ليست القضية "مشروع ليلى"... بل معنى لبنان

23 تموز 2019 | 20:18

المصدر: "النهار"

مشروع ليلى.

تحوّل عددٌ من الشبان الذين يخوضون تجربة فنيّة تحت مجهر النقد في موسيقى الروك، إلى "زنادقة ومفسدين في الأرض". رجال الإكليروس تحرّكوا لمنع الفرقة من الغناء في مدينة البحر والحرف. هؤلاء كانوا دافعاً وداعماً لجيش إلكتروني تمكّن من خلق حالة ذعر وتضليل و"يا غيرة الدين". ولم يشفع توضيح أحد أعضاء الفرقة، حامد سنو، بأنه شارك مقالاً على صفحته تضمّن صورة مركّبة، للقول بأنه لا يتبنّى ما نشر. ولم تشفع له أيضاً نيته مسح صفحته من الوجود. الفرقة المؤلفة من 4 شبان لبنانيين أنكرت مسّها بالأديان وأكدت احترامها لها في بيان نشرته على صفحتها في "فايسبوك"، لكن موجة الرفض ماضية مستندة إلى كلمات أغنية صدرت في العام 2015، وتلتها مشاركات للفرقة في مهرجانات بارزة في لبنان، وإلى نبش منشورات فايسبوكية وأغنية قديمة، صوّب كهنة ورافضون للفرقة على المثلية الجنسية، وتحركت أبرشية جبيل المارونية لطلب وقف الحفل المقرر في 9 آب.

وإن كان المجلس الكاثوليكي للإعلام والأبرشية يتبنيان التصويب من ناحية المسّ بالمقدسات، أي كلمات الأغنية المذكورة، فإن المثلية تحوّلت سبباً للهجوم المتمادي على مواقع التواصل. ولا نعرف إن كانت حملة مماثلة ستخاض في وجه ألتون جون في حال قرر الغناء في بيبلوس يوماً، ولم ينتبه "حماة الأخلاق" لتكريم المهرجان أهمّ مغني روك هو فريدي ميركوري الذي جاهر بميوله المثلية في حياته، وهل دقّقوا في الهامش الاجتماعي الشبابي القيميّ الرفضيّ الذي نشأت فيه فرقة "كوين" التي استعادت جبيل أمجادها بحضور جمهور متفاعل في مهرجاناتها الدولية منذ أيام؟

المشكلة ليست في أن يكون لكل منا رأيه ورؤيته للأمور. ذعرُ الجماعات الذي طفا على السطح بشكل أخطبوطي هو ما يحتاج علاجاً وتصدّياً له. تارة، بمنع جماعة "خائفة" تياراً سياسياً من عبور أراضيها، وتارة بمنع أشخاص من طائفة معينة من السكن في نطاق جغرافي "نقيّ"، وتارة أخرى بصعود أصولية شعبوية تبني أدوارها على التصدي الثقافي لكل ما يخالفها. وإذا كانت الأسلمة المفروضة على أنماط العيش تمنع حتى اليوم الأغاني والموسيقى الصاخبة في مناطق كبيرة من الجنوب، على سبيل المثال، وتشكّل مغذّياً فكرياً لمهاجمة محلات بيع الخمور في أوقات متفرقة، فإن ملاقاة الخطاب الأصولي استحساناً لدى جمهور مسيحي يعدّ مؤشراً خطراً بدوره. وكم نتذكّر الأب الراحل المتنوّر جورج مسوح الذي كتب ونظّر في مواجهة هذا النهج الذي يتغذى بشكل متبادل بين الجماعات.

الشعبوية الدينية ليست ظاهرة جديدة، ولنا أن نتخيّل ما ترفدها به وسائل التواصل الاجتماعي من أريحية وتمدد إلى مناخات سياسية تغذيها المزايدات، وخطابات الكراهية، والكانتونات، والخوف على الوجود من جماعات تحتاج دوماً إلى ما يمدّ ميتولوجيا التهديد بمبررات.

تخوض لجنة المهرجانات مفاوضات، وتُجري اتصالات مع المراجع المعنية، في ظل تقاعس الجهات الأمنية والقضائية عن القيام بدورها حتى الساعة حيال صفحات وحسابات وشخصيات أدلت بتعبيرات التهديد والوعيد في حق الفرقة إن أتت إلى جبيل. لسان حالها أن الفرقة عينها وقفت على المسارح في عمشيت وجبيل وبيت دين وغيرها من المناطق، وأن المسّ بالحفل هو طعنة لمهرجانات لبنان وفعلٌ يمعن في تبديل هويته.  

ليست القضية "مشروع ليلى" وحامد سنو. إنه لبنان ومعناه. يجب عدم تسطيح "المشكل" وجعله عابراً، فإما تكريس جوهر المنع وسيادة الشعبوية والصلاة على ما تبقى من هذه البقعة المتوسطية، وإما التصدّي لموجة طاغية تتخطى قيم الدستور الذي حكى عن بلد متنوع ومتعدد وحريات عامة مصونة.

بأي حال، لا شيء أكثر إلحاحاً في هذه الأثناء من سؤال قائد حملة المنع رأيه بماريو باسيل الذي فُتحت أمامه مسارح المهرجانات أيضاً.

diana.skaini@annahar.com.lb

@dianaskaini

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard