السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

لويس أبو شرف فارس الكلام

المصدر: النهار
لويس أبو شرف.
لويس أبو شرف.
A+ A-
 
"أَطْلِقْ جَنَاحَيْكَ واخْفِقْ أَيّها العَلَمُ / ما حَرَّرَتْكَ أَيادِيْهِمْ كما زَعَموا
لا الفتحُ عِندِيَ سَيْفًا  مُرْهَفًا  وَلَظىً / الفتحُ عنديَ نِعْمَ الفكرُ والقلمُ
المُصْلِحُ الحُرُّ  لا  يَرْضَوْنَ نَغْمَتَهُ /  والصادقُ الوطنيّ البِرُّ مُتَّهَمُ
مَرْحَى بكلِ أبيِّ النَفْسِ يجعلُ مِنْ /  هَوَى بِلاديَ إيمانًا وَيحترِمُ
لبنانُ  أُمةُ  آمالٍ اذا انْتَفَضَتْ /  تحيا بها رِمَمُ الأجيالِ والذِممُ"
لويس أبو شرف "لبنانيات" (دار النهار)
 
منذ فترة وجيزة، قام الأستاذ الأديب همدان حيدر بزيارتي في نقابة الأطباء، وقدّم لي كتابه عن الدكتور سليم حيدر نسيبه وابن بعلبك، شاعرها، خطيبها وممثلها في المجلس النيابي في القرن الماضي. سررت بالهدية الثمينة، وأهديته "لبنانيات" لويس أبو شرف الذي كانت تربطه علاقة طيبة بزميله الدكتور سليم. فبعث إلي الأستاذ همدان برسالة شكر جاء فيها:
"عندما أهداني البروفسور شرف أبو شرف، نقيب الأطباء في لبنان، مجلدين عن والده النائب والوزير الأستاذ لويس أبو شرف، بعنوان "لبنانيات" (دار النهار) شعرت أنّي قد تسلّمت هدية لا تقدّر بثمن، ذلك أنّ الفكر والأدب والشعر قطعٌ نادرٌ لا يحسنُ الحصول عليه إلاّ من كان ذا موهبة اكتسبها بالسليقة، وغذّاها ونمّاها بالممارسة والدرس والاجتهاد.
 
كنتُ شابًا عندما كنتُ أسمع خطب الأستاذ لويس في مجلس النواب وفي مناسبات وطنية، فأطربُ لنبرة صوته، وسحر بيانه، ووضوح مرماه. كنتُ أعلمُ أنَه شاعر، إلى أن تكرّمَ نجله الطبيب – النقيب بإهدائي "لبنانيات" والده. ففوجئتُ بأنّ المجلّد الثاني عبارة عن ديوان شعر كامل متعدّد الموضوعات. ووجدتُ في شعره كما في نثره إشراقات وومضات خلاّبة تريحُ نفس قارئها، فكيف لو سمعها بصوت كاتبها أبي شرف الرنان؟ أذكر أنّ نسيبي الدكتور سليم حيدر الشاعر والفيلسوف كان يثني ويمتدح زميله في الوزارة والنيابة الأستاذ لويس أبا شرف، معترفًا له ببلاغة خطبه وسلامة لغته وصفاء وطنيته، وصدق صداقته...
ويقيني ان هذا ما كان عليه أيضًا الدكتور سليم حيدر في البلاغة والصدق والوطنية... وهذا ما عرفناه في الخطابة في القرن العشرين. ولكني لا زلت أطرح السؤال عن سبب الانحطاط الخطابي الكبير الذي نعيشه في القرن الواحد والعشرين. وأخشى ما أخشاه أن تكون الخطابة رحلت بكل بساطة عن لبنان لصالح ظاهرات صوتية منتشية بضجيجها... قلّة قليلة جسدت بحد ذاتها الخطابة تجسيدًا جعلنا نتوق في غالب الأحيان إلى سماعها، ولا يزال إدمون رزق خير مثال حيّ على عهد الخطابة الذهبي". 
 
قبل مغادرتي لبنان إلى بلاد السويد لدراسة الطب، كنت أجدني دومًا بمعية والدي لويس أبو شرف. سألته يومًا: كيف تنجح في جمع المعلم والشاعر والخطيب والسياسي في شخصك؟ فأجاب: "اعتمادي على ربي، وثقة بالنفس مطمئنة، وتقيّد بمبادئ سليمة لا غبار عليها ولا انحراف عنها.
فالتعليم رسالتي وينسجم مع طبيعتي، والشعر والخطابة موهبة، والسياسة جوهر حياتي الوطنية الصافية القائمة على الاستقامة في الأقوال والأعمال، والسير على المبادئ والأخلاق، والعمل الذي يرضى عنه الشرف والواجب والضمير في سبيل لبنان".  وبعد ألا أحزن لغياب ذاك الذي جاد عليّ يومًا بكل شيء؟ و كان رائده خدمة الانسان ودور لبنان كقيمة حضارية انسانية. لا شك انني أفعل ولا يزال اللقاء به ممكنًا في رحاب "لبنانيته".
ما نعيشه اليوم من فساد سياسي مستشرٍ، وإقطاع ديني وسياسي ومالي، وهجرة متمادية وفقر وجوع وذل، ينبئ بأسوأ الكوارث، ما لم تجنّد كل الطاقات والكفايات والعبقريات لرفع شأن هذا البلد المنكوب والمنهوب والمسلوب الارادة. مئة عام مرّت على تأسيس دولة لبنان الكبير ولم نتمكن بعد من بناء وطن آمن ومزدهر لجميع أبنائه... 
 
وفي ختام استذكاري له، أستذكر أنه كان دومًا ينادي برفع الأيدي عن لبنان وان الارتهان مذلة وهوان، وأن لا عزة ولا كرامة لأيٍ منا خارج لبنان. وها هم زعماؤنا اليوم يجوبون الأرض غربًا وشرقًا بحثًا عن حلول خارجية لمشاكل داخلية، بدل العمل على حلّها حول طاولة حوار لبنانية، حتى لا يظلّ لبنان للإستعمار ممرًا أو مقرًا بل يعود وطنًا سيدًا حرًا مستقلاً لجميع أبنائه. "يأخذ من الشرق روحيته ومن الغرب علميته من دون أن يذوب في الأخذ أو يفنى في العطاء. فلبنان يستقل ولا ينعزل، يتصل ولا ينفصل، وله دور كبير ورسالة كبيرة، وسياسة تنبثق من صميم سيادته، وكرامته ومصلحته، من داخله لا من خارجه. وساعة نؤمن بهذا ونعمل بوحيه يصبح لبنان وطنًا عالميًا تحرص الدنيا على وجوده موطن قيم وانسانية".
لويس أبو شرف، أيها المعلم المثال، لقد عشت رسولاً للفكر والأخلاق مدَّ العمر. وعاملاً في سبيل توحيد الكلمة وجمع اللبنانيين. عزاء الرسالة بك أن صورتك باقية في أذهان عارفيك وأبنائهم بعدهم، لأنك عملت بما لك من أصالة في اللغة، وسلامة الذوق على صفاء التنشئة الأدبية والصدق والأخلاق، برًا بالذات والوطن والانسان، وسموًا بالتجرد والعقل إلى علاوات الشموخ. 
شرف أبو شرف
 
* لويس أبو شرف، معلم، نائب، رئيس لجنة التربية الوطنية لسنوات عديدة، وزير وخطيب مفوّه، إستشهد بشظية قذيفة على شرفة منزله في 15 نيسان  1989.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم