الحصانة النيابيّة في لبنان: حصانة أم غطاء؟
Smaller Bigger
إيمان درنيقة الكمالي - أستاذة جامعيّة
 
من المعروف أنّ المجالس النيابيّة تقوم بمهام جسيمة، فهي الّتي تسنّ القوانين الّتي تحدّد معالم السّياسات الحكوميّة، وهي الّتي تراقب سياسات الحكومة الدّاخليّة والخارجيّة. ولهذا منح الدّستور اللّبناني امتياز الحصانة البرلمانيّة لأعضاء مجلس النّواب، بصفاتهم لا بأشخاصهم، وجعل  هذه الحصانة ضمانة أساسيّة لحسن سير عمل البرلمان، وصمّام الأمان السّياسي الحقيقي لمنع عرقلة أعضاء البرلمان في ممارسة مهامهم التّشريعيّة والرّقابيّة على أكمل وجه. 
 
 فما هي الحصانة النيابيّة؟ وكيف تُفتح ملفّات النّواب في لبنان؟ ومتى يرفع الغطاء عنهم ولماذا؟ وهل تحوّلت الحصانة إلى نظام انعدام مسؤوليّة أو إفلات من العقاب ، ما يتناقض مع فكرة العدالة؟
 
الحصانة النيابيّة هي نوع من الحماية القانونيّة الّتي يُعطيها الدّستور لنوّاب الشّعب في البرلمان حتّى يستطيع النّائب أن يؤدّي وظيفته الدّستوريّة كسلطة تشريعيّة بعيداً من تأثير السلطة التّنفيذيّة على أعضاء البرلمان.
 
وقد تبدو هذه الحصانة للوهلة الأولى متعارضة مع مبدأ المساواة أمام القانون. ولكن سرعان ما يتّضح أنّ الهدف منها هو حماية الأمة من خلال حماية ممثلها (النائب) في ممارسة مهامه التي كفلها له الدستور. 
 
والحصانة البرلمانية على نوعين: الحصانة الشّاملة والحرمة الشّخصيّة.
 
تقوم الحصانة الشاملة أو اللّامسؤولية السّياسية على إعفاء البرلماني من أيّ مسؤوليّة قضائيّة قد تترتب على الآراء والمواقف التي يعبّر عنها، كتابياً أو شفهياً، خلال مدّة ولايته النيابية، وسواء أكان في داخل البرلمان أم خارجه. والهدف من ذلك هو حمايته من التهديد والضغوط؛ الأمر الذي يُمكّنه من ممارسة مهامه بحريّة واستقلاليّة. فسنداً إلى المادة 39 من الدستور اللبناني «لا تجوز إقامة دعوى جزائية على أيّ عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يُبديها مدّة نيابته». وهذه الحصانة هي شاملة ودائمة طوال ولاية النائب التمثيلية، حتّى أنّها تبقى سارية المفعول بعد زوال صفة النّيابة عنه، فلا يجوز التقدّم ضدّ أيّ نائب سابق بدعوى جزائية عن الآراء والتصريحات التي سبق أن عبّر عنها عندما كان عضواً في المجلس.

 أمّا إذا ارتكب صاحب الحصانة جريمة أو جنحة تتعلّق بالحق العام فإن العدالة تسري عليه، ولكن وفق ضوابط معيّنة. فقد  نصّت المادة 40 من الدستور على أنه «لا يجوز في أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية بحق أيّ عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبّس بالجريمة». هذه هي الحصانة الإجرائيّة أو «الحرمة الشخصيّة»، وهي  نسبية ومؤقّتة وقاصرة، إذ إنّها تمنع ملاحقة النائب جزائياً أثناء دور انعقاد مجلس النواب إذا اقترف جرماً جزائياً إلا في حالة التلبّس.  كذلك نصّت المادة 90 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه «لا تجوز خلال دورات انعقاد المجلس، ملاحقة النائب جزائياً أو اتخاذ إجراءات جزائية بحقه أو إلقاء القبض عليه أو توقيفه إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبّس بالجريمة، أي الجرم المشهود». وهذا يعني أنّه لا يمكن تحريك الدعوى العامة ضد النائب في هذه الجرائم أثناء دورات انعقاد المجلس إلا بعد الحصول على إذن مجلس النواب باستثناء حالة الجرم المشهود؛ أما إذا لوحق النائب خارج دورة الانعقاد أو قبل انتخابه نائباً فتستمر الملاحقة في دورات الانعقاد اللاحقة  وذلك *دون حاجة إلى طلب إذن المجلس* ولكن على وزير العدل أن يحيط المجلس علماً بالأمر في أوّل جلسة يعقدها، ويكون للمجلس الحق بأن يقرّر عند الاقتضاء، بناءً على تقرير الهيئة المشتركة المشار إليها في المادة 100، وقف الملاحقة بحق النائب وإخلاء سبيله مؤقتاً أثناء الدورة إذا كان موقوفاً، وذلك إلى ما بعد دور الانعقاد؛ وذلك سنداً للمادة ٩٧ من النظام الداخلي لمجلس النواب.
 
والأساس من الحصانة البرلمانية هو تحقيق المصلحة العامة، إذ نصت المادة 89 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أن «مبدأ الحصانة النيابية متعلّق بالانتظام العام».  فلا يستطيع النائب أن يتنازل عن حصانته لأنها ليست ضمانة أو تأميناً لحقوقه الشخصية، بل حماية للمصلحة العامة التي يمثّلها النائب بصفته وكيلاً عن الإرادة الشعبية.
 
 إلّا أنّنا لا يمكن أن نغفل أنّ العديد من النّوّاب  قد استخدموها كستار  أو غطاء لارتكاب الجرائم، وكورقة  لتخطّي الأصول واعتبار أنفسهم فوق القانون والأخلاق.
 وفي لبنان سوابق كثيرة في طلب رفع الحصانة النيابية، بعضها ذو دوافع سياسية، وبعضها لأسباب قضائيّة. ولكن لم يتمّ رفع الحصانة إلّا ثلاث مرّات، أوّلها كانت مع النائب رفعت قزعون في العام 1952 بتهمة قتل صحافي، والثانية مع النائب يحيى شمص في العام 1994 عندما عمد مجلس النّواب إلى رفع الحصانة عنه بتهمة تهريب المخدرات، وآخرها مع النائب حبيب حكيم في العام 1999 بتهمة الضلوع في ملف محرقة برج حمود وإهدار المال العام. ولكنّ النّائب حكيم عاد وتقدّم بمذكّرة مفادها أنّ تقرير التّفتيش المركزي ينطوي على مغالطات ووقائع غير صحيحة، وأنّ الأفعال الجرميّة المنسوبة إليه إذا حصلت، قد سقطت بمرور الزّمن؛ الأمر الّذي يلغي وجوب طلب الملاحقة.
 
وفي كلّ الأحوال، فإنّ إساءة استخدام الحصانة النيابيّة من  قبل نواب البرلمان من جهة، وصعوبة تأمين الثلثين كما نصّ القانون من جهة ثانية، قد جعلت من نوّاب فاسدين انتُخِبوا من قبل الشّعب يستغلّون هذا الامتياز لتحقيق المصلحة الشّخصيّة على أنقاض مصلحة الوطن.
 
ومقارنة بالحصانات المعتمدة في فرنسا، فقد تمّ تعديل الدستور الفرنسي في العام ١٩٩٥، ولم يعد من الضروريّ طلب إذن البرلمان لإطلاق الملاحقة ضدّ نائب ما، وباتت صلاحيّة تقدير الأفعال تعود حصرياً إلى القضاء. وهذا النظام يوفّق بشكل أفضل بين إعطاء ممثلي الأمّة إمكانيّة ممارسة مهمتهم ومنع تحويل ذلك إلى سبيل للتهرّب من العدالة. كما أنّ النظام الفرنسي تطوّر ليفسح المجال أمام ملاحقات أكثر فاعليّة، حتى أن رئيسي جمهوريّة فرنسا (جاك شيراك ونقولا سركوزي) كانا موضع ملاحقات جزائيّة بعد انتهاء ولايتهما، بسبب أفعال ارتكباها قبل بدء الولاية، وأدّت إلى إدانتهما، بمعنى ألا أحد في فرنسا، ولا حتى رئيس الجمهوريّة، معفيّ من المسؤوليّة الجزائيّة عن أفعاله.
 
أما في لبنان، فما زال موضوع الحماية البرلمانية يطرح العديد من الإشكاليّات، ويُثير الكثير  من التساؤلات، ما دفع العديد إلى المطالبة بإعادة النظر  بهذه الحصانة، التي هي أشبه بغطاء أو تحصين للنائب للإفلات من العدالة. 
 
وأبعد من كلّ ذلك، يبقى الأساس أن يحصّن المواطنون أنفسهم قبل التّعبير عن خياراتهم النّيابيّة.
 

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
السجال الذي أعقب المكالمة أعاد طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجبهة اللبنانية، وبالعلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبحدود استقلالية القرار الإسرائيلي.
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.