لم يبقَ من مفرّ أمام عائلات لبنانيّة في الشمال ومناطق أخرى إلّا التوجّه نحو البحر هرباً من جحيم تماسيح البرّ وقسوة أسنانهم وطول ألسنتهم من سياسيّين ومصرفيّين وتجّار، ومن دون استثناء العدد الأكبر من رجال الدين من هذه القائمة.
أسكت هول مركب طرابلس وغرقه كلّ المنابر والحملات الانتخابيّة والإعلانيّة التي يجاهد أصحابها للفوز بالأصوات التفضيليّة وحجزها، ولو على حساب اللبنانيّين وكراماتهم في سوق الانتخابات وشراء الضمائر والمقاعد في ساحة النجمة.
ما هو السرّ الذي يدفع أسرة مؤلّفة من الأب والأمّ وأطفالهما للهرب عبر زورق سياحيّ متواضع الى بلاد الله الواسعة، لكنّها ضيّقة عليهم وهم يعرفون أخطار هذه المحاولة، وحتّى لو وصلوا الى شواطئ أوروبا، يتحمّلون كلّ هذه الأهوال هرباً من كابوس لبنان. لم يصدّق كلّ من صعد الى مركب الموت هذا كلّ الوعود الانتخابيّة من أحزاب ووجوه تقليديّة، ولا من أبطال المجتمع المدنيّ. لم يقوَ هؤلاء على البقاء في بلد في ظلّ سلطة لم تكتفِ بسرقة مدّخرات مواطنيها، بل صادرت أحلام أطفالهم أيضاً. لم تجذبهم كلّ المشاريع الانتخابيّة ولا الحديث الدائر عن ضجيج تأمين الحواصل وكسورها، ما دامت هذه الأمّ التي فقدت طفلتها في البحر، وغرقت أمام عينيها غير قادرة على انتشالها. حملتها وتوجّهت بها الى البحر لأنّه أكثر دفئاً وحناناً من ثعالب السياسة والتجّار والمستوردين الذين حرموها من تأمين الحليب لصغيرتها، ولحبّة الدواء التي يتاجر بها كبار القوم وأصحاب الوكالات الحصريّة – المحميّين بفيتوات دينيّة- حيث تبيّن أنّهم يشكّلون أركان الدولة العميقة، وهم أقوى من القضاء والنوّاب وكلّ الجمهوريّة.
لم يصغِ الهاربون الى البحر الى كلّ ما سمعوه على الشاشات والمهرجانات من مرشّحين قدامى وجدد. ولم تستوقفهم مشاريعهم الفارغة والمكرّرة. ولم تشدّهم كلّ هذه الإفطارات وحفلات السحور الكاذبة في شهر الرحمة.
لا قيمة لكلّ هذه الوعود ما دام طفل في عكّار والهرمل ينام من دون عشاء، ومريض لا يستطيع تأمين حبّة دواء، وطفل محروم من شراء ثياب العيد في الفصح وعيد الفطر المقبل.
لم يعد كثيرون من الناجين أمس، يستطيعون الحصول على توفير الخبز لأولادهم، بعدما أصبحت أكثر الأطعمة لا تدخل منازل اللبنانيّين، ولاسيّما بعد القضاء على طبقة وسطى حيث يتقهقر أفرادها.
ورغم كلّ ذلك، لا تتوقّف أكثر حناجر المرشّحين عن الحديث عن بلد العنفوان والصمود، وأهله يموتون من الجوع، وعلى أبواب المستشفيات، وطلب المساعدة من الجمعيات على شكل متسوّلين.
الناجون من قارب الموت في بحر طرابلس، والضحايا الذين سقطوا، فضّلوا المركب على المشاركة في الانتخابات والتوجّه الى أقلام الاقتراع ببطون خاوية، حيث لم تعد تنفع شعارات "لبّيك ومعك وحدك وبعد الله منعبدك"، وغيرها من الموشّحات الفارغة التي يردّدها تافهون، وهم من كلّ الطوائف.
وبالإذن من الديموقراطيّة وتطبيق النسبيّة واللامركزيّة الإداريّة التي يتحدّث الأقطاب عنها من حصون مقارّهم وقلاعهم السياسيّة، مع دعواتهم الى المشاركة بكثافة في الانتخابات، يتبيّن أن لا فائدة منها إذا توجّه الناخب الى أقلام الاقتراع لقاء حفنة من الدولارات أو "كرتونة" إعاشة، أو توجّهت سيّدة الى صالون تجميل لطلاء أظافرها - مبدع صاحب هذه الفكرة، "رئيس لائحة في بيروت الثانية".
أيّ ليل أمضته تلك العائلات من لبنانيّين وسوريّين وسواهم أمس، وفلذات أكبادهم في البحر، حيث هربت من كلّ هذا الجحيم، في نيسان ظالم قبل حلول العيد. لم يصدّقوا كلّ الشعارات والحملات الإعلانيّة من تحقيق سيادة الدولة وبناء المؤسّسات. واسترجاع الودائع، وكذبة مسلسل الـ "الكابيتال كونترول"، وتحقيقات تفجير مرفأ بيروت.
ولم تشدّ الناخبين كلّ هذه المناظرات والمنصّات والإطلالات المدفوعة عن السلاح ومن معه ومن ضدّه، أو سمفونيّة إصلاح النظام السياسيّ في ظلّ قانون انتخابيّ مذهبيّ وتقسيميّ أعوج، وسط كلّ هذا الكمّ من التنازلات والارتهانات الخارجيّة. وما نفع كلّ هذه الخطابات في بلد لا تستطيع سلطته تأمين الخبز لمواطنيها الحائرين على أبواب قادة قلوبهم من حديد، حيث يتمتّعون مع ذريّتهم، هانئين مطمئنّين بفعل حصانات مذهبيّة وعشائريّة ومناطقيّة يحظون بها تحت اسم الدين وشعار حماية الطائفة والزود عنها والدفاع عن السارقين من أفرادها. أمّا الحديث عن ثرواتهم وأموالهم المهرّبة، فقد أصبحت من القصص المملّة.
بعد معاينة قافلة الموت في مركب طرابلس، لو قدّر لأكثر اللبنانيّين السفر ولو عن طريق التهريب، لتجمّعوا في مركب واحد وحصلوا على تأشيرة مذيّلة بعبارة موجّهة الى المسؤولين وكبار القوم من أهل السلطة والمعارضة: "مبروك عليكم هذا البلد وانتخاباته، وانجحوا بالتزكية".
وليكن هذا الموعد في 15 أيّار.
نبض