بيتُ القَصيد

بيتُ القَصيد
يكادُ اللّبنانيّون يضيعون بينَ الآراء والتّصريحات والبيانات والمواقف
Smaller Bigger
يكادُ اللّبنانيّون يضيعون بينَ الآراء والتّصريحات والبيانات والمواقف، وهم بين قراءةٍ كاملة وقراءةٍ مجتزأة للواقع وللتاريخ وللرؤية المستقبليّة يحتارون، يتيهون وينقسمون. حبّذا لو انّ كلّ قراءةٍ تأخذُ في عَينِ الاعتبار التاريخ الأصيل المتجذّر، تاريخاً يعود إلى ما قبل قبل ٤٠ سنة، تاريخاً عمره ١٠٠ سنة و١٢٠ سنة و١٦٠٠ سنة على الأقلّ. حبّذا لو انّ كلَّ قراءةٍ تأخذُ في عينِ الاعتبارِ أيضاً رؤيةً للمستقبلِ الذي نطمحُ أن يكون مزدهراً ينعمُ فيهِ جميعُ أبنائه بالأمْنِ والأمان والحريّة والكرامة بظلِّ دولةٍ تبسطُ سلطَتَها على حدودِها وعلى كاملِ الـ ١٠٤٥٢كم٢ .
يحتاجُ كلُّ مواطنٍ أن يفكّرَ ويسألَ ويغوصَ إلى العمقِ ليتمكّنَ مِنَ التمييزِ بينَ ما يفيدُ وما لا ينفعُ لقيامِ دولةٍ قادرةٍ وصاحبة قرارٍ حازمٍ وحاسِمٍ وفاعِل، دولة لا بديل عنها ولا تتركُ مجالاً لأيِّ بديل.
وفيما ينقسمُ اللبنانيون بين مؤيّدٍ ومعارضٍ لهذا الموقفِ أوذاك، لهذا الشخصِ أو ذاك، أو لهذا الموقعِ أو ذاك، أجدُ صُلْبَ المشكلةِ وعُمقَ الأزمةِ في مكانٍ آخَر. وأعتقدُ أنّ المشاكلَ ستظلُّ تتفاقَم إلى ما بعد بعد أزمةِ الرّغيف وإلى ما بعد بعد أزمةِ الكرامة، وستتعمّقُ الهوّةُ بينَ أبناءِ الوطنِ ما دامَ الانقسامُ سائداً والولاءُ لغيرِ الوطنِ - الدولة.
من كلِّ ما قيل وكُتِبَ ونُشِر، أودُّ اليومَ أن أذكرَ جملتَين فقط لشخصيّتين لبنانيّتين بارزتَين لهما وَزنُهما وقيمتُهما. إنّهما جملتان، لم يتوقّف عندهما الإعلام كثيراً، ولكنّي أعتبرُ أنّهما توضحان الكثير.
أبدأُ بجملةٍ قالها السيّد حسن نصرالله من ضمن أمور كثيرة تطرّأ لها، في مقابلة أجراها في "حوار الأربعين" في ٢٥ تمّوز ٢٠٢٢:
…"إن الدّولةَ اللّبنانيّةَ عاجزةٌ عن اتّخاذِ القرارِ المُناسِب الذي يحمي لبنانَ وثرواتِه ولذلك فإنَّ المقاومةَ مضطرّةٌ إلى اتّخاذِ القرار".
- مقابل العجز، اضطرار. - مقابل اللاقرار، قرار. - فهل مقابل "اللا دولة"... دولة؟ وهل من بديل للدولة؟
وهنا، مع كلِّ لبنانيٍّ أسأل:
متى ولماذا أصبحنا في دولةِ اللا قرار؟ متى ولماذا صارَتِ الدولةُ عاجزةً عن حمايةِ لبنانَ وثرواتِه؟
كيف آلَتِ الأمورُ إلى ما آلَتْ إليه كي نحتاجَ إلى مَن "يُضطرّ" أن يكونَ بديلاً؟ مَن عرقلَ عملَ المؤسّساتِ المؤتمَنةِ على خدمةِ الخيرِ العام؟
مَن طوَّقَ كلَّ إمكانيّةِ بُنيانٍ وهَدَمَ كلَّ جسرِ تَلاقٍ وحوار وقطعَ الطريقَ أمامَ احترامِ التنوّعِ والتعدّديّةِ والرأي الآخر؟
من تركَ السّوسَ ينخرُ وزرعَ الشّكَّ وغسلَ الأدمِغَة؟ مَن عمِلَ جاهداً لاستئصالِ القيَمِ الوطنيّة مِن بعضِ النّفوس فنبتَت مكانَها أورامٌ بعضُها خبيثٌ ومُميت؟
مَنِ استفادَ مِن أحقادٍ وخلافاتٍ ومِن أحلامٍ ماديّة أو سلطويّة تسهيلاً للسيطرةِ والتحكّمِ والانقضاضِ على الجمهوريّة لتصبحَ اليومَ بفعلِ فاعلٍ جمهوريّةً عاجزة؟
مَن سمحَ بتضخيمِ قوّةِ الأقوياء ومَن استعملَ فائضَ القوّةِ ليفرضَ ما يريد ويُعرقِلَ ما يريد ويُضعِفَ ما يريد فينقذَ ما يريد ومتى يريد وكيفَما يريد؟
والجملةُ الثانية لِغبطةِ البطريرك مار بشارة بطرس الرّاعي قالَها في الدّيمان، في عِظَةِ الأحد ١٧ تمّوز ٢٠٢٢:
"لا يُحكَمُ لبنان استناداً إلى موازينِ القوى بل استناداً إلى الدّستورِ والقوانين والشّراكة لِكَي تبقى الشّرعيّةُ المرجعيّة والملاذ ومصدر القراراتِ الوطنيّة".
-موازينُ القوى لا تَحكُمُ لبنان. – الدّستورُ والقوانينُ والشراكةُ تَحكُمُ لبنان - الشّرعيّةُ هيَ المرجعيّةُ والمَلاذ. – الشرعيّةُ هيَ مصدرُ القراراتِ الوطنيّة.
فَهَل مِن دولةٍ بلا دستورٍ وقوانين وشرعيّة تكونُ هيَ المرجعيةُ ومصدرُ القرارِ الوطنيّ؟
وهنا أيضاً، معَ كلِّ لبنانيٍّ، أسأل:
ما الذي يحصلُ إنْ حكمَتْ موازينُ القوى؟ وهل تُبنى دولةٌ بالخضوعِ لموازين قوى تفرضُ واقعاً وحُكماً واستراتيجيّاتٍ وقرارات؟
هل القبولُ بسُلطةِ الأمرِ الواقعِ وفاءٌ أم خيانةٌ للدّولة؟ هل يُبنى بلدٌ وتقومُ دولةٌ مع ازدواجيّةِ السُّلطةِ وازدواجيّةِ مرجعيّةِ القرار؟
هل تكونُ السيادةُ محترمةً بالتنازُلِ عنِ المرجعيّةِ الشّرعيّةِ وشرعيّةِ المرجعيّة؟
كيفَ تضمنُ أيُّ دولةٍ حقوقَ أبنائها وكيف تحكُمُ بالعدلِ إنْ لَم تُطَبِّقِ القوانين إلّا جزئيّاً واستنسابيّاً ومناطقيّاً أو تحتَ تأثير القوى الوازِنة أو تحت وطأةِ التأثيراتِ السياسيّة التي هي أيضاً قد تخضعُ لموازينِ القوى؟ كيف تُبنى دولةٌ لا يؤمِنُ جميعُ أبنائها، فعليّاً لا نظريّاً، بالشّراكةِ الوطنيّةِ على أساسِ الاحترامِ المتبادَل والتعدُّديّة التي تُغني ولا غِنى عنها؟
جُملتانِ فَقَط ولكنَّهما تُعبِّران عن موقفَين ورؤيتَين. وبرأيي هنا بيتُ القصيد.
- رؤيةٌ تقولُ وتعملُ على أساس ألّا بديل عنِ الدولةِ وعنِ المرجعيّةِ الشرعيّةِ في القراراتِ الوطنيّة.
- ورؤيةٌ تُحلِّلُ اتّخاذَ القراراتِ الوطنيّة، مُضطرّةً، بدلاً عنِ الدولةِ اللبنانيّةِ التي تعتبرُها عاجزةً وغيرَ قادِرَة.
وإذا أعَدنا النَّظرَ في كُلِّ ما يمرّ ُبهِ البلدُ وفي كُلِّ ما يُعانيهِ الشّعب، نجدُ الانقسامَ مُتَمحوِراً حولَ هاتَينِ الرؤيتَين:
دولةٌ أو لا دولة أو دولةٌ بديلة، شرعيةٌ أو لا شرعيّة أو شرعيّةٌ بديلة.
نقفُ مع الدّولةِ وندعمُها كي تبقى هي الشّرعية ومصدر القرار أو ننتظرُ عجزَ الدولةِ فنأخذ مكانَها.
هنا صُلْبُ المشكِلة وهذا يؤدّي إلى تَفاقُمِ الأزماتِ وإلى غيابِ إمكانيّةِ العملِ الجدّيِّ معاً لإيجادِ الحلول.
فكيفَ نعملُ معاً والانقسامُ حادٌّ بينَ رؤيتين للوطن-الدولة؟ كيفَ نعملُ معاً لنحلَّ قضايا الوطنِ ونحنُ غيرُ متّفقين على الوطن؟ كيفَ نعملُ معاً لنبنيَ الدّولة ونحنُ مختلفونَ على أُسُس ومُقوِّمات بناءِ الدّولة وعلى مفهومِ الدّولة؟
فيا أيّها اللبنانيّون، أيقظوا فيكم روح المواطَنة الأصيلة، اختاروا اليومَ أيَّ لبنان تريدون وتجرّأوا أن يكونَ خيارُكم معَ الشّرعيّةِ ومع الدّولةِ القويّةِ القادِرَة، المُحرَّرَة والفاعِلَة.
وفي انتظارِ معطياتٍ جديدة وقادة جدد يجمعونَ ولا يُفرِّقون، يتعاوَنون ولا يُخوِّنون، يَبنونَ ولا يَهدِمون، ولاؤهم للبنان وللدولة أوّلاً وأخيراً وعملُهُم خدمة للخيرِ العام، وفي انتظارِ شعبٍ واعٍ لا يُصدّقُ كلَّ شيء ولا يرضى بكلِّ شيء، يُحسِنُ الانتفاض والمعارضة كما يُحسِنُ المطالبةَ والمحاسَبة، يبقى بيتُ القصيد ألّا حلَّ لِبناءِ الوطنِ إلّا باعتمادِ رؤيةٍ وطنيةٍ صرف ولغةٍ وطنيّةٍ جامعة، ولا حَلّ لبناءِ دولةٍ قويّة، قادِرة وفاعِلة إلّا باحترامِ الدستور والقوانين وتحريرِ الشرعيّةِ والفكرِ وعودةِ الرّوحِ الوطنيّةِ إلى أَصالَتِها اللّبنانيّة.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

الخليج العربي 3/14/2026 3:10:00 PM
قرقاش: في الإمارات نثبت كل يوم أن صلابتنا أقوى من حقد المعتدي
المشرق-العربي 3/14/2026 7:08:00 AM
السفارة الأميركية تقع في المنطقة الخضراء في بغداد وتضم بعثات دبلوماسية ومؤسسات دولية وهيئات حكومية.
المشرق-العربي 3/14/2026 2:30:00 PM
انضمّت سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش".