الهويات القاتلة في زمن الانفجار: كيف يشرح أمين معلوف أزمات لبنان والشرق الأوسط اليوم؟

ARC 14-07-2026 | 13:53

الهويات القاتلة في زمن الانفجار: كيف يشرح أمين معلوف أزمات لبنان والشرق الأوسط اليوم؟

يضع أمين معلوف، بشكل غير مباشر، سؤالًا لا يزال مفتوحًا أمام لبنان والشرق الأوسط: هل يمكن بناء دولة حديثة في ظلّ هويّات فرعية أقوى من الهويّة الوطنية؟
الهويات القاتلة في زمن الانفجار: كيف يشرح أمين معلوف أزمات لبنان والشرق الأوسط اليوم؟
أمين معلوف
Smaller Bigger

"هل يمكن أن تصبح الهوية سلاحًا يقتل أكثر مما يحمي؟" سؤال طرحه المفكّر والروائي اللبناني – الفرنكفوني أمين معلوف قبل أكثر من ربع قرن في كتابه "الهويات القاتلة"، حين كان العالم يعيش نشوة نهاية الحرب الباردة ويؤمن بأن العولمة ستطوي صفحة الصراعات الكبرى. لكن معلوف رأى المشهد بصورة مختلفة تمامًا؛ إذ حذّر من أن الحروب المقبلة لن تُخاض فقط على الأرض أو بسبب الأيديولوجيات، بل ستندلع حول سؤال أكثر خطورة: من نحن؟

 

واليوم، بعد أكثر من ربع قرن، تبدو هذه الرؤية أقرب إلى تشخيص دقيق للواقع، لا سيّما في لبنان والشرق الأوسط، حيث تتقدّم الانتماءات الطائفية والعرقية والسياسية، إلى جانب المصالح الفئوية والفردية، على حساب مفهوم الدولة الجامعة، لتتحول الهوية من عنصر إثراء وتنوّع إلى وقودٍ دائم للانقسام والصراع.

 

 الهويّة عند معلوف: تعدّد طبيعي يتحوّل إلى أزمة

يرفض معلوف فكرة الهويّة الأحادية. فالإنسان، بنظره، ليس انتماءً واحدًا ثابتًا، بل يحمل في طيّاته مجموعةً لأبعاد مختلفة كالدين، الّلغة، الثقافة، البيئة التي ينتمي إليها، فضلًا عن تجاربه الشخصيّة. والمشكلة لا تبدأ من هذا التعدّد، بل من محاولة حصر الإنسان في هويّة واحدة وإلغاء باقي عناصره.

هنا تحديدًا يولد جوهر المشكلة، أي عندما تصبح الهويّة أداة تعريف وإقصاء في الوقت نفسه، لا مساحة انفتاح وتنوّع.


متى تتحوّل الهويّة إلى "قاتلة"؟

الهويّة تصبح خطيرة عندما تتحوّل إلى أيديولوجيا مغلقة وغير منفتحة على الٱخر. في هذه الحالة، لا يعود الاختلاف طبيعيًّا، بل يُعامل كتهديد. إذ ينتقل المجتمع من منطق "العيش مع الآخر" إلى منطق "حماية الذات من هذا الآخر".

هذا التحوّل بحسب معلوف، هو اللحظة التي يبدأ فيها العنف بالتحوّل من احتمال إلى سلوك مبرَّر، تحت شعار الدفاع عن الذات أو الجماعة.

 العولمة التي لم تُنتج الانفتاح

رغم الوعود الكبيرة للعولمة، يشير معلوف إلى نتيجة عكسية: كلّما ازداد الانفتاح العالمي، ازداد القلق من فقدان الخصوصية. هذا القلق لم يؤدِّ إلى اندماج الهويّات، بل إلى تشدّدها، تشرذمها وحتى انغلاقها. ففي كثير من المجتمعات، بما فيها الشرق الأوسط، أعاد هذا الشعور إنتاج الهويّات الضيّقة: الطائفة، المذهب، العشيرة، أو القومية المغلقة، الانتماء لبلد ٱخر وغيرها كخطّ دفاع نفسي ضد "العالم الكبير".

 الشرق الأوسط: من صراعات سياسية إلى صراعات على الهويّة

ما نراه اليوم في المنطقة لا يمكن فهمه فقط عبر السياسة أو الاقتصاد. ففي سوريا، العراق، اليمن، ايران ولبنان، تحوّلت الصراعات تدريجيًا من نزاعات على السلطة إلى نزاعات على الانتماء والهويّة.

هذا التحوّل خطير لأنه يطيل عمر الأزمات. فالصراع السياسي يمكن تسويته، لكن الصراع على الهويّة يعيد إنتاج نفسه باستمرار لأنه يرتبط بالشعور الوجودي والتهديد.

 

 

لبنان: هويات قاتلة ومتقاتلة!

يقدّم لبنان النموذج الأكثر وضوحًا لفكرة معلوف. فالنظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية لم يعد مجرّد إطار حكم، بل أصبح طريقة لإدارة الهويّة السياسية نفسها. في هذا النظام، المواطن لا يُرى كفرد، بل كعضو في طائفة. والتمثيل السياسي لا يقوم على المواطنة، بل على الانتماء. لكن الأخطر أن هذا الانقسام الداخلي في لبنان لم يعد متجليًّا في توازنات سياسية أو طائفية فحسب، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بامتدادات خارجية. إذ باتت بعض المكوّنات السياسية تُقدّم ولاءاتها الإقليمية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ما يجعل القرار الداخلي عرضة للتأثر بصراعات وأجندات تتجاوز حدود الدولة.

 

وفي هذا السياق، لا يعود السلاح مجرد أداة دفاعية مرتبطة بمرحلة أو تهديد، بل أضحى جزءًا من معادلة النفوذ الداخلي، ويُستخدم لتثبيت مواقع سياسية أو لخوض صراعات بالوكالة داخل الجغرافيا اللبنانية، بما يخدم توازنات إقليمية لا تعكس المصلحة الوطنية.

 

وهكذا، تتراجع فكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا ومحايدًا، كما تنتقل الهوية من كونها مساحة تعدد وانفتاح إلى ساحة صراع، حيث تُعاد صياغتها على أساس الاستقطاب بدل الشراكة، وعلى أساس المواجهة بدل العيش المشترك.

استشراف معلوف: ما يحدث اليوم ليس مفاجئًا

أهمية كتاب معلوف اليوم أنه لم يكن مجرّد تحليل نظري، بل قراءة استباقية لما نعيشه. إذ ما يحدث في لبنان والمنطقة يطابق إلى حدّ كبير تحذيراته: كلّما ضعفت الدولة، تقدّمت الهويّات الفرعية لتملأ الفراغ. وكلّما غابت المواطنة، تحوّلت الانتماءات الأولية إلى مصدر شرعية بديل.

في الواقع الحالي، لم تعد الهويّة مجرّد عنصر ثقافي، بل أصبحت أداة سياسية مباشرة: تُستخدم في التعبئة، وفي الصراع، وفي إعادة تشكيل الولاءات. وهنا تكمن خطورة المشهد: الصراع لم يعد بين مشاريع سياسية فقط، بل بين تصوّرات متناقضة للانتماء نفسه.

 الهويّة ليست المشكلة… المشكلة في اختزالها

لا يدعو معلوف إلى إلغاء الهويّة، بل إلى تحريرها من القوالب الضيّقة. فالتعدّد، في رأيه، ليس تهديدًا بل حقيقة إنسانية. ويقول بهذا الصدد: "الخطر يبدأ عندما يتم اختزال الإنسان في بُعد واحد، وتحويل هذا البُعد إلى معيار وحيد للانتماء والولاء."

لكن هل يمكن استعادة المواطنة؟

يضع معلوف، بشكل غير مباشر، سؤالًا لا يزال مفتوحًا أمام لبنان والشرق الأوسط: هل يمكن بناء دولة حديثة في ظلّ هويّات فرعية أقوى من الهويّة الوطنية؟

الواقع حتى الآن لا يقدّم صيغة نهائية مستقرة لسؤال الهويّة في لبنان والشرق الأوسط. فالتجارب المتتالية، من الأزمات السياسية إلى الحروب المتكررة، وصولًا إلى "حروب الإسناد" وتداخل الساحات، أظهرت بوضوح كيف يمكن للهويّات الفرعية والارتباطات الخارجية أن تطغى على منطق الدولة.

 

في هذا السياق، لم يعد السؤال نظريًا أو مفتوحًا على الاحتمال، بل أصبح عمليًّا ومطروحًا داخل كل أزمة: إلى أي مدى تستطيع الدولة أن تبقى إطارًا جامعًا حين تتقدّم الولاءات المتقاطعة على حسابها؟

 

فكلّما تأخّرت المواجهة مع سؤال الهويّة، كلّما أصبحت أكثر حضورًا في السياسة، وأكثر خطورة في الاجتماع وعلى زوال الهوية بحدّ ذاتها!

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
نقلت شبكة "سي آن آن" عن الدكتور جوناثان راينر، أن "القلب ينقل الدم إلى الجسم عبر شريان كبير جداً يُسمى الشريان الأورطي"
لبنان 7/13/2026 4:21:00 PM
بيّنت التحقيقات الأولية أنه تدرّج في عدد من المناصب القيادية ضمن التنظيم، إلى أن تولّى منصب الأمير الأمني العام لما يُسمّى بـ"ولاية الجنوب" و"ولاية الوسط" في سوريا
أسرار الآلهة 7/13/2026 5:57:00 AM
أسرار الآلهة