الأحد - 05 كانون الأول 2021
بيروت 19 °

إعلان

بولس الخوري (1921-2021) في حضرة المطلق الذي كان ينشده: سيرة الذات المنحجبة

المصدر: "النهار"
Bookmark
بولس خوري.
بولس خوري.
A+ A-
مشير باسيل عونانطفأ المصباح الفلسفيّ المنير، وخبت أضواء الالتماع الحدْسيّ الفذّ الذي كان يضطرم حيويّةً وإبداعًا في أعمال الفيلسوف اللبنانيّ بولس الخوري. قلّما تحدّث عن حياته الشخصيّة، ومعاناته الوجوديّة، ومكابداته اليوميّة. غير أنّ المحبّين كانوا يدركون عمقَ الاختبار الإنسانيّ الذي كانت شخصيّته الوادعة الهنيّة تزدان به. لذلك لم يعرف الكثيرون سيرته الذاتيّة في حلّها وترحالها، في أنوارها وظلالها، في توثّباتها وانفكاءاتها، في تعرّجاتها ومنحنياتها ومنعطفاتها. لا بدّ، والحال هذه، من أن أنشئ بعض السطور التي توثّق علاقتنا الوجوديّة بالفيلسوف البهيّ الطلعة الذي غادرنا في عامه المئة. فأقتطف بعض الذكريات الحياتيّة الشخصيّة التي أسرَّ بها إليّ في مجالساتنا التي امتدّت زهاء أربعة عقود، منذ أن كنتُ العام 1984 طالبًا في معهد القدّيس بولس للفلسفة واللاهوت (جمعيّة الآباء البولُسيّين، حريصا) أتابع المحاضرات الفلسفيّة التي كان يُلقيها علينا في مسائل المِتافيزياء والأونطولوجيا (مبحث الكينونة) والأنتروبولوجيا (مبحث الإنسان).ولد بولس الخوري في قريةٍ وادعةٍ في جنوب لبنان اسمها ديردغيا (قضاء صور) أنجبت للبنان كوكبةً من أصفياء النساء والرجال الذين ما لبثوا أن ارتحلوا عنها من جرّاء الإهمال الإداريّ واحتدام الأوضاع في الحرب اللبنانيّة. نشأ في بيئةٍ مسيحيّةٍ متديّنة، إذ كان والده كاهنًا كاثوليكيًّا يخدم الرعيّة ويدرّس ويثقّف ويهذّب الناشئة في القرية وفي محيطها. اختبر في حضن أسرته الدفء العيليّ والتنوّع في الطباع والمواهب بين الأخوة والأخوات الذين نبغ منهم الأب العلّامة عادل تيودور خوري، عالم الإسلاميّات الذائع الصيت والمختصّ الشهير بمسائل الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ. في حضن الأسرة المتديّنة، اختبر بولس الخوري نداء الدعوة الكهنوتيّة، فأرسله والدُه إلى مدرسة القدّيسة حنّة الإكليريكيّة (القدس) التي كان الآباء البيض يديرونها ويشرفون فيها على تنشئة إكليروس كنيسة الروم الملكيّين الكاثوليك. فأمضى فيها ثلاث عشرة سنة (1931-1944) ينهل من المعارف الفلسفيّة واللاهوتيّة، ويتقن اللغات القديمة (اليونانيّة واللاتينيّة) والحديثة (الفرنسيّة والإيطاليّة والألمانيّة والإنغليزيّة). وكان حضور الآباء البيض الأُروبّيّين يزيّن فضاءه بأبهى المناقشات الفكريّة الرفيعة التي كان هؤلاء الكهنة يتقنون أسرارها.من بعد أن أنهى مرحلة التنشئة اللاهوتيّة والفلسفيّة، سيمَ كاهنًا في أبرشيّة صور على يد المطران مكسيموس الصائغ الذي أصبح بطريرك كنيسة الروم الكاثوليك. وانتقل إلى خدمة الرعايا والتعليم في مدارس الأبرشيّة. في هذه الأثناء، كان يتابع في بيروت برنامجَ تحصيل إجازة الفلسفة في معهد الآداب التابع لجامعة ليون (Ecole des Lettes). وما لبث أن حاز الإجازة، فانصرف إلى تدريس الفلسفة في ثانويّات بيروت، ولاسيّما في المدرسة البطريركيّة الكاثوليكيّة الشهيرة (زقاق البلاط). منذ ذلك الحين، أخذ يختبر ألوانًا جريئة من المساءلة الذاتيّة الفلسفيّة، يستفسر بواسطتها عن مسوِّغات العمارة اللاهوتيّة التي بدت له على شيءٍ من الترهّل والعتاقة. وكانت الكنيسة الكاثوليكيّة تنشط في أنحاء العالم كلّه من أجل تحديث عدّتها الفكريّة وتجديد بناءاتها اللاهوتيّة، إعدادًا لانعقاد المجمع الفاتيكانيّ الثاني.في هذه الأثناء (1954-1960)، كان بولس الخوري يتردّد إلى بعض الجامعات الأُروبّيّة، ومنها على وجه التحديد جامعة الغرِغوريانا (Gregoriana) بروما وجامعة ستراسبور وجامعة السوربون، يهيّئ الموادّ...
ادعم الصحافة المستقلة
اشترك في خدمة Premium من "النهار"
ب 6$ فقط
(هذا المقال مخصّص لمشتركي خدمة بريميوم)
إشترك الأن
هل أنت مشترك؟ تسجيل الدخول
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم