"الله ما بيترك حدا"... في كل مرّة تعيدها أمي على مسمعي حتى رسخت في قلبي. في أسوأ لحظات حياتي، يوم 4 آب، كرّرتها مراراً وتكراراً.
4 آب! كم أكره هذا اليوم المشؤوم! سأكره ذكراه إلى الأبد. حين تدمّر كل شيء ولفّني الظلام. عشته فترة طويلة بعد وقوعي على الأرض.
انفجار بيروت هشَّم كل شيء فيّ: الفرح في قلبي، قوّتي، وأجزائي.
أصبحت هيكلاً من دون روح؛ جسداً من دون أحاسيس. تحطّمتُ من الداخل. هل ستشرق الشمس غداً؟ لم أعد أبالي. لا أبالي بشيء.
العيش على هذا الشكل أصبح واجباً ثقيلاً.
[
هل أهرب؟ هل أبتعد؟ لا أدري. لا فارق بين الهروب والابتعاد وبين البقاء، طالما أحمل ناري في أعماقي.
يتوه النوم. كيف أقلب الصفحة؟ كيف أرتاح؟ كيف أتصرّف؟ أشعر كأنني مكبّلة اليدين، ليس فقط لأنّ جروح يدي ورأسي ورجلي بليغة، بل لأنّ نفسي مكبّلة.
بعد نحو أسبوعين من التفجير، ظللتُ أشعر بوجع جسدي رهيب.
لم أستطع تحريك يدي. لم تستجب لي.
أسئلة كثيرة ولا جواب أمكنه اختصار كل شيء خلال زيارتي للطبيب. لم أكترث لوجعي ولا لخضوعي لجراحة. سؤال واحد ظلّ يؤرقني:
"دكتور مش عم بقدر نام، كل ما غمض عيوني بشوف الانفجار. كل الوقت حاسة راسي رح ينفجر".
جوابه جاء مختصراً: "صلّي"!
بعد أكثر من سنة على التفجير، زيارة جديدة. ورسالة جديدة.
طبيبي هذه المرّة لم أزره في المستشفى أو في عيادته. اللقاء كان في البعيد، حيث لا ضجيج ولا بشاعات. في مكان حيث لقاء الجمال والفرح والسلام. في دير مار أنطونيوس قزحيا!
إنه الأب الحبيس حنا خوند.
بوجه أبيض وابتسامة خافتة رحّب بنا، رئيسة تحرير "النهار" نايلة تويني، الزميل فرج عبجي والأب إيلي قرقماز: "أهلا وسهلا فيكن، مار أنطونيوس برحّب فيكن كمان".
يا الله! بمجرّد الجلوس إلى جانبه، تشعر بعظمة الفرح. بكل سلام الدنيا!
أتأمّله متواضعاً، بسيطاً. بياض شعره وذقته ناصع كالثلج. يا لروعة هذه الروح!
تتوه الكلمات في حضوره التقي، فماذا أسأله؟ ماذا أقول له؟ خشيتُ ألا أطرح عليه أسئلة ترتقي إلى نقائه وحكمته. هالني هذا الرجل الواقف أمامي. أدخل السكينة والطمأنينة إلى داخلي المشظّى.
"كيفكن؟"، نجيبه بصوت خافت "الحمدالله". فيثني: "برافو! ما في أحلى من هالكلمة".
أعود إلى نفسي: "يا إلهي! شو بدي اسألوا، شو بدي احكي؟ ما بعرف!". وإذ بالزميل فرج يسأله عن الوضع، فيشير بيده إلى أننا كنا في انحدار كبير وها نحن نعاود الصعود، "ما في حيط، دائماً في نور".
"ما في حيط بسكّر"... وإذ بالسؤال يطرح نفسه من صميم أوجاعي، لا سيما في هذه الفترة الضاغطة.
"أبونا، كيف الشخص اللي ما عم بشوف إلا حيط مسكر، يطلع من هالحالة؟". صمت للحظات، وأجاب بصوته الخافت: "الإنجيل، القربان والعذراء، إنهم رأسمالنا. الكتاب المقدّس زينة الزينات، هوي كل عقيدتنا وتفكيرنا، هوي رجاءنا، هالرأسمال بيحكينا عن أحسن وأعظم حدث صار بالتاريخ، تجسّد الله إنسان، بقي أجيال وأجيال يبعت أنبياء يتنبوا مجيئه. إجا وبعدنا كأنو ما صار شي!". يتمهّل ثم يكمل متحمّساً: "ما فش فحطة، لازم نفحط وقت اللي منشوف يسوع. بس تقرأ قصة يسوع بالإنجيل، كيف مات وكيف قام من الموت، لازم يكون في عنا فحطة، فرحة". يخبط على خشبة المقعد، كتأكيد على أهمية قيامة يسوع وجدوى الفرح الذي يجب أن نشعر به. بسعادة ظاهرة على وجهه، يخبرنا عن روعة الجلوس بحضرة الرب أمام القربان. ونحن نعبّر ببساطة الكلمات عن حبنا للرب بصلاة المسبحة وفعل الرجاء والإيمان و"بحبك بحبك"... "واسكت بس هيك قدامو (أمام الرب)" . ليعود ويكرّر: "الإنجيل والقربان. الإنجيل براسنا والقربان بجسمنا يصير من لحم ودم"، ثم يكمل كلامه عن والدة الله القديسة مريم "يا مملوءة نعمة". كلمات اخترقتني حتى الصميم.
تحدّث مطوّلاً، وكلّنا آذان صاغية.
جلستُ إلى جانبه، فسألني: "أتعرفين قصّة الغراب؟". أومأتُ رأسي بالنفي.
أخبرني أنه قرأ في الكتاب المقدّس مزموراً يتحدّث عن الغربان، المزمور 147 (الْمُعْطِي لِلْبَهَائِمِ طَعَامَهَا ولِفِرَاخِ الْغِرْبَانِ الَّتِي تَصْرُخُ )، وأضاف: "لم أفهم لماذا كُتب هذا المزمور وما علاقة فراخ الغربان وما السبب. حتى جاء يومٌ، كنت أصلّي في الطبيعة، فشاهدت غراباً. سرعان ما تذكّرتُ المزمور، وإذ براعٍ يقول لي: "أتعلم أنه عندما يخرج فراخ الغراب من البيض يكون من دون ريش؟ فالغراب يخاف منها ويتركها. تظلّ الفراخ الصغيرة تبكي من فرط الجوع، لكنها لا تموت جوعاً، إذ أنها تأكل من الحشرات التي تحيط بالعشّ لتعيش، فلا يدنو الغراب الأب والأم منها حتى يظهر الريش الأسود عليها".
ينظر إليّ ويبتسم، متعجباً وواثقاً بحكمة الرب، "الله من أكثر من 2000 سنة لليوم القصة اللي خبرنا إياها بالمزمور، رجع خبرني إياها الراعي". القصة التي أخبرني إياها بوجهه البشوش وابتسامته الرائعة، مكرّراً تعبير: "شفتِ حكمة ربنا شو كبيرة، من أكثر من 2000 سنة لليوم". هذه ليست مصادفة. أخبرني إياها ليقول أنّ الرب لم يترك فراخ الغراب، فكيف بالأحرى، أنتِ التي خلقتِ على صورته ومثاله؟ وليعود ويذكّرني بما تكرّره أمي دائماً: "الله ما بيترك حدا"!
غادرتُ الدير وأنا محمّلة بزوّادة روحية لن أنساها مطلقاً. وكيف لي أن أنسى أيضاً كمية التفاح الكبيرة التي أصرّ أن نأخذها معنا؟ زوّادة ليست إلا أعجوبة، معجزة!
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
4/14/2026 4:20:00 AM
لـ"إسهاماتهم في خدمة القضية الفلسطينية وصون الذاكرة الوطنية والثقافية"...
شمال إفريقيا
4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار
4/14/2026 2:23:00 PM
اتفاق السلام مع إسرائيل ليس مطروحاً الآن قبل تحقيق مجموعة من الشروط اللبنانية التي سيطرحها الوفد المفاوض
اقتصاد وأعمال
4/14/2026 9:14:00 AM
كم بلغت الأسعار الجديدة؟
نبض