08-12-2020 | 19:20

​غيبوبة أمّ ريم...كأنها دهر!

كثيرة القصص التي نسمعها عن معاناة أشخاص، قريبين أو بعيدين، مع ذلك الفيروس الذي باغتنا و نغّص علينا حياتنا، ويبقى بعضها درسا في الحياة نكتسب منه معاني كثيرة. هكذا هي قصة الصحافية التونسية ريم بوقرة مع كورونا الذي كاد يخطف حياتها و حياة امها شريفة.
​غيبوبة أمّ ريم...كأنها دهر!
Smaller Bigger
سمعت ريم بكوفيد- 19 إذ كان لا يزال  فيروساً ينتشر في الصين. ومذذاك، بدأت التقارير تتزايد عن إمكان تحوّله وباء عالمياً وحصد ملايين من الأرواح.
 
في حينه، اعتقدت أن كل ذلك الكلام هراء ومجرد تضخيم لهذا الفيروس بقصد خلق سوق جديدة للأدوية وتنشيط الاقتصاد العالمي. لم يخطر ببالها أن هذا الكلام سيصبح واقعاً مريراً حول العالم  وكابوساً مقيتاً يجثم على حياة البشرية. 

وسواس ينخر العقل 

كانت ريم حريصة على ارتداء الكمامة وتعقيم يديها تكراراً، مطبقة البروتوكول الوقائي وملتزمة التباعد الاجتماعي، لكن  في يوم 20 أيلول (سبتمبر) الماضي سقطت كل هذه الاحتياطات عندما التقت شخصاً مصاباً بالفيروس تعمّد إخفاء إصابته  وواصل حياته بصفة عادية.
 
في اليوم التالي، تقول ريم، إنه تناهى الى مسامعها أن هذا الشخص وكل عائلته أخفوا إصابتهم عن الجميع. عندها بدأ الوسواس ينخر تفكيرها خوفاً من التقاط العدوى ونقلها إلى أمها المصابة بأمراض مزمنة، أو الى أحد أفراد عائلتها. 

عزلت ريم نفسها أياماً أجرت بعدها تحليلاً أكد شكوكها وإصابتها بكورونا يوم 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2020. عندها، تقول ريم: "عزلت نفسي عن كل العالم واتخذت من غرفتي ملجأً لمدة عشرة أيام، ومر كل شيء على ما يرام من دون أعراض خطيرة ما عدا حالة غثيان تشتد في بعض الأحيان وأوجاعاً متوسطة أسفل الرأس، حتى خلت أن هذا اللعين لم يتمكن مني وأنه مر بسلام  ولن ينتصر علي". 
 
وبالفعل عادت ريم الى عملها في إحدى المؤسسات الإعلامية العمومية يوم 16 تشرين الأول، وكلها أمل بأن الكابوس انتهى إلى الأبد.

بدأت الرحلة 

لكن حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد كان الفيروس مختبئاً في جسدها ينتظر فرصة جديدة لينال منها.
 
لم يمض يوم واحد على عودتها الى العمل حتى ساءت حالها وأصابها سعال شديد مصحوب بحمى كالجمر وأوجاع في كل جسدها. ونال أيضاً من أمها المريضة التي دهمتها أوجاع لا يحتملها جسدها الضعيف.
 
حينها، أيقنت ريم أن رحلتها مع كوفيد بدأت ولم تنته كما ظنت. راجعت ريم الطبيب وتنقّلت كالمجنونة بين مخابر التحاليل والتصوير الطبي، وبدأت أنفاسها وأنفاس أمها تنقطع أمام اختراق كورونا لرئتيهما.
 
لم تنفع عقاقير الطبيب ولا العسل ولا الأعشاب الطبيعية ولا الثوم ولا أي شيء مما نصحها به المحيطون بها، الى أن ثقلت الأنفاس وأصبحت مهمة استنشاق الأوكسجين ثقيلة ومؤلمة، وبات النطق أمراً صعباً.
 
طلبت ريم من صديقتها أسماء، وهي صحافية، مساعدة علها تجد حلاً لآلامها وآلام أمها بعدما عجزت عن إيجاد سرير في مستشفى. أطلقت الصديقة نداء على مواقع التواصل الاجتماعي التقطها جميع زملاء ريم من الصحافيين وغيرهم وناشدوا المسؤولين إنقاذهما. ولحسن الحظ، وجد النداء صدى بين المسؤولين.
 
بعد تدخل وزارة الصحة، دخلت ريم وأمها الى المستشفى، تقول ريم: "في لحظة ما وسط آلامي تذكرت أن أمي تصارع الموت في إحدى الغرف المجاورة، وعلمت من الممرضة أنها نقلت الى مستشفى الطوارئ في منطقة أخرى من العاصمة لأن حالتها ساءت". 
 
بكت ريم كثيراً ونسيت خوفها على نفسها وبدأت مخيلتها تنسج سيناريوات مخيفة ضاعفت ألمها، فأمضت اللية الأولى التي أبعدوها فيها عن أمها وهي تحاول التقاط أنفاسها.

ضياع تام
 
يوم 28 تشرين الأول بدأت أنفاس ريم تضيق واشتد السعال، حينها قرر الأطباء إرسالها الى مستشفى الطوارئ حيث أمها.
 
 انطلقت سيارة الإسعاف وصوت الطوارئ فيها يصم الآذان. في تلك المسافة، مر شريط حياتها  أمام عينيها وتداخلت في ذهنها الأفكار،. وفجأة توقفت    سيارة الاسعاف وفتح الباب، فهرع اليها عنصران من   فريق طبي لم تلمح منهما إلا عيون مبتسمة وكلمات مطمئنة ترحب بضحية جديدة للفيروس التاجي.
 
"لحظات، وتم وضعي فوق سريري الجديد وأعادوا حقني بالمضادات الحيوية وتزويدي جرعة كبيرة من الأوكسجين". سألت ريم عن أمها وقيل لها إنها بخير، وأمروها بالبقاء مستلقية حتى تستطيع استنشاق الأوكسجين. بعد يومين بدأت استرجاع أنفاسها تدريجياً وبدأت بوادر الاستجابة للعلاج تظهر على جسدها المنهك. وبات بإمكانها التنقل للاطمئنان على أمها.

وصلت ريم الى سرير "شروفة" كما يحلو لها مناداتها: "وجدتها في حالة ضياع تام، تعرفت إلي بصعوبة، لا تستطيع النوم وترفض البقاء في سريرها. كانت في حالة صدمة وذهول". ساءت حالتها واستسلمت لشبه غيبوبة احتار معها الأطباء"، تتابع ريم.

أيام كدهر
 
تتحدث ريم  عن الفريق الطبي العامل في مستشفى الطوارئ في المنزه وسط العاصمة تونس، فتصفه بأنه "فريق من الشباب تتراوح أعمارهم بين 23 سنة و40 سنة. تراهم يتنقلون من دون كلل أو ملل بين المرضى والابتسامة لا تغادر عيونهم. لا تسمع منهم سوى كلمات التشجيع والمواساة والتطمين".

وتضيف: "بت أعرفهم من أصواتهم وعيونهم، ليث وإسلام وكريمة وهدى وعزيز ومنى وغيرهم ألفتهم وأحببتهم حب إخوة احتضنوا ضعف جسدي أمام الكورونا".
 
أيام وليال مرت على ريم كأنها دهر، انتظرت فيها استفاقة أمها، والقلق والخوف يخترقان قلبها وعقلها "مرت الأيام والليالي وأنا حبيسة كرسي قبالة سرير أمي أركض اليها كلما تحركت وأحاول إطعامها وإشرابها حتى ولو عنوة"، تقول.
 
سهرت عند قدميها ليالي، تتفقد نبضها خوفاً من غدر المجهول، مزقت ملابسها وجعلتها كمادات لخفض حرارتها وفتحت فمها بالقوة لسكب الماء فيه بعدما أيقن الأطباء أن جسدها تيبس من نقص الماء فيه.
تصف ريم ما يحصل حولها: "أيام وليال مرت سوداء حالكة رحمني الله بعدها ببشرى زفها إلي الأطباء الذين استبعدوا فرضية الجلطة وأن ما تعانيه أمي صدمة شديدة ونقص كبير في السوائل، إضافة الى تأثيرات الكوفيد".

عاد الأمل
 
تنفست ريم الصعداء وعاد الأمل من جديد، وأيقنت أن الله لن يتركها وحيدة ولن يرضى بحرمانها من أمها.
ويوما بعد يوم بدأت حالتها تتحسن، الى أن أصبحت تتنشق الأوكسجين طبيعياً وتجاوزت مرحلة الخطر.
لكن سعادة ريم باستفاقة أمها كانت منقوصة، بحسب قولها، أو بمعنى أدق، مريرة.
.
وتفسر ذلك: "كيف أفرح وأنا أشاهد شاباً يرحل فجأة لأن قلبه خذله، كيف أفرح وأنا أشاهد الخالة فريحة تموت وهي التي واستني قبلها بليلة وغنت لي حتى لا أبكي، كيف ابتسم وأنا اسمع انين النساء والرجال وصوت خطوات الفريق الطبي يركض بين الأسرّة لمحاولة إنقاذ المرضى".
 
وتواصل بمرارة ممزوجة بفرحة الانتصار على الوباء: "رائحة الموت في كل لحظة، كانوا يتساقطون أمام هذا اللعين، كورونا لم يميز بين شاب وشيخ أو بين شابة وعجوز، كان يحصد الأرواح دون هوادة".

15 يوماً وجاء يوم الفرج بالعودة الى منزلهما واستكمال العلاج فيه بعدما زال الخطر. 
 

الأكثر قراءة

العالم 4/19/2026 7:09:00 AM
ظهرت على جثتين علامات تدل على إجراء تشريح.
لبنان 4/19/2026 12:00:00 AM
تفلت الحزب اتخذ مظهرا خطيرا إعلاميا وسياسيا في ظل إطلاقه تهديدات سافرة مباشرة ضد رئيس الجمهورية 
فن ومشاهير 4/16/2026 12:06:00 PM
ولي العهد الأردني يفاجئ المتابعين بفيديو الأميرة إيمان في يوم العلم.
فن ومشاهير 4/19/2026 10:55:00 AM
تعرض هاني شاكر لتوقفٍ مفاجئ في القلب.