الأحد - 21 تموز 2024

إعلان

رواتب أساتذة الجامعة اللبنانية "كارثية"... هجرة واستقالات أو العمل بـ"150 دولاراً فقط"

المصدر: "النهار"
بتول بزي
بتول بزي
"أتركوا جامعة الوطن تعمل بسلام" (تصميم ديما قصّاص، "النهار").
"أتركوا جامعة الوطن تعمل بسلام" (تصميم ديما قصّاص، "النهار").
A+ A-
لم يكُن يتوقّع الأستاذ الجامعي في الجامعة اللبنانية أن يقضي سنوات عمره في الخدمة التعليميّة ويتقاضى مقابلها مبلغاً لا يصل إلى 150 دولاراً فقط شهريّاً. ثمّة خطر جدّي يُهدّد المسار التعليميّ في جامعة الوطن، مع تفاقم الصعوبات أمام الأساتذة المتفرّغين والمتعاقدين، الذين يتشاركون معاناتهم مع فئات المجتمع كافّة.

في سنوات الازدهار، كان التفرّغ في الجامعة اللبنانية هدفاً منشوداً لأيّ أستاذ أكمل تحصيله العلميّ في لبنان أو الخارج، نظراً للامتيازات التي يتمتّع بها، مع راتب شهري بـ4 ملايين ليرة أي ما يساوي 3 آلاف دولار حينذاك. أمّا اليوم، وبعد 30 عاماً من الخدمة في الملاك مثلاً، فيصل راتب الأستاذ إلى نحو 7 ملايين ليرة، على أن يُضرَب بـ3 أضعاف بعد إقرار المساعدات المالية الأخيرة من الدولة، فيما يتقاضى الأستاذ المتفرّغ حديثاً 12 مليون ليرة، أي ما يساوي نحو 100 دولار فقط.

لا تقتصر الأزمة التي يواجهها أساتذة الجامعة المتفرّغين على قيمة رواتبهم الهزيلة إنّما تشمل "حرمان" الأستاذ من التغطية الصحية الشاملة، ممّا فاقم وضعه المعيشيّ أيضاً. كان صندوق التعاضد لأساتذة الجامعة يُغطّي نحو 90 في المئة من الطبابة والاستشفاء، أمّا اليوم، فلم تَعُد النسبة تتجاوز الـ10 في المئة فقط، وتُردّ بعد شهور من دفع تكلفة الاستشفاء، بل بات الأستاذ بحاجة إلى 100 ضعف من معاشه لإجراء عملية جراحيّة.

يعتبر الدكتور راغب جابر، المحاضر في كلية الإعلام، أنّ "الجامعة تعرج مع أساتذتها، وقيمة الرواتب تراجعت دراماتيكيّاً في السنوات الثلاث الأخيرة، وقد اعتمد الأساتذة بداية على مدّخراتهم المالية، أمّا اليوم فالوضع لم يعد يحتمل، ومنهم من بات عاجزاً عن دفع تكلفة البنزين للتنقّل".

أمام هذا الواقع، لم يعد خافياً أنّ الأساتذة المتفرّغين يعملون خارج ملاك الجامعة، إن بالتعليم في الجامعات الخاصة أو في مهن ووظائف أخرى، تزامناً مع محاضراتهم في اللبنانية. تُفيد معلومات "النهار" بأنّ عدداً لا بأس به من الأساتذة طلبوا تجميد عقودهم أو منحهم أذونات للانقطاع عن العمل لمدة عام للاتّجاه إلى العمل خارج لبنان من دون تقديم استقالات نهائيّة، في حين لا يزال البعض الآخر في موقع عمله مع اللجوء إلى التعليم "أونلاين" مع جامعات عربيّة وأجنبيّة.
 
وتلفت مصادر متابعة لملف الأساتذة في الجامعة إلى أنّ "رئاسة الجامعة تتغاضى أحياناً عن هذا الأسلوب، لأنّ الرواتب أصبحت كارثيّة، ومنهم من لديه خبرة عقود، وآخرون في مناصب العمداء والمدراء يتقاضون راتباً لا يصل إلى 150 دولاراً".

بعد قرابة الـ30 عاماً من الخدمة، يتّجه جابر للتوقّف عن التعليم مع بلوغ سنّ التقاعد، لمتابعة عمله كسكرتير تحرير في موقع "النهار العربي"، مؤكداً أنّ الأستاذ المتقاعد "مضطرّ يشتغل"، فـ"الأستاذ المتقاعد لا يتقاضى قيمة راتبه كاملاً، إنّما تتراوح نسبه معاشه التقاعدي بين 50 و60 في المئة من الراتب الأساسيّ خلال سنوات الخدمة، وأستاذ اللبنانية لا يؤدّي سنوات طويلة من العمل مثل موظفي القطاع العام، وكان مطروحاً في السابق تمديد سنّ التقاعد إلى الـ68 لكنّه لم يؤخذ بهذا الطرح".
 
ويضيف: "راتب الأستاذ المتقاعد إلى جانب مردود آخر بالدولار يمكّنه من العيش من دون رفاهيّة، فراتب اللبنانية يكفي لاشتراك المولّد الكهربائي فقط".

وبالرغم من الأزمة، حافظ جابر وزملاؤه من قدامى الجامعة اللبنانية على التزامهم بالتعليم، مشيراً إلى أنّ "هناك أساتذة يعتبرون أنّ قضية الجامعة هي قضيّتهم لمنع انهيارها بشكل كليّ، مع الإدراك أنّ البلد منهار وعاجز عن تقديم المزيد. ولكن هناك فئة من الأساتذة تفكّر في عائلاتها، وهو ما دفع أولئك إلى الهجرة وترك وظائفهم".
 
 

هجرة الأساتذة واستقالات بـ"الجملة"

ترزح الجامعة اللبنانية أمام خطر يتهدّد مصير الطاقم التعليمي إن لم تُتَّخذ إجراءات تلجم الانهيار المتواصل. فوفق معلومات "النهار"، اتّجه قرابة الـ600 أستاذ إلى ترك الملاك نهائيّاً خلال العامين الدراسيّين الأخيرَين، وجُلّهم من ذوي الاختصاصات العلمية والتقنية في الهندسة، والرياضيات والكمبيوتر وغير ذلك، ممّا خلّف نقصاً واضحاً في الكادر البشريّ.
 
إلى ذلك، يحظى الأساتذة المتخرّجون من الجامعات الأجنبية، خصوصاً فرنسا، بفرص أكبر للهجرة، إذ لدى البعض جنسيّات أجنبية أو خبرات أكاديمية وعلاقات عامّة تخوّلهم التواصل بشكل أسرع مع هذه الجامعات.

إذن يعيش الأستاذ بصعوبة، والصرخة باتت كبيرة، ممّا دفع نحو 30 أستاذاً متفرّغاً ومتعاقداً من محاضري كلية الإعلام، بفرعَيها الأول والثاني، إلى عدم تجديد عقودهم بداية العام الدراسي 2022/2023، منهم من سافر خارجاً، ومنهم من اتّجه إلى العمل الخاصّ، فيما عدد كبير منهم يعمل في وظيفتَين.

وكان لافتاً هذا العام نشرُ كليّات عديدة في "اللبنانية"، منها الطب والصحة والإعلام، إعلانات عن شواغر في اختصاصات مختلفة في مرحلتَي الإجازة والماستر، ممّا طرح تساؤلاً عن خسارة الجامعة لكوادرها من أصحاب الكفاءة.

بعد 15 عاماً من التعليم في اللبنانية، يُقارن مدير كلية الإعلام - الفرع الأول الدكتور رامي نجم أسلوب حياته السابق بالواقع الذي نشهده اليوم، واصفاً الأمر بـ"التبدّل الجذريّ"، ويقول لـ"النهار": "الأستاذ الجامعيّ كان قادراً على تأمين احتياجاته واحتياجات أولاده، وإقامة نشاطات سياحيّة وترفيهية، فيما اليوم باتت هذه الفئة منعدمة، والوضع صعب جدّاً".

وعن أحوال الكلية، يلفت إلى أنّ "هناك إجراءً استثنائيّاً شهريّاً لأنّ الأمور تتفاقم، وقيمة دخل الأستاذ تتراجع، فيما يؤدي الأساتذة بأغلبيّتهم دورهم التعليميّ بالرغم من الأزمة. وهناك تواصل يوميّ مع الزملاء للمساعدة في تسهيل أمورنا، لئلّا نحرم طلابنا العلم، ولنحافظ على المستوى الأكاديمي، ولنحاول الاستمرار في المرحلة المقبلة".

لا يختلف راتب المدير عن راتب الأستاذ المحاضر، ممّا يدفع نجم إلى البحث عن حلول بديلة لتغطية النفقات اليوميّة، ويقول: "زوجتي تعمل في القطاع الخاص، ونحن قادرون على معالجة أوضاعنا حتى الآن. فالأستاذ بحاجة إلى مدخول يقرب من 700 دولار للعيش من دون رفاهيّة، في حين أنّ قيمة رواتبنا لا تصل إلى 150 دولاراً".

وعبر "النهار"، يوجّه نجم تحية إلى "الأساتذة الصامدين في الجامعة اللبناينة ويقاتلون باللحم الحيّ"، معلناً اتّخاذ "إجراءات تلائم الأساتذة والطلاب والموظفين على حدّ سواء، فعملنا على تقليص عدد الأيام الحضوريّة، وكثّفنا المحاضرات في أيام محدّدة لئلّا يضطرّ الطلاب والأساتذة للحضور إلى الكلية يوميّاً وتحمّل عناء التنقلات".

التعليم الحضوري في الجامعة بات يشكّل هاجساً للأساتذة والطلاب معاً، مع تهديد متواصل من الأساتذة بالاتّجاه إلى الإضراب والمطالبة بالتعليم "الأونلاين" للتخفيف من تكلفة النقل، إلّا أنّ رئيس الجامعة البروفيسور بسام بدران لطالما كرّر موقفه الرافض لهذا المطلب، وفق معلومات "النهار"، مبرّراً الأمر بعدم وجود قانون في لبنان يغطّي التعليم "أونلاين"، خاصة في كليات علميّة وطبيّة تتطلّب محاضرات تطبيقية. وتشير المصادر المتابعة لملف الأساتذة إلى أنّ الرئاسة على دراية بالخطر الذي يُهدّد الجامعة، لكنّ القرار ليس بيدها، إنّما بيد الحكومة ووزارة المال، والجامعة جزء من مؤسّسات الدولة.
 
واقع عمل مأسوي في الجامعة

الأسباب التي دفعت الى انهيار الليرة اللبنانية ما زالت قائمة، فكيف بحال الأساتذة المتقاعدين الذين يتقاضون بدل ساعات تعاقدهم في نهاية العام، ممّا يؤدّي إلى انعدام قيمتها مع الارتفاع اليوميّ لسعر صرف الدولار، أو مِمّن ينتظرون منذ سنوات إقرار ملفّ تفرّغهم حينما كانت قيمة الرواتب جيّدة؟

هنا يعتبر رئيس قسم الاقتصاد في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال - الفرع الأول، البروفيسور حسن أيوب، أنّه "لكون القطاع التعليميّ يؤدّي دوراً محورياً في العملية الاقتصادية والمجتمع، كنتُ أتمنى على الدولة اللبنانية اعتماد سعر صرف محدّد للأساتذة في القطاع التعليمي ليتسنّى لهم متابعة مسيرتهم المهنية"، مؤكّداً أنّه "ليس من الطبيعي العيش براتب زهيد، والمؤلم هو عجز الدولة عن لجم الجشع في الأسواق، وهناك شعور أنّ الموظف بات متروكاً في هذه الدوامة".

انضمّ أيوب إلى الجامعة اللبنانية كأستاذ متعاقد لسنوات، قبل أن يبدأ مسيرته في التفرّغ منذ عام 2014، إلّا أنّ راتبه الحالي لا يساوي إلّا 5 ملايين ليرة، الأمر الذي دفعه للتدريس ساعات إضافية في جامعات خاصّة، أو الإشراف على أبحاث علميّة كعمل إضافي.

من ضمن المساعدات "الهزيلة" التي تسعى إليها الدولة، وقّع وزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي مرسوم الإنتاجية للموظفين مقابل 5 دولارات في اليوم للعاملين في القطاع العام، ومنهم أساتذة الجامعة اللبنانية، في حين يعتبره أيوب "بدلاً ضئيلاً جدّاً، ويُقلّل من قيمة الأستاذ".
ويضيف في حديثه لـ"النهار": "إنّ التقلبات المستمرة في سعر الصرف وتعدّده تجعل عملية تقييم الراتب بالليرة مؤلمة، لأنّه من الصعب على الفرد مراقبة انهيار قيمة راتبه أمام تفاقم متطلبات الحياة". وبالرغم مِمّا نشره أيوب وزملاءه من أبحاث تُشير إلى المشكلات الاقتصادية المتوقَّعة، فلا يزال يؤمن اليوم بأهمية الرسالة التعليميّة ومحوريّتها، مؤكداً "الاستمرار بعملنا بالرغم من الوضع المأسوي للموظفين والمواطنين".
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم