"أمّة عون ونصرالله" فائض القوّة والحشد... لإخماد الإنتفاضة وتكريس هيمنة الحكم

3 تشرين الثاني 2019 | 16:34

المصدر: "النهار"

من تظاهرة "التيار" اليوم. (حسام شبارو).

تكشف المشاورات بعد استقالة رئيس الحكومة سعد #الحريري أن العهد و"التيار الوطني الحر" و"حزب الله" كانوا يراهنون على إنهاء الإنتفاضة اللبنانية الشعبية قبل أن يقرر الحريري الإستقالة وفرض أمر واقع عليه بالاستمرار مهما كان الثمن وبشروطهم لبقاء التسوية ومعها الحكومة بغلبة سياسية واضحة. لكن الحريري كان يعرف أنه مهدد بموقعه السياسي بعد انفراط عقد قسم من جمهوره، فيما الانتفاضة شملت كل المناطق اللبنانية ولم تستثنه وهو ما عاد قادراً على الحكم، ففُرضت عليه الاستقالة وإن كان أعلن انه استجاب لغضب الشارع. لذا تمكن الحريري من تعويم نفسه وأعاد شد عصب جمهوره السني الذي حاول الدخول الى جانب الانتفاضة، لكنها كانت أيضاً عصية على الاستثمار حين تبين أن الحريري يحمل مشروعاً بحسابات سياسية وبرنامج لا يتبنى مطالب الانتفاضة بالكامل، وإن كان يتقاطع مع بعضها.

حشد رئيس الجمهورية ميشال #عون جمهوره ووضع كل إمكاناته في خدمة "التيار الوطني الحر" للنزول إلى الشارع. قدم عون نفسه طرفاً سياسياً وليس في موقع الحَكَم. لافتة واحدة لم تسلط الأضواء عليها، "أمّة عون ونصرالله لن تركع"، وهي وحدها تفسر أهداف هذا الحشد الشعبي أمام قصر بعبدا وتوظيفاته السياسية، وتأكيد أن رئيس "التيار" الوزير جبران باسيل سيبقى أساسياً في المعادلة والسلطة والحكومة في رعاية "حزب الله". لكن في المقابل، يتبين أن ساحات الإنتفاضة الشعبية لا تزال قادرة على الاستقطاب، وهي وفق سياسي لبناني متابع أحدثت هزّات كبيرة في بنية القوى السياسية والطائفية الحاكمة، فجعلت رئيس الجمهورية كأنه ينطق بشعاراتها لكنه ينسبها إلى مشروعه في "التيار"، ويدعو الى السير وراءه لتطبيقها، فيما وضع "حزب الله" نفسه كأنه صوّب مسار الإنتفاضة، انطلاقاً من تحذير أمينه العام السيد حسن نصرالله المتظاهرين من محاولات الاستغلال أو أن يستثمرها البعض، وكأنه أيضا ينسب الى نفسه انجازاً تحقق بعدم انزلاق المتظاهرين إلى الاقتتال الداخلي والفوضى. لذا يتركز توجه القوى السياسية الحاكمة على امتصاص غضب الشارع وإخماد الانتفاضة نهائياً من خلال الالتفاف عليها واستيعابها بمنطق التشكيك، انطلاقاً أولاً من تفهّم المطالب في مقابل التحذير من استغلالها، ثم تراجع نصرالله عن الكلام الاتهامي بالعمالة ضد الانتفاضة والعمل على إعادة سحب الحريري إلى التسوية وإعادة تكليفه رئاسة الحكومة بالطريقة ذاتها مع بعض التلاوين التي يطالب بها، وهو، أي الحريري، لا يزال حاجة بعلاقاته الدولية للحزب كما للعهد.

الإمساك بالشارع في مواجهة الانتفاضة، يسابق المشاورات لعملية التأليف والتكليف. حشد العهد أنصاره في "التيار الوطني الحر"، ليفرض توازناً أمام الشارع السني الذي خرج مطالباً بالحريري، ولكن بعناوين دعم ما يسميه العونيون البرنامج الإصلاحي للرئيس عون الذي ورد في كلمته الاخيرة لمناسبة مرور ثلاث سنوات على توليه منصب الرئاسة، فإذا بتحرك العونيين يظهر فئوياً وطائفياً ولا يخدم مصلحة عون تحديداً، إذ إنه يوجه سهامه الى الانتفاضة كأنها تطالب باستقالة رئيس الجمهورية. في المقابل، كانت الإنتفاضة تستعيد جمهورها في الساحات بالأعلام اللبنانية، فتكسر الفئويات والاصطفاف الطائفي وتؤكد استمرارها من دون أن تسمح لأي قوة سياسية بتوظيفها أو أخذها إلى مسارات مختلفة عن أهدافها.

وبينما تؤكد الثورة انها عصية على المصادرة والتوظيف والاستثمار السياسي، فهي تقول كلمتها مجدداً في الساحات، بأنها تريد حكومة ثقة تنفذ برنامجاً انتقالياً بإصلاحات شاملة، فيما لا تزال المفاوضات بشأنها تراوح وتشهد مناورات وتسريبات وشائعات واختلاط اسماء. ووفق السياسي أن الحريري يريد أن يعود رئيساً للحكومة رافعاً شعارات الانتفاضة، لكن اعتباره الأساسي هو برنامجه، إذ يسعى الى تطبيق مقررات مؤتمر "سيدر" لجلب القروض، ثم تنفيذ الورقة الإصلاحية التي خرج بها من بعبدا قبل استقالته. ويضع الحريري شروطاً بإعطائه هامشاً من التحرك لتكون حكومته قادرة على الفعل واتخاذ القرارات، وهو يقدم الأمور في التفاوض والمشاروات تباعاً كي لا يحرق كل أوراقه. وفي المقابل، لا يزال الرئيس عون يريد الحريري رئيساً ولكن من دون شروط، وفق ما يقول السياسي المتابع، لذا عندما تُرمى أسماء أخرى فإن هدفها الضغط على الحريري، فيما "حزب الله" يرفض أيضاً الشروط كما حكومة التكنوقراط، ويريدها حكومة سياسية لا تستبعد باسيل، أي أنه يعود الى ما قبل الاستقالة وحتى الى ما قبل 17 تشرين الأول.

النقطة التي يجب التنبه اليها تكمن في شكل رئيسي في موقف "حزب الله"، فبقدر ما يسعى الى مد اليد للانتفاضة بدعوة نصرالله إلى الجلوس ومناقشة مطالبها، بقدر ما يريد إخمادها ونزع ما أحدثته في البلد من تغيير في الولاءات وبينها لدى جمهور الثنائي الشيعي نفسه. وهو يعرف أن هذه الانتفاضة شكلت تحدياً لكل الطبقة السياسية بما فيها "حزب الله" الذي لا يستطيع تحييد بنيته عنها، وهو اضطر الى التراجع عن اتهامها بالتموّل من السفارات وإن بطريقة غير مباشرة. وأمام الحراك المستمر يقاتل "حزب الله" للدفاع عن العهد، ويرفع شعار منع إسقاطه. وفي المقابل يستفيد "التيار الوطني الحر" مع العهد من هذا الموقف، فيستندان إلى فائض قوة "الحزب" ليس ضد الثورة الشعبية مباشرة بل للدفاع عن وجودهما وتبرير كل مواقفهما السابقة واعتبار أن مطالب الحراك هي المطالب التاريخية لهما. لكن الامور لا تحتاج الى كثير من التعمق لنكتشف أن هناك تركيبة سياسية فُرضت على البلد، وقد عرّتها الثورة الشعبية على كل المستويات.

المهم، وفق السياسي الخبير، أن الانتفاضة أثبتت أنها لا تزال تنبض في الشارع، وهي قادرة على بلورة قيادة من داخلها حيال تجاهل قوى الحكم وتحالف الهيمنة السياسية على القرار لكل ما جرى في الشارع، ومحاولة "حزب الله" كسر نتائجه سياسياً، فيأتي حشد العونيين في قصر بعبدا ليناقض كل كلام الرئيس في خطابه الجامع وليقدمه طرفاً داخلياً. وسنشهد في الأيام المقبلة محاولات لتوظيف شعارات الثورة ستكون هذه المرة من "حزب الله" والعونيين في محاولة لتشكيل حكومة "سيادية" تستمر في مصادرة قرار الدولة. حكومة تقفز فوق الانتفاضة...

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard