أكفانٌ لعنف التاريخ...

أكفانٌ لعنف التاريخ...
لا عجبَ أنَّ للكتابةِ أوقات تمجّدُ فيها الخيانة. فتقبلُ بخوفها الرّاكدِ دونَ أن تهتزَّ أمامَ أيّ شيء
Smaller Bigger
لا عجبَ أنَّ للكتابةِ أوقات تمجّدُ فيها الخيانة. فتقبلُ بخوفها الرّاكدِ دونَ أن تهتزَّ أمامَ أيّ شيء. إذْ أنَّها تشعرُ في عمقِها كم أصبحَت مهدورةً وساذجةً أمامَ كلّ ما يجري. لذا تقرّرُ أن تبرحَ عندَ زمنٍ واحدٍ لا تحيدُ عنه؛ كأنَّما انعطافها ما هو إلّا انزلاقٌ لا عودة منه بل ولا أيّ رأفة. والسّكونُ؛ رغمَ حالةِ حدادِهِ العقيمِ وتسليمِهِ بالاستسلامِ أكثرُ سوءًا منها؛ فلا يجوزُ القبولُ بِه مهما أرادَ لنفسِهِ الاستئثارَ بالخيبة. فهل منَ الممكنِ بعدَ الحروبِ الطّويلةِ أن تهادنَ النّفسُ مراسلاتِها، رغمَ اشتياقِها لبكائِها؛ ولمن "أحبَّها بفلسطينَ وَمن خلالِها"؟
قرأتُ منذُ قليلٍ، أنَّ المعيارَ الإنسانيَّ اليومَ هو القضيّةُ الفلسطينيّةُ، مؤكّدًا لي أنَّ الانسانيّةَ منتحرةٌ منذُ خمسةٍ وسبعينَ عامًا؛ وأنّ كلّ من لم ينتحرْ بعدَها شاركَ باغتصابِ أرضِها؛ جاعلًا كلَّ ما عليْها وَتحتَها لا يستحقُّ الحياة.
كلماتِي تكتبُ الآنَ منْ ثقلِ الثمالةِ، في مكانٍ يعجُّ بهم، بهتافاتِهم، وَمناصرِيهم...كلماتٌ مبعثرة، لن أعدّلَها عندما أعودُ الى الرّشدِ والعقلانية...فلا مكانَ للعقلِ في خضمّ ما يحدث. لا مكانَ للاستنكارِ حتّى أو المجابهةِ؛ فنحنُ ما عدنا نُعاملُ سوى كمقابر، أوَهلْ تمتلكُ المقابرُ حقَّ العودةِ لموتاها؟
لا أكادُ أصدّقُ أنَّ أكثرَ ما يُفزِعُ في كتبِ التّاريخِ أضحى اليومَ حقيقةً ملمّعةً يبوحون بها بالنباحِ على مسارحِ تعرّيهم. وأنَّ السّياسةَ الّتي تُعمي ببريقِ تحليلاتها الفارغةِ موشومةٌ الى الأزلِ بأسماءِ الأطفالِ الّذين لمْ يُذكروا سوى كأرقامٍ في إحصاءاتها. والغربُ المتعجرفُ الّذي يقطّرُعلى العالمِ سمَّ حرّيّاتِه ليسَ سوى قناعٍ تَسْتَتِرُ خلفَه حقوقُ من أرادَهم أقليّات. فيثبتَ أنَّ له، كما التّزمت في الصلاة، تزمّتًا أخرس في وعده لفئرانِه...
ما زالوا مستعمرين ولن يتبدلّوا؛ لكنّني أسألُ التّاريخَ وإن كانَ أشنعَ من كذب، انتَ الذي يغفلُ عمدًا عن انتصاراتنا؛ أرأيْت يومًا أمّةً تغزو العالمَ من تحتِ أنقاضِها؟
كيفَ لا، وهي لا تحوي الآنَ سوى أرواحِ أطفالٍ ذُرِفَت دِماؤُهم رمادًا فوقَ دُماهم؟ كيف لا والحقوقُ المزعومةُ لم تُخلقْ الَّا على قياسِ من قتلَهم، كما لو كانَ الفِكرُ المعادي مبرّرًا لدحضِ كلّ ما يعاديهم؟ كيفَ لا وهم لم يتركوا شيئًا للتّمسكِ به سوى بعضٍ من قطاعٍ، وبعضٍ من آلآمٍ وأطرافٍ من ذكرى؟ كيف لا وكلُّ من شهدَ على هذه المجازرِ مقسومٌ بينَ من تحطّمَ معَ غزّة ومن كانَ وقحًا حدَّ اللامبلاةِ بها؟ كيف لا، وما من شيء تغيّرَ؛ لا في البشرِ، ولا صمتِ الاله، ولا كذبِ السّاسةِ ولا مواقف العربِ...لا شيء على الاطلاق...
يتردّدُ في هذه الأوقاتِ الى ذكرايَ مشهدٌ قديمٌ، يحذّرُني فيه والدي منْ ألعابِهم العنقوديّة. مشهدٌ بين مشاهدَ يسردُ فيها على مسامعِي وحشيّةَ معتقلاتِهم وفخرَ تلك الأنفاقِ التّي أربكَت سلامَهم... كم كَثُرَت أحاديثُنا عنهم؛ وكم أخبرني آنفًا عن أياديهم الأخطبوطيّةِ المتشعّبةِ في أبسطِ تفاصيلِ الحياة، من سمائِها حتّى شاشاتِها فأبراجِها... ظننتُه يبالغُ، أو أنَّه ما زالَ عندَ الحربِ الّتي خاضَت فيه ملاحمَها فأمسى أسيرَ ملامحِها. الّا أنّه لم يخطئ في كلمةٍ قالَها يومًا عنهم، وَربّما هذا أكثرُ ما يمتازُ به، أنّه قلّما يخطئ في رؤيته للعالم. فرغم الظّلام تبقى عينه مثلجة لا تحتملُ الضّباب. وها أنا اليومَ أبصرُ بعينيْه من بعدٍ ما رآه هو عن قربٍ، فأشعر بالقشعريرةِ عينها، بالسأمِ نفسِه، وبالحذرِ العنيفِ ذاته.
فلا العالمُ أوقفَ اللّعب بالطّفولةِ منذُ زمنِهِ ولا خفّفَ العدّوُ حدّة قذائفِه. لا امتنعَت الشّظايا عن تشريدِ ثكلاها بينَ أكياسِه ولا حنظلة كبرَ ليأثرَ ولو قليلًا لأحزانه. وفتورُ المواقف يجرفُ مأساتي بعد كلّ تعتيمٍ؛ فأعود لأسألَ كيفَ لي ولأمثالي من الّذين لا يعرفون تلك الأرض ولم يطؤها أن تستمّرَ حياتُهم بالسّيرِعلى رتابتِها المعتادةِ بينَ مشاكلِها الطفيفةِ وأشباهِ أحزانِها؟ ما الذي يعنيه ألّا يكونَ في المجرّةِ بأسرِها ملجأٌ لشعبٍ شاءَ العبثُ أن يوصمَه باللّونِ الخاطئ والدّين الخاطئ والحظّ الخاطئ ؟ و كيفَ للأمّة التي تعاديه أنْ تسعفَ محارقَ انتقامِها من نفسِ الفواجع؟ كيف لها أن تستقيَ ضحكاتِها من أشلاءِ أكفانِه؟
أولئك الّذين اجتاحوا ما يخجلُ مخطّطاتهم؛ ألم يعيشوا ماضيَهم بالتّهجيرِ والتّدميرِ أيضًا عرضةً للعنةِ الثّامن؟ كيفَ لهم أن يطوفوا عكسَ أنّاتِ ماضيهم اذًا؟ ذاك الّذي شرّد سابقًا في بقاعِ الأرضِ وَلمْ يتركْ لما بعدَ استيطانِه املًا سوى للطوفان؟ لمَ الانتصارُ الوحيدُ للغتِنا جاءَ بدمجِها المحتَلَّ والمحتَلَّ في لفظٍ واحدٍ يلعبُ أدوارَه تباعًا...حسب عبثيّةِ ذلك التّاريخِ المراوغ؟ منْ أينَ أتوا بكلّ تلكَ الوقاحةِ بينَ أقنعتِهم السّاقطة؟
كم قيلَ عن السّاكتِ عن حقٍ أنّه شيطانٌ أخرس. ولكن في ما بعد جهنَّم الّتي نسكنُها؛ الشّياطين لا تقطنُ فقط حناجرَ الصامتين عن الحقّ بل وتحتلُّ أيضًا بعدَ الارضِ؛ المنابر؛ فَيُقْفِلَ خلفَها الخائنُون؛ كلّ أملٍ والمعابر..
والأقنعةُ سقطَت منذُ زمنٍ فما الٌذي تبقّى؟ غيرُ من مات ولن يعود، قصيدة عن أرض، قضيّةٌ منتصرةٌ والخناحر...
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/7/2026 7:21:00 PM
المتحدث باسم الداخلية السورية كشف عن الوصول لطرف خيط يدل على منفذي التفجيرات.
لبنان 7/8/2026 2:50:00 AM
عملت فرق الإسعاف على نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة...
النهار تتحقق 7/7/2026 3:52:00 PM
حمل رجال مجسماً كبيراً للأمين العام لحزب الله، يتقدمهم عسكري، على وقع موسيقى حزينة.
النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.