تقع قلعة تبنين "طورون" في بلدة تبنين في قضاء بنت جبيل، وهي واحدة من القلاع الصامدة في جنوب لبنان، والشاهدة على تاريخ المنطقة الغنيّ بالأحداث. بُنيت القلعة خلال الحكم الصليبي في العام 1105 على يد "هوغ دي سان أومير" في نقطة استراتيجية تُشرف على سائر المنطقة. كان الهدف من بنائها مواجهة التمدّد الفاطمي، ومنعهم من الوصول إلى مناطق الاحتلال الفرنجي في فلسطين من جهة، وجعلها نقطة انطلاق لغزو صور، التي كانت لا تزال تحت السيطرة الفاطمية من جهة أخرى.
يعتقد أن كلمة تبنين هي كلمة آرامية الأصل، وتعني البناء المُشيّد. ووفقاً لبعض الروايات المحليّة، تعود تسميتها إلى السيدة مريم العذراء، التي كانت قد جاءت إلى تبنين، حيث قابلت خلال زيارتها امرأة تُطعم كلبها من طعامها قبل تناوله، فأعجبت السيدة العذراء بتصرّفها وباركتها قائلة: “قام بينوس – تير بينين” ما تعني باللغة العربية “امرأة مباركة – وأرض مباركة” ومع الوقت، اختزلت هذه الكلمات لتصبح كلمة تبنين.
وبحسب بعض المراجع، القلعة بنيت على أنقاض بناء قديم جدّاً قد يعود إلى الآراميين الذين سيطروا على المنطقة في القرن التاسع ق.م، بهدف الاستيلاء على الطرق التجارية التي تربط مصر بالجزيرة العربية. وتعرّضت القلعة إلى التخريب والترميم خلال فترات لاحقة، خصوصاً في الفترة الآشورية والبابلية والرومانية، إلى أن استولى عليها الصليبيّون.
بقيت قلعة تبنين في أيدي الصليبيين إلى أن سقطت في يد صلاح الدين الأيوبي، بعد انتصاره في معركة حطين الشهيرة في العام 1187. مكث فيها الأيوبيّون حتى العام 1229 حين احتلّها الإمبراطور الجرماني "فريديريك الثاني"، قائد الحملة الصليبية السادسة. بقيت تحت سيطرة الصليبيين لفترة من الزمن إلى أن سقطت في العام 1266 بيد السلطان المملوكي بيبرس.
معظم معالم القلعة الصليبية ظلّت مطمورة، وأغلبية المنشآت التي يمكن رؤيتها اليوم تعود إلى فترات تاريخية أحدث، وعلى الأرجح إلى أواسط القرن الثامن عشر؛ وهذا ما يبدو واضحاً من خلال استخدام الحجارة الضخمة في البناء التي تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. ويُعتقد أن من بناها على هذا النحو هو "ظاهر العمر"، وهو أحد الحكّام في فلسطين خلال الفترة العثمانية، والذي استفاد من ضعف الدولة العثمانية للاستيلاء على بعض الولايات.
تتميّز القلعة ببنائها الضخم، وهي تتبع بمخططها العام الشكل المعتمد في المنشآت الحربية التي أقيمت في القرن الثاني عشر، إذ تقترب من المرّبع أو المستطيل، فيما أبراجها تأخذ شكل الزاوية. تتألف القلعة من ثلاث طبقات، وتضمّ عشرة أبراج، أوسعها البرج الغربيّ المطلّ على وادي السلطانيّة، والمعروف باسم برج أبي حمد. يُقابلها من الناحية الجنوبية الغربية، على بعد 200 متر تقريباً بناء تزيّنه أربعة أبراج يُعرف بالحصن.
مدخل القلعة كبير يعلوه نقشان لأسدين متقابلين خلفهما بعض الزخارف، يؤدي بك إلى بهو واسع، أرضه مرصوفه ببلاط صخريّ واسع، وهو ينتهي إلى بهو آخر له باب في وسطه عمود ضخم. ويوجد من الناحية الشمالية بهوان آخران أمامهما فسحة. تضمّ القلعة غرفاً عدّة، منها غرف استقبال ومضافة وإسطبلات للخيل وغرف سفلى وآبار عميقة لجمع مياه الأمطار. ويوجد نفق كبير في إحدى الغرف يعتقد أنه يؤدّي إلى أسفل القلعة.
كذلك، تضمّ القلعة منشآت أخرى أقامها خلفاء "ظاهر العمر"، من بينها قصر معروف باسم قصر سلمان، وهي تعود بمعظمها إلى الربع الأخير من القرن الثامن عشر وأواسط القرن التاسع عشر.
من أجل تأمين حمايتها، كانت القلعة محاطة بخندق عميق من الجهات الثلاث؛ أمّا الطريق المؤدّية إليها فهي مرصوفة بالأحجار الصخريّة الملساء.
نبض