حتى لأضعف الميكروبات.
وحين يقع بلد ما تحت الاحتلال (الاحتلال الاجنبي او الاحتلال الداخلي) فان ذلك يؤدي الى اضطراب حبل الاقتصاد والسياسة والى اختلال القيم الاخلاقية والعلمية والاجتماعية والعقدية. وعندئذ ينقسم الناس ثلاثة اقسام: قسم الطحالب التي تلتصق بالاحتلال وتتحرك بمقتضى حسابات نفعية، في علاقاتها مع السلطة او مع المواطنين، متذرعة بالواقعية او بالعملية، وقسم الرافضة التي تثور في العلن او في الخفاء سعيا الى تبديل الاوضاع بثورة بيضاء او حمراء يحاسِب فيها المغتصبون لسلطة الشعب ومقدراته، وقسم اليائسة التي لا تجد محلا لها في المجتمع فترتضي الموت البطيء او تنتحر. ولبنان تحت الاحتلال العلني منذ الاجتياح الاسرائيلي ودخول الصهاينة لاول عاصمة عربية مستقلة، سواء بالوجود العسكري الصريح في الجنوب والبقاع الغربية (1)، او بالضغط المستمر على سائر المناطق قصفا او حصارا، وهو الآن يراقب العدو يقطف ثمار هذا الاحتلال وثمار حرب العراق التي اذلّت العرب قاطبة: انصار العراق وخصومه سواء بسواء، ويشهد تفاعلا كيميائيا مع هذين الحدثين للقوى التي اشعلت الحرب في لبنان.
وهو تفاعل لم يبدأ قطعا منذ سنة 1978 او سنة 1982، بل بدأ قبلهما بكثير، منذ ان اخذ النفوذ الاسرائيلي يتسرب الى لبنان في مواجهة النفوذ العربي الوحديّ (2) الذي هبت رياحه من القاهرة ودمشق وبغداد وطرابلس الغرب، حتى راح بعض المحلليين يتحدثون، منذ سنة 1969 على الاقل، عن العصر الاسرائيلي القادم. لا اغفال بالطبع للنفوذين الصاعدين الاميركي والسوفياتي السابق ولا للنفوذين المتقهقرين الانكليزي والفرنسي، في حركة صراع ومزاحمة انتهت، او كادت، الى فوز النفوذ الاميركي واضمحلال انواع النفوذ الاخرى. لكن ليس من الغلو في شيء استنتاج ان الصراع المذكور كان يعبّر عن نفسه بالصراعات الاقليمية العربية بين الوحديين (سموهم وحدويين على غير قياس) الموالين لما سمي دولا عربية تقديمة او ثورية تعمل على تحرير البلاد العربية، وفلسطين خاصة، من الاحتلال والاستعمار، وبين من دعوهم بالانعزاليين او الرجعيين او العملاء، الموالين لدول اوروبا واميركا، وبطريقة او باخرى، لاسرائيل. هذا الصراع المركّب والمعقد انجلى في نتائجه الحاسمة عن حقائق، وهذه الحقائق انتجت معايير وقيما جديدة، بدت للمواطن العربي العادي صدمة من خارج المعقول. ذلك انه اعتاد او عُوِّد التفكير باسلوب بسيط وهو: ان هناك عدوا احتل الارض وقتل الشعب او طرده من ارضه، ولا بد اذن من محاربته واخراجه من ارض فلسطين لاستعادة الحق السليب. واستمر هذا الاسلوب الفكري على بساطته وبراءته، وإن طفق يتطور كما يتطور الشجر، فنما وامتدت غصونه واتسعت اوراقه، وصار يسمع له حفيف وربما هدير كلما اشتدت العاصفة، ويصدر عنه غناء في الشدة والرخاء.
ونشأت عنه فلسفات وايديولوجيات وشعارات، واحاط به ادب خاص ودخل في شرايين الحياة السياسية العامة وفي العقائد الدينية والحزبية، وفي السلوك اليومي، حتى لقد غدا جزءا من جبلة الانسان العربي عامة، شيئا كالدم والنََفَس يتحرك الى القلب ومنه في دورة متواصلة. وفجأة ظهرت تلك الحقائق الجديدة، حقائق الهزيمة التي لا غطاء لها، ظهرت بفجاجة ووقاحة، وأُريد للعدو المغتصب ان يصبح زوجا حبيبا وسيدا مطاعا للأمة المغتصبة (بفتح الضاد)، كما أُريد لبعض الاخوة المعترضين ان يصبحوا اعداء اذلاء (العراق وليبيا مثلا وربما سوريا اذا اقتضت الضرورة الاستعمارية). وهذا يقارب تبديل الهوية الدينية والقومية، وتبديل فئة الدم، وتغيير نوع الهواء المستنشق، وهو ما ترفضه الطبيعة والقلب والرئة، فاذا ما اكره الانسان عليه تعرض لاقسى صنوف المعاناة والالم وربما اداه الامر الى الموت، او الى ان يقول: "بيدي لا بيد عمرو". عودة الى خليل ورالف واذا اردنا بعض التفصيل والتدقيق عدنا الى خليل حاوي ورالف رزق الله من جديد. كان خليل ذا اتجاه قومي شديد العداء للصهيونية، وكان له اخوة يخالفونه الاتجاه او يناقضونه. وكان شاعرا مرهفا. فلما ان دخلت اسرائيل بلد الارز بعد بلد القدس، ثم اقتحمت عمق بيروت، وجد خليل، على ما يبدو، ان التاريخ استدار، فبدلا من ان يتجه العرب الى فلسطين ويخرجوا الصهاينة منه، اتجه الصهاينة الى قلب لبنان والعرب كخنجر مسنون، لاخراج العروبة منها. وهكذا تبدل الحلم كابوسا والامل يأساً. فكيف اذا سبق ذلك وصاحبه سلوك مليشي يصيب الكرامات الانسانية والاخلاق العربية والامن النفسي والاجتماعي والاقتصادي بالاذى؟ لقد تبدلت القيم والقيمون، فغدا الرعاع سادة الاشراف والمفكرين، يحكمونهم ويذلونهم او يقتلونهم احيانا، وكاد اهل الرأي يتبوأون ادنى السلم الاجتماعي والمالي.