يسود القلق جميع اللبنانيين بمختلف مناطقهم وطوائفهم في ظل خطر واحد يحدق بهم وخوف من اندلاع حرب في لبنان. معظمهم جهّز شنطة أغراضه الثمينة في حال وقوع أيّ حدث مباغت، لعلّه يضمن شيئاً من مجهولٍ قد ينتظره. ويتفاوت مشهد القلق بين الأشخاص بطبيعة الحال، لكن ما لا شكّ فيه أنّه يخيّم على أحاديثنا اليومية، ولكن تستمرّ الحياة بترقّب وتأنٍّ.
وتتحدّث هذه الأم لفتى في الحادية عشرة من عمره لـ "النهار" أنّ ما شاهدناه من مجازر في غزة، إلى جانب شعور التعاطف والغضب تجاهها، زاد من شعورنا كلبنانيين من عدم الاستقرار والقلق، أعادنا إلى زمن الحروب التي عشناها نحن وآباؤنا، وجميع هذه المشاهد الحديثة منها، والتي بقيت في الذاكرة تشكّل قلقاً وخوفاً ممّا قد يحصل الآن في لبنان.
لكن ما تقوم به دندشلي للسيطرة على قلقها قدر الإمكان، هو السماح لنفسها بالقلق دون المبالغة، واضعة خططاً لمختلف السيناريوهات، لكنّها لا تتحضّر لها، و"لن أقوم بأيّ حركة استباقية ولن أتحرّك إلّا إذا شعرت بخطر حقيقي عليّ أو على ابني".
نحن اللبنانيين نسمع دائماً كلمة "اعتدنا الأزمات"، لكن هذه الحالة لا ينبغي أن نعتمدها، تقول دندشلي، و"لا ينبغي أن نعتاد وليس طبيعياً أن تكون حالنا أن نعتاد دائماً على الأزمات ومن غير الطبيعي أيضاً أن ينشأ أولادنا في بيئة مليئة بالقلق والأزمات".
هجرت فاطمة وابنتاها ووالدتها منزلهم في الجنوب، لتستأجر منزلاً في زغرتا، هرباً من القصف الإسرائيلي في منطقتها، مع دخول الاشتباكات الحدودية أسبوعها الثالث، "فنحن ذقنا المرّ من العدوّ على مدى عقود ماضية، ونعرف ماذا تعني الحرب معه"، تقول فاطمة، سيدة خمسينية لـ"النهار".
وليا، ابنة المتن وأم لطفل في الثالثة من العمر، تعرب عن قلقها من اندلاع الحرب أيضاً، "وإن لم أذق يوماً معاناة الحرب مع إسرائيل"، تتحدّث لـ"النهار". وصحيح أنّ مكان سكنها يُعدّ "آمناً" في منطقة بعبدا، إلّا أنّ "القلق العام ينعكس علينا، وبتّ لا يمكنني سوى أن أقلق ولا سيما على طفلين، ونترقّب أنا وزوجي الأحداث، وإذا تطوّرت في الأيام القليلة القادمة نعتزم السفر".
الأمر نفسه بالنسبة إلى سيلفي التي تقطن في منطقة عوكر بالقرب من السفارة الأميركية، "نحن في منطقة آمنة نسبياً ومن المستبعد أن يحدث شيء هنا"، تؤكّد لـ"النهار". "لكن إذا اندلعت الحرب، فقد نبقى في البيت وإذا ما اشتدّت، فقد نهرب إلى إهدن، أو إلى مناطق بعيدة آمنة، لكن المشكلة أنّ الإيجارات "ولعانة" وتتخطى المعقول بأشواط فيما لا يمكننا أن نعرف كم سننفق في زمن الحرب لأنه لا أحد يعرف كم ستكون مدّتها، لأنّنا حينها سنكون في المجهول".
كذلك، تعيش مريم، ابنة بيروت وأمّ لفتاتين، الخوف من اندلاع الحرب مضاعَفاً، لكونها تحمل مسؤولية طفلتيها الآن. ففي حرب 2006، كانت مريم طالبة في الجامعة، "كنت أشعر بطمأنينة في كنف والديّ دون الشعور بمسؤولية على كاهلي"، تقول لـ"النهار". ورغم أنّها تسكن في بيروت حالياً، "لم يمنعني هذا الأمر من القلق على طفلتيّ أكثر من القلق على نفسي، ولا أريد أن تعيشا ما عشته، الذي لا يزال محفور في ذاكرتي، بل أريدهما أن تنشغلا بكل ما هو إيجابي في هذه الحياة وأن تقبلا عليها دون ترسّبات أزماتنا".
وبما أنّنا "أمام وحش كاسر، علينا الاستعداد حمايةً لأولادنا" برأي مريم، التي تموّنت بالمواد الغذائية، "لكن هذا الأمر لا يطمئنني فكلّما اشتريت هذه الأغراض أسأل نفسي هل سأستطيع أن أحملها كلّها معي لحظة اضطراري للهروب من المنزل في حال أي حدث كبير؟ هل سأكون بكامل تركيزي؟ فنحن نعيش حالياً خوفاً من عنصر المفاجأة".
هل هذا القلق مبرَّر؟
يختلف حجم القلق لدى اللبنانيين حالياً باختلاف المناطق، تقول الدكتورة وصال الحلبي، المتخصّصة في علم النفس الاجتماعي.
وفي حديثها لـ "النهار"، تورد مثلاً الناس الذين يعيشون في المناطق التي تأثّرت من انفجار مرفأ بيروت، أنّهم أكثر عرضة للهلع في أي أزمة محدقة، فهذا الهلع ليس هلعاً عادياً بل هو آتٍ من خلفية ما قد عاشوه. وكثرة الأخبار السلبية المحيطة والتحذيرات والتنبيهات، تخلق توتراً لدى شعب عاش هذا التوتر من قبل وأصبح مضاعفاً الآن. أمّا سكان المناطق الذين كانوا بعيدين عن الانفجار، فيشعرون أيضاً بالهلع والخوف، لكن بنسبة أقلّ.
أيضاً، تتفاوت نسبة الهلع والخوف والقلق ما بين الأجيال، مثلاً بين الجيل الذي عايش الحروب بجميع مراحلها وأوجهها، وبين جيل صاعد لم يعش الحرب، لكنّه يشعر بقلق بحجم ما يدور من حوله من أخبار وما يتعرّض له على منصّات التواصل الاجتماعي.
وترى الحلبي أنّ عاملاً إضافياً حالياً يفاقم من قلق وتوتر الناس وهو العامل الاقتصادي في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة. فخلال الحروب التي مرت على لبنان، كانت جميع الحاجيات الأساسية متوفرة، حتى المصارف لم تقفل أبوابها. فتفاقم الأزمة الاقتصادية على عدد كبير من اللبنانيين، يفاقم قلقهم تجاه احتمال اندلاع حرب في لبنان، علماً بأنّهم عاشوا حروباً ضارية.
وفيما تعمل جميع المؤسسات بكافة القطاعات من الخاص والعام على خطة بديلة إذا ما اندلعت الحرب في لبنان، تسأل الحلبي: "لماذا إضافة الهموم، ولا سيما على الأطفال وكبار السن؟".
وفيما استعدّ الكثيرون في لبنان لسيناريو الحرب عبر تخصيص حقيبة لأغراضهم الثمينة، تقول الحلبي: "لا مانع من اتخاذ تدابير احترازية بسيطة وأن تكون الأمور الرئيسية بمتناول اليد، دون عيش قلق كبير، لكن السؤال، عند وقوع أي خطر مفاجئ، هل سيتذكرون أخذ هذه الأغراض معهم؟".
لذلك، تنصح الحلبي "بعدم تكبير حجم القلق، ولا سيما مع وقوع أي حدث أمني صغير يمر علينا يومياً كخرق جوي مثلاً، ونحن بخير ويجب أن نخفّف من التهويل على أنفسنا وعلى أولادنا، والتفكير بأنّه لن يحدث في لبنان أكثر ممّا مرّ عليه".
نبض