جمهورية غسان تويني التي ما زالت في إجازة: قراءة في نبوءة الحبر والدم والسيادة المؤجلة

ARC 14-07-2026 | 13:54

جمهورية غسان تويني التي ما زالت في إجازة: قراءة في نبوءة الحبر والدم والسيادة المؤجلة

لقد كتب تويني دفاعاً عن جمهورية كانت في إجازة. أما اليوم، وبعد كل ما مرّ على لبنان، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه ليس إن كانت الجمهورية قد عادت من إجازتها، بل إن كانت قد وجدت من يوقظها.
جمهورية غسان تويني التي ما زالت في إجازة: قراءة في نبوءة الحبر والدم والسيادة المؤجلة
الوسط التجاري في بيروت (أوسكار دياز)
Smaller Bigger

لم يكن غسان تويني يكتب افتتاحية سياسية بالمعنى التّقليدي للكلمة. إذ كان يكتب التاريخ وهو يتشكّل، ويؤرخ للّحظة وهو يعيشها، ويقاوم بالكلمة فيما كانت المدافع تتوَلّى إعادة رسم خرائط الوطن. لذلك، عندما جمع افتتاحياته الصادرة بين عامي 1988 و1990 في كتاب حمل عنوان "الجمهورية في إجازة"، لم يكن يقدم أرشيفاً لسنوات الحرب الأخيرة، بل كان يكتب ما يشبه المانيفستو السياسي والأخلاقي للدولة اللبنانية، ويترك للأجيال القادمة وثيقة اتّهام مفتوحة ضد كل من شارك في تعطيل الجمهورية.

 

بعد أكثر من ثلاثة عقود، يبدو الكتاب وكأنّه لم يُكتب عن الماضي، بل عن حاضر لم ينتهِ بعد. فالشغور الرئاسي تكرّر مرارًا، والسيادة ما زالت موضع نقاش، والانهيار الاقتصادي كشف هشاشة البنية التي حذّر منها تويني منذ زمن بعيد. كأنّه لم يكن مجرّد صحافي أو سياسي، بل "نبيّاً وطنيًّا" قرأ مستقبل لبنان من خلال فهمه العميق لأزماته البنيوية.

 

 

عندما خرجت الجمهورية في إجازة

 

كتب تويني في واحدة من أكثر المراحل قتامة في تاريخ لبنان. كانت ولاية الرئيس أمين الجميل قد انتهت من دون انتخاب خلف له، فانقسمت البلاد بين حكومتين، وتحوّل الفراغ الدستوري إلى انقسام سياسي وجغرافي، بينما كانت المدافع تدوّي في الاتّجاهات كافة.

 

اندلعت حروب التحرير والإلغاء، وتراجعت الدولة إلى الصفوف الخلفية، وحلّت الميليشيات محل المؤسسات، فيما كان اللبنانيون يعيشون تحت القصف، يهربون من ملجأ إلى آخر، ويكتشفون كلّ صباح أنّ الوطن أصبح أصغر من أن يحتمل أبناءه.

 

في خضم هذا المشهد، اختار تويني عنوان"الجمهورية في إجازة". لم يقل إنّ الجمهورية ماتت، لأنّه آمن بأنّ لبنان أكبر من أزماته. لكنّه أدرَك أنّ الدولة خرجت موقّتاً من المشهد، والدستور فقد سلطته، والمؤسسات أصبحت هياكل فارغة، والجمهورية لم تعد تحكم نفسها، بل أصبحت تُدار من خارج حدودها ومن داخل انقساماتها في آن واحد.

 

ذلك العنوان، الذي بدا في حينه وصفاً لمرحلة استثنائية، تحوّل اليوم إلى توصيف يكاد يختصر عقوداً كاملة من التاريخ اللبناني.

 

مانيفستو الدولة في مواجهة الدويلة

 

لا تكمن أهميّة الكتاب في توثيقه للأحداث فحسب، بل في كيفيّة شرح أسبابها. كان تويني يرى أنّ المشكلة اللبنانية لم تكن يوماً في غياب النصوص الدستورية، بل في غياب الدولة نفسها. فالدولة لا تستقيم عندما يصبح قرار الحرب والسلم موزّعاً بين أكثر من مرجعية، أو عندما تتحوّل الطوائف إلى سلطات موازية، أو حين يضحي السلاح جزءاً من التوازن السياسي بدل أن يكون حكراً على المؤسسات الشرعية.

 

لم يكن هذا الموقف موجّهاً ضد فريق معيّن، بقدر ما كان رفضاً لمبدأ تحويل الاستثناء إلى قاعدة. كان تويني يدرك أنّ أخطر ما يمكن أن يصيب لبنان ليس وجود أزمة، بل اعتياد اللّبنانيين على الأزمات حتى تصبح جزءاً من الحياة اليومية.

 

ومن هذا المنطلق، جاءت افتتاحياته أشبه بمحاكمات سياسية وأخلاقية، لا تهادن أحداً ولا تبحث عن تسويات لغوية مع منطق انهيار الدولة.

 

حروب الآخرين... الجرح الذي لم يلتئم

 

يصعب قراءة "الجمهورية في إجازة"  بعيداً عن رؤية تويني الأشهر "حروب الآخرين على أرض لبنان". إذ كان تويني مقتنعاً بأنّ لبنان لم يكن في معظم حروبه صاحب القرار الكامل، بل تحوّل إلى ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين.

 

ولم تعد المشكلة محصورةً في الدول التي تتصارع على الأرض اللبنانية، بل أيضاً في القوى اللبنانية التي قبلت أن تتحوّل إلى امتداد لمشاريع تلك الدول.

 

وهنا تكمن فرادة قراءة تويني؛ فهو لم يكتفِ بإدانة التدخّل الخارجي، بل وجّه أصابع الاتهام إلى الداخل الذي فتح الأبواب أمامه، وحوّل الانقسام الوطني إلى استثمار دائم في موازين القوى الإقليمية. 

 

ولعلّ هذه الفكرة بالذات هي الأكثر واقعيّة اليوم، لأن السؤال الذي طرحه قبل أكثر من ثلاثين عاماً ما زال قائمًا: هل يستطيع لبنان أن يكون دولة كاملة السيادة، أم أنه سيبقى ساحة لتصفية الحسابات؟

 

خواطر من جمهورية المقابر ... حين يصبح الحبر مقاومة

 

من أجمل ما في الكتاب افتتاحياته التي كتبها تحت القصف. لم تكن نصوصاً سياسية باردة، بل شهادات إنسانية كتبها رجل يرى مدينته تتهاوى أمام عينيه.

 

في افتتاحية "خواطر من جمهورية المقابر"، لا يكتب تويني عن انتصار فريق أو هزيمة آخر، بل عن هزيمة الإنسان اللبناني.

 

تختفي الحسابات السياسية لتحل مكانها أسئلة الوجود: ماذا يبقى من الوطن عندما تتحول المدن إلى مقابر؟ وما قيمة السلطة إذا أصبحت تُقاس بعدد الضحايا؟

 

في تلك اللحظة، لم يعد الحبر وسيلة للتعليق على الأحداث، بل أصبح شكلاً من أشكال المقاومة.

 

كانت الافتتاحية تقول، من دون شعارات، إنّ الوطن لا يُبنى فوق الجثث، وإن أي انتصار يُشيَّد على أنقاض الإنسان هو هزيمة أخلاقية قبل أن يكون هزيمة وطنية. لهذا بقيت تلك المقالة من أبرز ما كتبته الصحافة العربية في زمن الحرب، لأنها تجاوزت السياسة إلى الضمير.

 

رسالة إلى العالم... الحل ليس في بيروت وحدها

 

وفي افتتاحية أخرى، خاطب تويني الموفدين الدوليين الذين كانوا يتنقّلون بين المسؤولين اللبنانيين بحثاً عن مخارج للأزمة. واعتبر حينها أنّ الأزمة اللبنانية لم تعد لبنانيّة بالكامل، وأن القرار الوطني أصبح موزعاً بين عواصم متعددة. ولذلك، فإنّ البحث عن الحلّ داخل بيروت وحدها لن يكون كافياً ما دام مفتاح الأزمة موجوداً خارجها.

 

لم يكن هذا الموقف استسلاماً أمام الواقع، بل وصفاً دقيقاً لطبيعة الصراع في تلك المرحلة. واللافت أن هذه الملحوظة ما زالت تجد صداها في كل استحقاق لبناني تقريباً، حيث يبدو الداخل عاجزاً عن إنتاج حلول مستقلة بعيداً عن تأثير التوازنات الإقليمية والدولية.

 

الدولة التي حلم بها غسان تويني

 

لم يكن تويني مفكراً سياسياً فقط، بل كان صاحب مشروع قائم على الدولة فقط، بمعزل عن طائفة أو حزب أو زعيم.  كان يؤمن بتفعيل بالمواطنة، وباقتصاد منتج، وبالتعليم، وبالصحافة الحرة، وبأنّ لبنان لا يستطيع أن يعيش إذا بقي أسير الانقسامات التي صنعها نظام المحاصصة. كما أدرك تويني أنّ إعادة إعمار الحجر لا تكفي إذا بقي الإنسان أسيراً للخوف والكراهية. لذلك، بكمن مشروعه الحقيقي بإعادة بناء اللّبناني قبل إعادة بناء الجمهورية اللبنانيّة!

 

نبوءة لم تنتهِ

 

تكمن عظمة هذا الكتاب بأنّه لم يتحوّل إلى وثيقة تاريخية، بل بقي نصاً معاصراً. فعندما يقرأ اللبناني صفحاته اليوم، يصعب عليه أن يصدّق أن كثيراً منها كُتب قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

 

فالأسئلة نفسها لا تزال مطروحة: كيف تُبنى الدولة؟ من يحتكر قرار الحرب؟ كيف تُحمى السيادة؟ وكيف يتحوّل الدستور من نص إلى ممارسة؟

 

ربما تغيّرت الأسماء، وتبدّلت التحالفات، وسقطت عواصم وبرزت أخرى، لكن جوهر الأزمة بقي على حاله. وهذا ما يجعل قراءة تويني اليوم ضرورة فكرية، لا مجرد استذكار لكاتب كبير.

 

مداد لا يجف

 

رحل غسان تويني، لكنّ مِداده لم يجف.

 

ترك خلفه أكثر من إرث صحافي وسياسي. ترك منهجاً في الدفاع عن الدولة، وإيماناً بأنّ الكلمة تستطيع أن تواجه المدفع، ولو بدا ميزان القوة مختلاً.

 

ربما لم تتحقق حتى الآن الجمهورية التي حلم بها، وربما ما زال لبنان أسيراً لدورات متكررة من الفراغ والانقسام، لكن قيمة هذا الكتاب تكمن في أنه يرفض الاستسلام لفكرة أن هذا المصير حتمي.

 

لقد كتب تويني دفاعاً عن جمهورية كانت في إجازة. أما اليوم، وبعد كل ما مرّ على لبنان، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه ليس إن كانت الجمهورية قد عادت من إجازتها، بل إن كانت قد وجدت من يوقظها. وهنا تكمن مأساة الكتاب، وعظمته في آن واحد؛ فكلّما مرّت السنوات عليه، ازداد واقعيّة، وكلّما ظنّ اللبنانيون أنهم تجاوزوا مرحلته، أعادهم الواقع إلى صفحاته.

 

إنّه ليس كتاباً عن حرب مضت، بل عن دولة لم تكتمل بعد، وعن وطن ما زال يبحث، بين الحبر والدم...عن جمهوريته!

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 7/13/2026 10:10:00 PM
اتهم الحوثيون السعودية في وقت سابق بقصف مدرج مطار صنعاء الذي يسيطرون عليه.
نقلت شبكة "سي آن آن" عن الدكتور جوناثان راينر، أن "القلب ينقل الدم إلى الجسم عبر شريان كبير جداً يُسمى الشريان الأورطي"
لبنان 7/13/2026 4:21:00 PM
بيّنت التحقيقات الأولية أنه تدرّج في عدد من المناصب القيادية ضمن التنظيم، إلى أن تولّى منصب الأمير الأمني العام لما يُسمّى بـ"ولاية الجنوب" و"ولاية الوسط" في سوريا
أسرار الآلهة 7/13/2026 5:57:00 AM
أسرار الآلهة