الهجرة الثانية للأطباء السوريين بعد أوروبا نحو الصومال
Smaller Bigger
كتب ماهر الحمدان
 
 
في ظل انحدار الأوضاع الاقتصادية في سوريا وسط المخاوف الأمنية المرافقة، يهاجر الأطبّاء السوريون في موجة ثانية، إلى بلد ليس بأفضل حال بكثير من سوريا؛ الصومال، بحثاً عن فرص العمل وطمعاً في الاستقرار الوظيفي.

يقول ليث، وهو طبيب أسنان سوري قدم حديثاً إلى الصومال: "اخترت الصومال لقلة الخيارات المتوفرة لدى أيّ طبيب سوري متخرج حديثاً، ولا سيما أنّ الخيارات الأخرى تتطلب خبرة والتزامات لا تتوفر لطبيب متخرّج منذ عامين أو ثلاثة أعوام، مثل التراخيص الدائمة أو شهادة الخبرة".

وتابع ليث: "لا أستطيع الذهاب إلى أوروبا، فمتطلبات منح فيزا العمل غير متوفرة لي أو للأطباء الآخرين الذين تخرجوا حديثاً، وكانت فكرة المجيء إلى الصومال مناسِبة لسهولة الحصول على عقود العمل والفيزا والإقامة، مع وجود أصدقاء لي هناك نصحوني بالمجيء، فلم أتردد لكونه أفضل الخيارات المتاحة لي".

ويردف ليث قائلاً، بأنّ الإجراءات جيدة لناحية وجود كل شيء قانوني من العمل والإقامة، إذ يوقّع الطبيب عقداً عن طريق الكفيل مع المركز الطبي الذي سيعمل فيه. والعقود الموقعة محمية من الوزارة ومن جهاز الشرطة، أي إنّ حقوق الطبيب محفوظة بدرجة كبيرة. بالإضافة إلى أنّ الصومال يوفر معيشة رخيصة ومكسباً مادّياً جيداً للطبيب، وشجّع هذا الأمر الكثير من الأطباء السوريين على المجيء إلى الصومال.

وعن رحلته، أوضح ليث أنّ طريق السفر كانَ سهلاً ولم تكن هناك أيّ عوائق. "سافرت من سوريا إلى بيروت ثم توجهت إلى الصومال. لم تكن هناك رحلات مباشرة فحجزت تذكرة ترانزيت بيروت - دبي - مقديشو". ويضيف: "هناك صورة نمطية سلبية غالباً عن وضع الصومال، لكن الواقع ليس كذلك فهو بلد يعيش فترة استقرار ووضعاً أمنياً مقبولاً نوعاً ما، هناك مستوى جيد من المعيشة والأمان".

وأشار ليث إلى وجود فروق كبيرة بين البنية التحتية في سوريا والصومال، فحال المنشآت البنيوية في سوريا أفضل بكثير من الصومال، "ولكن يجب ألّا ننسى أن الصومال بلد خارج من الحروب والصراعات أيضاً". ويؤكد ليث أنّ المقارنة بين سلّم رواتب الأطباء في سوريا والصومال غير متكافئة بسبب الأوضاع الحالية في سوريا. لكن عقد العمل في الصومال يمنح الأطبّاء راتباً يساوي قرابة 10 أضعاف راتب الطبيب العامل في سوريا.
 
 
أعداد الأطبّاء والهجرة تتنامى مع مرور الوقت!

في معظم المدن الرئيسة في الصومال، أصبح السوريون يشكّلون نسبة جيدة قد تصل لـ 20 بالمئة من معظم المراكز الطبّية حسب ما قال سامر، وهو طبيب متخصص في الأمراض الداخلية. أتى منذ نحو 4 أعوام إلى مدينة مقديشو، باحثاً عن الحياة والاستقرار بعيداً عن الحرب السورية، ويوافق ليث حديث سامر، إذ قال بأنّ عدة مراكز رئيسة في مدينته تحتوي على عدد جيّد من الأطباء السوريين من مختلف الاختصاصات، سواء العامّة أو الأسنان والتمريض.

ويوضح ليث أنّ سبب ذلك هو رغبة إدارة المراكز باستقطاب الأطبّاء السوريين المشهود لهم إمكاناتهم العالية، ومرونة التعامل معهم، إذ دائماً تعطى الأولوية للأطبّاء السوريين في أيّ عقود جديدة للاستقطاب، من خلال مراكز متخصصة في استقدام الأطبّاء.

فيما يرجح الطبيب سامر وصول أعداد الأطبّاء في الصومال إلى أكثر من 2000 طبيب مع تنامي هجرة الأطبّاء، فهناك عشرات الأطبّاء ينتظرون إنهاء معاملاتهم من أجل السفر، ولا سيما أنّ فترة فيروس كورونا قد أثّرت وفرضت قيوداً مشددة على آلية السفر.

ويرى سامر أنّ عدم وجود أيّ من المحفزات الاقتصادية في سوريا للأطبّاء، قد يؤثر سلباً في هجرة الأطبّاء العشوائية. كان الأطبّاء في الوقت السابق يهاجرون إلى بلدان مثل الخليج، أميركا وأوروبا. وفي الوقت الحالي ليس المهمّ البلد بل الاستقرار والتطور المعيشي، وهذا التطور صعب في ظل الظروف الراهنة في سوريا.

يقارن الطبيب سامر بين مدخول الأطبّاء في سوريا والأطبّاء في الصومال، مشيراً إلى حصول الطبيب العامّ في سوريا الذي ليس لديه عيادة ويعمل في مستشفيات الدولة، على مبلغ لا يتعدى 100 ألف ليرة في أحسن الأحوال مع مناوبات متعددة وهو ما لا يتجاوز 40$، فيما يحصل الطبيب في الصومال بنحو متوسط على مبلغ يزيد عن 1500 دولار أميركي، وبعض الأطبّاء يحصلون على ضعف هذا المبلغ. الفروقات بين العمل داخل سوريا وخارجها كارثي، "يجب أن تضرب الراتب الشهري للطبيب في سوريا بـ 20 أو 30 مرة ليوازي راتب الطبيب المقيم خارج سوريا، وليس بعيداً بل في بلد خارج من كوارث وحروب مثل الصومال".

وبحسب بيانات موقع "SalaryExplorer"، فإن الطبيب العامّ في الصومال يتقاضى شهرياً 640 ألف شلن (SOS) صومالي، أي ما يعادل 1100 دولار أميركي شهرياً. وقد يصل الراتب الشهري للعاملين في القطاع الطبّي في الصومال إلى 2000 دولار، وذلك حسب السلّم الوظيفي.
 
 
سوء البنية التحتية والرواتب العالية تدفع الأطبّاء للهجرة!

يقول كنان، وهو طبيب أسنان سوري يعمل في ضواحي العاصمة دمشق، بأنّ هجرة العمل مغرية له، فالراتب أضعاف ما يحصل عليه الطبيب في سوريا، والظروف الصعبة تؤثر على عمل الأطبّاء مثل عدم توفّر الكهرباء دائماً.

ويتابع: "كوني طبيب أسنان أحتاج إلى الكهرباء دائماً، من أجل تعقيم الموادّ وعمل الأجهزة والإضاءة وتأمين جودة عالية، ما يكلفني أضعافاً إن أردت الاستعانة بمولّد كهرباء. ومع صعوبة تأمين البنزين، يجد الطبيب نفسه في وضع غير مستقر يؤثر عليه نفسياً ومادّياً، فمدخول الطبيب في مثل هذه الحالات قد لا يكفي الأجور التشغيلية للعيادة!".

وقال نقيب الأطبّاء السوريين كمال عامر، إنّ الأطبّاء يهاجرون إلى الصومال بسبب وجود فرص أفضل. وعزا النقيب، في مقابلة على قناة "سما" الفضائية في الـ 25 من تشرين الثاني الفائت، التوجه نحو الصومال إلى الرواتب المرتفعة مقارنة بما هي عليه في سوريا.
 
العلامات الدالة