كرة القدم من أقدام الفقراء إلى أحضان رأس المال

منبر 21-11-2022 | 12:40

كرة القدم من أقدام الفقراء إلى أحضان رأس المال

كرة القدم من أقدام الفقراء إلى أحضان رأس المال
كانت ولا تزال كرة القدم لعبة ابتدعها الفقراء
Smaller Bigger
كانت ولا تزال كرة القدم لعبة ابتدعها الفقراء، واختاروا لها رسالة الأخوة والصداقة وروح الفريق، فتحولت في غفلة منهم إلى محدّد رئيسي لمستقبل أممهم، فيه يتداخل السياسي مع الثقافي، ويحمل في طياته الكثير من الرسائل الاجتماعية.
على بعد أيام قليلة من الحدث الأهمّ في العالم، وهو كأس العالم، يتحلّق ملايين البشر في الساحات والميادين والمقاهي والمطاعم والحانات حول شاشات تتفاوت أحجامها لكن لا تختلف الصور المنقولة عبرها، لتنقل ملاحم في ظاهرها هي مجرّد لعبة، لكنها في الحقيقة تخفي صراعات وتجاذبات أكبر من الرياضة نفسها، وتعكس في ما تعكس حاجة الإنسانية إلى ما يجمعها ويعمّدها بالسلام والتآخي.
خلال هذه الأيام، وبعد عودة لولا دا سيلفا إلى رئاسة البرازيل، عاد إلى أذهان الجماهير صورة رفيقه "سقراط"، ذلك اللاعب العبقري لمنتخب البرازيل، الطبيب الذي كان يحمل رسالة شعبه وجعل من سحر اللعبة وسيلة للوصول إلى قلوب الملايين والتعبير عمّا يخالج صدورهم.
سقراط كان إلى حد ما يعكس صورة الشعب البرازيلي في ملامحه، وفي طموحه، فتحول في غفلة من الإمبريالية العالمية، التي أفسدت كل شيء، إلى رمز من رموز الحرية والانعتاق وتعبير عن أمل شعبه في العدالة الاجتماعية وسحق التفاوت الطبقي والثورة على حكم العسكر بوساطة الانتخابات الديمقراطية، التي استجاب لها الشعب بعد دعوته لها وتهديده بمغادرة البلد، فكانت كرة القدم وشعبية سقراط وسيلة لتمهيد الطريق لحكم المدنيين والديمقراطية في البرازيل.
في الجانب الآخر من العالم، وتحديداً في أفريقيا، استطاع جورج وياه أن يعتلي سدّة الحكم في ليبيريا عبر بوابة كرة القدم، واختار لنفسه نفس رقم قميصه الرياضي خلال حملته الانتخابية ليُصبح نجاحه الكرويّ في قيادة منتخب بلاده نجاحاً سياسياً مهماً، استطاع أن يغيّر ولو القليل من حياة مواطنيه بعد سنوات من الحرب الأهلية ولعنة الأوبئة التي ما زالت تنخر بلده كالإيبولا.
زين الدين زيدان أيضاً كان لسنوات طويلة شخصيّة مؤثرة، وكان لعدة سنوات سفيراً للعرب والمغاربة في اللعبة العالمية عنوةً عن إنتمائه "الرسمي" إلى بلد بديل عن بلده الأصليّ الجزائر، فلم يستطع رغم كلّ ذلك أن لا يكون عربياً أو مغاربياً في نظر العرب والمغاربة والمشارقة، بالرغم من كل المحاولات لطمس ذلك، ولم يخفِ قميصه الأزرق لمنتخب الدِيَكة ملامحه العربية التي لا تمحى بالتجنيس، ولا بالإقامة، ولا حتى بتغيير الاسم بنطق إفرنجي بحت، وتحوّلت قصة نجاحه إلى قصّة ملهمة للعرب والأفارقة والأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين، وساهم حضوره في الساحة بتحطيم سرديات اليمين المتطرف في فرنسا حول المهاجرين.
كلّ هؤلاء الرموز أدّوا رسالة كرة القدم كما يجب، وعبّروا عن انتمائهم بطريقة التنوع العرقي والإثني، وأحسّت الإنسانية بتنوّعها الطبيعيّ في كلّ الدورات التي أقيمت، بالرغم من أنها لا تكاد تخلو من التجاذبات والتوترات على خلفية المواقف السياسية.
في الجانب الآخر، يتوجّب أن تعود كرة القدم إلى روادها الحقيقيين من فقراء ومهمّشين، من الذين صاروا غير قادرين على ممارسة اللعبة بسبب تحوّلها إلى ممارسة بورجوازية تستوجب إمكانيات مادية ضخمة، خاصة بعد أن انتظمت الفرق العديد على شكل "شركات"، وأصبح رأس المال يحجب الموهبة والشغف، وصار الفريق مجرد "سوق"، وصار الحق في مشاهدة المباريات أيضاً حقاً نخبوياً يستوجب دفع المال لمجرد الولوج.
هذه التحولات العميقة التي أسقطها الاقتصاد الرأسمالي على لعبة الفقراء جعلها تحيد عن رسائلها الأصلية، وأصبحت تكريساً مقيتاً لسلطة رأس المال على أحلام الشعوب، وصار من غير الممكن أن تنتصر الإرادة والموهبة وروح الفريق على معسكرات التدريب العلمية والانضباط التكتيكي لكبرى مدارس التدريب.
في المقابل، أصبح ضرورياً اليوم أن تعود كرة القدم إلى أصحابها الحقيقيين، وأن تتحقق العدالة في ممارسة اللعبة والمشاهدة، وأن تحسّ الأمم والشعوب بالمساواة أمام قانون اللعبة، وأن لا تتحول إلى لعبة موازية تلعب داخل مكاتب الحكومات والهيئات وتحولها للسيطرة على الدول والشعوب، وأن تحمل كرة القدم رسائلها الحقيقية وتعود إلى مهدها الأول بعيداً عن سطوة المال الذي أفسد كلّ شيء.




العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.