لم أكن أتوقع يوماً أن أخوض معركة البحث والتنقيب عن البنزين في القرن الحادي والعشرين، بعد كلّ الإنجازات الحضاريّة التي شهدها العالم، والتي حسبما يبدو فقدناها في لبنان نتيجة فساد الحكّام وجهل المحكومين المعتادين على كلّ ما هو غير اعتيادي؛ في بلد لا يسمح لك أصلاً بالتعوّد على أيّ شيء، إذ تصحو يوميّاً على أزمة جديدة وفريدة من نوعها "لا عالبال ولا عالخاطر"!
استيقظتُ يوم الثلاثاء الماضي تاركةً أحلام السفر وبناء المستقبل في سريري، وعلى وسادتي، لأنتقل إلى كابوس الواقع، ولأواجه حقيقة حاجتي الملّحة إلى البنزين للذهاب إلى عملي، ففوجئت بحكاية نفاد مخزون محطات الوقود وتوقف معظمها عن العمل؛ وأنا - منذ بداية الأزمة - لم أتذاكَ كبعض اللبنانيين وأخزّن البنزين في منزلي أو في سيارتي؛ عموماً أنا أنسى تعبئة الوقود والمياه والزيت في سيارتي، ولطالما عُرفت هكذا بين أصدقائي وأفراد عائلتي، حتّى والدي كان يمازحني قائلاً: "بنتي مفكّرة السيارة بتمشي عالهوا".
لم أكن أملك قطرة بنزين واحدة في السيارة، لكنّني كالعادة لم أفقد الأمل، فعاندت الواقع وقرّرت تجربة حظي؛ فما الذي قد يحصل؟ إمّا أن أعود بلا سيارة وأركنها في مكان ما، أو "بتنقش" معي وأتابع حياتي لمدّة يومين أو ثلاثة كالبشر الطبيعيين.
خرجتُ من المنزل مفعمة بالحيوية لخوض محاولتي اليومية. ولكي أستكين شغّلت الراديو، عسى الأغاني تشتّت أفكاري خلال الانتظار الطويل؛ وإذا مللت من أصوات الفنّانين، فلا بأس؛ فقد قمت بتحميل حلقات من مسلسل مصري أتابعه عبر "نتفليكس"، وهو - حتماً - سيفي بالغرض.
محطتي الأولى كانت في الحدت. هناك اصطفت طوابير الذلّ ثنائيّاً، وكأنّ كلّ سيارة لها شريك ستدخل معه لتُكلّل قصتهما بـ"تفويلة".
"سكّرنا لليوم ما سلّمونا". بعد ساعتين من الانتظار تحت أشعة الشمس، تلقّيت الخبر السّار، واستجمعت قواي للتوجّه إلى محطّة أخرى، وقلتُ في نفسي: "ما هي الحياة سوى محطّات عدّة علينا تجاوزها".
لم أجد في كلّ محيط منطقة بعبدا محطّة محروقات واحدة شاغرة، لذا توجّهت نحو الأوتوستراد...حتماً في الدورة سيُحالفني الحظ.
وصلت إلى المحطة الثانية، فرأيتُ الطابور يمتد إلى اللانهاية. فعلاً، "عمدّ عينك والنّظر"، فقلتُ في نفسي: "لا طاقة لي على الانتظار كلّ هذا الوقت. لديّ عمل عند الساعة الثانية من بعد الظهر، ولن ألحق".
خرجتُ من الطابور ورحت أبحث عن ضالّتي في محطة أخرى. وللأسف لم أوّفق. لكن لا بأس، فلديّ ما يكفيني حتى آخر النهار على الأقلّ.
وصلتُ إلى العمل، فإذ بزملائي يتحدّثون عن أزمة المحروقات في محاولة لإيجاد حلّ وسط تسهيلاً لعملنا، ووجد زميل لي إحدى المحطات التي ستزوّدنا بحاجتنا، ففرحتُ عند سماعي الخبر، وكأنني امتلكتُ الكون، ولم لا؟ سأنال ضالّتي من البنزين للذهاب أينما أريد؟ إذاً أنا حرّة.
عدتُ إلى منزلي، وخطّطت للقيام ببعض المشاريع مع الأصدقاء لكسر الروتين، إلّا أنّني استيقظتُ في اليوم التالي لأجد سيارتي معطّلة. "لا تغضبي ستُحلّ"، هكذا هدّأت نفسي المضطربة. وبالفعل، أصلحت السيّارة، وتوجّهت إلى عملي مجدّداً. وأمام كلّ محطة وقود كنت أنتظر لساعات طويلة، وفي داخلي أمل فارغ بملء خزان سيّارتي بالقليل من الوقود، عساني أفلح بذلك.
صباح الجمعة اشتدّت أزمة المحروقات، وتهافت الناس على محطات الوقود كالنمل خوفاً من السجن في المنزل خلال "الويك آند"، وأنا "مكانك راوح" لا بنزين ولا بديل، فحاولت إيجاد بعض الحلول. اتّصلت بمكتب تاكسي فأجابني برحابة صدر: "طبعاً نوصلك آنسة"، حقاً الدنيا لا تزال بخير. استجمعت قواي وسألته عن التسعيرة، إذ إنّها الأولوية عندنا اليوم، وسط أزمة البلد الاقتصادية، فأتاني ردّه كالصاعقة: "80 ألف ليرة"!.
نعم، 80 ألف ليرة من بعبدا إلى بيروت، وتبريره كان أقبح من جشعه، إذ برّر الأمر بالانتظار في طوابير الذلّ، وكأنّي من المفترض أن أحاسبه على عمله وتعبه في الحياة أيضاً. لم أفكّر مرتين، أغلقت الهاتف في وجهه، وحاولت التواصل مع أحد السائقين العموميين الذين أعرفهم بحكم عملي، فردّ عليّ العمّ "أبو بلال" الرجل السبعيني الذي عاش الحروب اللبنانية، وعلى دراية بأوضاع شعبه الجريح و"المفلّس"، فعرض عليّ إيصالي مقابل 20 ألف ليرة فقط.
في طريقي معه إلى العمل أخبرني بأنّه مقرّب من أحد أصحاب محطّات الوقود، الذي يستطيع بيعي غالون بنزين وفقاً لسعر السوق السوداء. طبعاً رفضت، فلم هذا العناء والمصاريف الزائدة؟! ببساطة، أنتظر كما الجميع أمام المحطة و"بفوّل سيارتي"، إلّا أن أحلامي الطفولية هذه لم تكتمل، وفشلت محاولتي العاشرة بالوقوف في طوابير الذلّ من تحقيق غايتي المرجوّة.
تواصلت مجدّداً مع أبي بلال، وطلبت منه تأمين غالون بنزين سعة 10 ليترات لتلبية حاجتي، ولكنّه حتّى في السوق السوداء لم يكن البنزين متوافراً، فعدتُ إلى المنزل مساءً، وأنا خائفة من أن تقف السيارة في منتصف الشارع، و"أنقطع من البنزين عالآخر". حاولت ركنها أمام إحدى المحطات في المنطقة بالطابور لكي أحجز دوري لليوم التالي، فلم أجد مكاناً، إذ امتدّت السيارات التي تقف في الصفّ من الحدت حتى ساحة بعبدا!.
ما كنت أخشاه قد حدث، أطفأت محرّك سيارتي بعدما عطشت للبنزين، فركنتها إلى جانب الطريق، ومشيت إلى منزلي ليلاً، ووسط طريق شبه مقطوعة، فإذا لم أمت من "عيشة الذلّ" قد يعترضني سارق أو أحد المختلّين.
وصلت بالسلامة إلى منزلي "المعتّم"، ولولا صوت أبي لظننتُ أنّني في منزل آخر، إذ لا كهرباء ولا مولّد، والظلام الحالك سيّد الموقف.
لم تنتهِ معاناتي هنا، استيقظت اليوم في تمام الساعة الرابعة فجراً، تناولت قهوتي "الفجرية"، وتوجّهت إلى المحطة، فطردني العامل هناك قائلاً: "اليوم سكّر، ارجع الإثنين". لم أعد، أكملت طريقي، وانتظرت من السادسة حتّى التاسعة أمام محطة أخرى، ولكن الحقّ يقال بعد كل هذا الانتظار والآمال التي بنيتها أبلغني صاحب المحطة أنّه لن يفتح اليوم كي لا أنتظر في الشمس.
عدتُ إلى منزلي وتواصلت مع "ديلر بنزين" في السوق السوادء، الذي طلب مني 600 ألف مقابل الغالون الواحد، وافقت فأنا عاجزة وما من حلّ آخر أمامي.
بعد رحلتي هذه بحثاً عن البنزين الذي يعتبر حقّاً بديهيّاً لي كمواطنة، فكّرت كالتالي: لِمَ أنا هنا؟! ما الذنب الذي اقترفته كي أتواجد في لبنان خلال هذه الفترة، وتحديداً في الوقت الذي يُفترض بي أن أؤسّس نفسي ومستقبلي فيه؟! ماذا فعلنا كي نستحق هذه "الجهنم" التي أحرقوا آمالنا وأحلامنا فيها؟! وإلامَ سنبقى رهن السوق السوداء و"كبش محرقة" الزعماء وجشع المحتكرين؟!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شمال إفريقيا
9/24/2026 7:22:00 AM
يحتفظ الملك بصلاحيات واسعة في تحديد التوجّهات السياسية وملفات الدفاع والشؤون الخارجية.
تركيا
9/24/2026 10:55:00 AM
زلزال بقوة 5.1 درجة ضرب شرق تركيا اليوم على عمق 10 كيلومترات، وفقاً للمركز الأوروبي المتوسطي للزلازل.
النهار تتحقق
9/23/2026 3:15:00 PM
مصافحة بين الرئيس السوري وعمدة نيويورك، وبدت راما دوجي مبتسمة.
النهار تتحقق
9/23/2026 2:38:00 PM
بدا الرئيس السوري وهو يدقّق في صورة امرأة جميلة ظهرت على شاشة هاتفه.
نبض