سهرة مع الأصدقاء...
Smaller Bigger
أمضيتُ أمس سهرة مليئة بالصخب برفقة أصدقاء كنت أمرّ على كل واحد منهم لأحييهم وأسأل عن أخبارهم... فهناك من يتكاسل في الرّد ويُظهر استياءً من الوضع في الغربة، وهناك من يسرد كلّ ما مرّ معه بدقة وبالتفاصيل، وهناك من يتكلّم عن الآخرين وكأنه أعلى مستوى... وكنت أتنقّل بينهم وأسمع شكواهم وأحاديثهم، التي تتراوح بين سرد أو نكتة أو قصّة أو شعر أو حدث سياسي أو ظاهرة علمية أو نقاش ديني.... وكنت أتفاعل مع الحدث وفقاً لحالتي النفسية في هذا اليوم، ووفق إمكانياتي الثقافية، ووفقاً للموضوع المطروح وأهمّيته بالنسبة لي... كنت أُعَلّق على هذا أو ذاك وأحيانا أمرّ مرور الكرام على واقعة ما...
مرّت ساعات كثيرة على هذه الحال، وعندما تعبت من كوني مسلوبة، وكأنني مسحورة ومسجونة في عالم من الضجيج الصامت، تلفّتّ حولي، فوجدت نفسي وحيدة بين أربعة جدران والليل قد أسدل ستائره... شاشة الكمبيوتر وحدها تُعطي ضوءاً في الصالة ساعدتني على أن أتلمّس طريقي إلى حيث زر الكهرباء لإنارة الغرفة.
أحسست وكأنني عدت من عالمٍ آخر... أين كلّ هؤلاء الذين كانوا يسامرونني منذ لحظات؟ أين الصّخب؟... نظرت إلى شاشة الكمبيوتر لأرى الكلمات كلّها موجودة، كلمات وصور أشخاص فقط، ومعظمهم لم ألتقِ بهم في حياتي؛ صور أشخاص هم أصدقائي على الشَّاشة، كتاباتهم تتساقط لتقرأها عيناي فيصبحون أصدقاء، حتى أنني لا أعرف أصواتهم لكي ألتفت إذا ما صادفت مرة والتقيتهم...
زماناً، كنّا نلتفت حين سماعنا صوت صديق أو صديقة، نعرفهم من الصوت... أمّا في حالتنا هذه، كيف سنعرفهم؟
الكلمات تتشابه وليس لها صدى إلّا بطريقة كتابتها وجمعها مع كلمات أخرى ممّا يضيف إليها صورة أو صيغة ممكن أن تعطينا فكرة تقريبية عن شخص ما... وحسب حذاقته، توصّلنا لأن نأخذ عنه هذه الفكرة ونتوصل لإعطائه صورة هو انتقاها... وهناك من ليس لهم حذاقة الكلام وشطارة التعبير والتحليل فنعطيهم صفة السذاجة...
كل هذا يُعَبّر عن صورة المجتمع ولكن بالاعتماد على ما يُقَدِّمُهُ لنا مَن هم وراء الشاشة...
ضحكت ثمّ بكيت على وضع أصبحنا فيه نتسامر مع الشاشة، ونتفاعل بحماس مع كلمات وصور تتلقَّفهم الشاشة، وتقَدِّمهم لنا كأصدقاء نقبلهم... حتّى أننا في بعض الأحيان نحن من يُعطيهم الصورة أو نصبغهم بالصّفة، التي تروق لنا، والتي نحن بحاجة إليها، فيأتي كلامنا معهم بهذا الاتجاه لنطبعهم كما نريد، ولنضعهم بقالب لا نسمح لهم بأن يتخطوا حدوده؛ وهم بدورهم يتبنون هذا اللون بالتعاطي معنا ليحتفظوا بصداقتنا... فيكون التأثير والتأثر مختلف بطريقة تعبيرهم معنا عمّا هم مع غيرنا... والعكس صحيح...
هنا فهمت جيداً ما تعنيه كلمة علاقات افتراضية:
"افتراضي"(virtuel).
فعلاً، علاقاتنا أصبحت افتراضية لا تمتّ إلى الواقع بصلة... نفترض في علاقاتنا ونسيّرُها كما نريد... اللقاء المباشر فيها غائب تماماً... الكلام في العلاقة الافتراضية لا يمكن أن يعبِّر تماماً عمّا نريد قوله، ولا يتحلّى بهيبة اللقاء المباشر... نحاول أن نرسم بالكلام ما نريد التعبير عنه فلا تأتي هذه الكلمات بالمقصود، وخاصة لمن لا يملك جودة الكلام...
ليس هناك أجمل من اللقاء المباشر الذي يُعبِّر بالنظر والصوت ما يعجز عن تعبيره أجمل الكلام، ويعطي قيمة واقعية لكل شخص ويقلب المعادلات أو يُثبّتها...
العلاقات الافتراضية اجتاحت حياتنا الواقعية، وأصبحنا مدمنين عليها، مُفضلين هذه الوحدة الصاخبة وقصة العشق بيننا وبين شاشة تنقل لنا كلام أشخاص تفصل بيننا وبينهم مسافات طويلة، وإمكانية لقائهم ضئيلة، ومتناسين من هم حولنا.
في النهاية، هو نوع من الاحتلال الفكري، الهدف منه إغراقنا في الخيال والتعلّق بالوهم لتكسير العلاقات الاجتماعية والعائلية بهدف السيطرة على الشعوب ليُصبحوا شعوب مخدّرة، لا يعنيهم الواقع بشيء، شعوب مخدّرة بعلاقات لا قيمة لها... والأخطر من ذلك بأننا نعي ذلك، ولكن الإدمان أخذ مأخذه منّا، فترانا نعود باستمرار إلى الشاشة لنعبّر عن حدث ما، فرح أو امتعاض من وضع... بشكل افتراضي بدل أن نلجأ إلى حلّ واقعيّ مع أشخاص قريبين وإيجاد البديل... أصبحنا نخاف من الآخر ومواجهته، لذلك فإن اللجوء إلى الشاشة أصبح أسهل للتعبير والاسترسال بالطريقة التي نريدها، وباللغة التي نريدها، وفي أيّ وقت نريد... أصبحنا شعوب يليق بها وصف "شعوب جبانة ثرثارة"، تبكي الكرامة، وتدّعي حبّها لأولادها، بينما لا تقوم بأيّ مجهود لتتفادى ما يُصيبها، وتكتفي بالاعتراض بالكلام الافتراضيّ، وتستغرب الحلول الافتراضية من مسؤولين افتراضيين...!
حتى في كلامي هذا ووضعه على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي لا يمتّ إلى التواصل الاجتماعي بصلة، بل هو تواصل افتراضي فرديّ أنانيّ مُتعجرف، لا يصلح إلا لتحقيق رغبة فردية لإنسانة مرّت على فكرها أن تكتب ما أحسّت به في ليلة ما... تواصل بالرغم من ذلك كتاباتها الافتراضية وإدمانها بالرجوع إلى الشاشة لتعبّر اليوم عن امتعاض ما يُمكن أن يكون مريحاً لغيرها.. وملاذاً لكثيرين لا يمكنهم التعبير عمّا يختلجهم في الواقع...
إنه محاولة أنانية للدفاع عن النفس، ولعدم التشبّه بالآخرين، عبر التهجّم عليهم، والقول بأنّها فهمت اللعبة من دون أن تقوم بأيّ مجهود للخروج منها، والبرهان أنّني سأنزل ما كتبته اليوم على صفحتي الخاصّة افتراضياً، غير الخاصّة بالواقع... وسأعود من وقت لآخر لأرى مدى تفاعل الآخرين مع ما كتبته ومدى تأثيره فيهم...
الافتراضي أصبح واقعاً مقبولاً والواقع في حيرة...



العلامات الدالة

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 5:00:00 AM
محاولات متواصلة للتقدّم إلى مجرى الليطاني، إضافة إلى قطع طريق الساحل ومحاصرة بنت جبيل 
لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"