أسير في شوارع باريس، وتمامًا مثل ذلك الشاعر القديم، "يُبكى في قلبي بقدر ما يمطر على المدينة"
أسير في شوارع باريس، وتمامًا مثل ذلك الشاعر القديم، "يُبكى في قلبي بقدر ما يمطر على المدينة". بل وأكثر منه بقليل، إذ تحققت نبوءة الآخر التشويهيّ، فأصبحت "تثلج في كأسي" بقدر الثلج تحت السفينة.
أتأملّها كمن يخطّط موته بخيوط هطولها، فأشعر بأن هلوساتها المصقعة لا تبرّد سوى الحلم، ولا تشعل إلّا الفراغ. فأنا هنا، أمامها اليوم، بمعطفي الجلدي، ورغباتي الانتحارية، ويأسي الممتد من كؤوس السكارى المنتشرين على ضفافها حتّى أخمص الأنهار، غير عالمة إن كانت أعينهم ترى شيئًا ممّا أمثّله، أو أصارعه، أو أفتعله.
لكنني، لفرط قرفي منها، لم أعد أجرؤ على احتلال لغة الفرنج لوصفها. فما صارت ألستني تنطق سوى بلغةٍ عربية، إن ذكر أربابها لامتُعِضَت كنوع جديد من أنواع السعار. فأوروبا إن أبدعت بشيء لكانت العودة الأزلية - رغم كلّ الثورات التي شهدت عليها - إلى بياضها المرضيّ المتفشّي في مظهرها؛ مواقفها السياسية، وتلاوتها للمراوغات نفسها، حتّى بعد تجاوز المئة يومٍ على المذبحة القائمة. وما بالوسع إلّا الهرج بالكلام؟ فاللاعدل أعمى أمام كلّ ما وُثّق؛ ونحن لا نزال خَوَنةً لأننا أحياء. كم سيستمر هذا الوضع، وإلى أين سأصل بذلك الاحتقار، لا أعلم.
***
منذ فترة وجيزة، تكاد تكون ما بعد الغد؛ أخبرتها بأن ضياعي تجلّى بمجيئي إليها. باحتكاكي عن قرب بكل ما عهدته حرًّا، وانتميت إليه (أو هكذا هيّئ لي) بالفكر والأحلام. لكنني وبعد برهة، لا تتجاوز العام الواحد، أدركت أن الحرية لغط شائع. وهي لا تُرى بالتّعري المبتذل؛ ولا تتنصّل من المشي قرب "بيغال"، ولا في حرق العدد الأكبر من السجائر، ولا بمراقبة أشباح "موباسان" في كؤوس النبيذ، ولا حتّى في تمثيل الحبّ المتمرّد الذي لا تحمكه قواعد.
وأعتقد، وهذا اجتهاد تحليلي من بؤرة الموت، أن الحريّة التي رأيتها لا تستمدّ زيفها سوى من غياب من حارب لأجلها. فرميت لنا، نحن الذين أسكرهم الفكر من بعيد، ولهم، هم الذين شاء العبث أن يولدوا على أرضٍ حُرِّرَت بأسلافهم. وهنا تقبع الفظائع. إن الحياة تفضّل أن تقدّم نضال من سبق لرفاه من لن يدافع عنه، فلا ينعم من مات بما حقّق، ولا يمتنّ من عاش لما اعتنق، بل ويندّد برايات قطع رأسها بفؤوس تاريخه. وكم هم قلائل الذين يتاح لهم رؤية نتاج النضال! حتّى "أصدقاء الأبجديّة"، ماتوا، وما بقي منهم حتّى وهم الانتصار.
في وقتٍ ما من عمري صدّقت البؤساء، واعتقدت أن بعد هذه الرواية لا مكان لشناعة بهذا الشكل أن تكون، لا في باريس ولا في العالم. ولكن، كيف تجاهلت أن "انجلوراس" نفسه تفاءل بأن القرن العشرين سيكون سعيدًا، بيد أن ذلك شهد على حربين عالميتين بدل الواحدة ؟
وما شأننا نحن؟
هذا شأننا. شأننا أننا ابتُلينا بالفكر وهذه مأساتنا. ابتلينا بما كتب فعشنا مع فجائع الأدب. لُعِنّا بجمال الفنّ ونسينا من انتُدب...
لذا، ورغم عدم انتظارنا لأيّ شيء من هذه الحياة، لا تزال المواقف غير الإنسانية تفاجئنا. لذا، بتّ أفهم قليلًا لم انتصرت السطحيّة في نهاية المطاف. هذا ليس لأن التفكير العميق بحدّ ذاته مرهق ولكن لكونه نوعًا متفوّقًا من أنواع الشلل. ينتابك، فيسجنك مدى الحياة في دوّاماته التي تشابه "تريلام أغريبا" الذي يعود إلى نفسه.
والأسوأ من هذا كلّه، أنني لم أستطع ايجاد الحريّة بغير تلك المتاهة. إذ لم أرها في قوميّة، لم أشعر بها يومًا تجاه أرضي، أو ديني، وجنسي. فيكون الشيء الوحيد المشترك بيني بين أصلي المزعوم، هو وعورة الطرق التي اخترتها، المشابهة لجبالي غير المعبّدة.
أوهل تعرفون ما يعنيه أن يعلق المرء بين الاثنين فيضطر لاختيار العيش إمّا بلا أصلٍ؛ أو بلا فكر؟
لهذا وبعد تركي الموت للمرّة الألف بين النهر والجبال، قرّرَت أن تجعلني النار بين الصقيع. أو مجرّد محرقة أخرى، لكؤوس النبيد المرمية فوق السجائر، عند شارع "بيغال"، فوق أثواب التعرّي، عند القومية، والدين، والفراغ.
أتأملّها كمن يخطّط موته بخيوط هطولها، فأشعر بأن هلوساتها المصقعة لا تبرّد سوى الحلم، ولا تشعل إلّا الفراغ. فأنا هنا، أمامها اليوم، بمعطفي الجلدي، ورغباتي الانتحارية، ويأسي الممتد من كؤوس السكارى المنتشرين على ضفافها حتّى أخمص الأنهار، غير عالمة إن كانت أعينهم ترى شيئًا ممّا أمثّله، أو أصارعه، أو أفتعله.
لكنني، لفرط قرفي منها، لم أعد أجرؤ على احتلال لغة الفرنج لوصفها. فما صارت ألستني تنطق سوى بلغةٍ عربية، إن ذكر أربابها لامتُعِضَت كنوع جديد من أنواع السعار. فأوروبا إن أبدعت بشيء لكانت العودة الأزلية - رغم كلّ الثورات التي شهدت عليها - إلى بياضها المرضيّ المتفشّي في مظهرها؛ مواقفها السياسية، وتلاوتها للمراوغات نفسها، حتّى بعد تجاوز المئة يومٍ على المذبحة القائمة. وما بالوسع إلّا الهرج بالكلام؟ فاللاعدل أعمى أمام كلّ ما وُثّق؛ ونحن لا نزال خَوَنةً لأننا أحياء. كم سيستمر هذا الوضع، وإلى أين سأصل بذلك الاحتقار، لا أعلم.
***
منذ فترة وجيزة، تكاد تكون ما بعد الغد؛ أخبرتها بأن ضياعي تجلّى بمجيئي إليها. باحتكاكي عن قرب بكل ما عهدته حرًّا، وانتميت إليه (أو هكذا هيّئ لي) بالفكر والأحلام. لكنني وبعد برهة، لا تتجاوز العام الواحد، أدركت أن الحرية لغط شائع. وهي لا تُرى بالتّعري المبتذل؛ ولا تتنصّل من المشي قرب "بيغال"، ولا في حرق العدد الأكبر من السجائر، ولا بمراقبة أشباح "موباسان" في كؤوس النبيذ، ولا حتّى في تمثيل الحبّ المتمرّد الذي لا تحمكه قواعد.
وأعتقد، وهذا اجتهاد تحليلي من بؤرة الموت، أن الحريّة التي رأيتها لا تستمدّ زيفها سوى من غياب من حارب لأجلها. فرميت لنا، نحن الذين أسكرهم الفكر من بعيد، ولهم، هم الذين شاء العبث أن يولدوا على أرضٍ حُرِّرَت بأسلافهم. وهنا تقبع الفظائع. إن الحياة تفضّل أن تقدّم نضال من سبق لرفاه من لن يدافع عنه، فلا ينعم من مات بما حقّق، ولا يمتنّ من عاش لما اعتنق، بل ويندّد برايات قطع رأسها بفؤوس تاريخه. وكم هم قلائل الذين يتاح لهم رؤية نتاج النضال! حتّى "أصدقاء الأبجديّة"، ماتوا، وما بقي منهم حتّى وهم الانتصار.
في وقتٍ ما من عمري صدّقت البؤساء، واعتقدت أن بعد هذه الرواية لا مكان لشناعة بهذا الشكل أن تكون، لا في باريس ولا في العالم. ولكن، كيف تجاهلت أن "انجلوراس" نفسه تفاءل بأن القرن العشرين سيكون سعيدًا، بيد أن ذلك شهد على حربين عالميتين بدل الواحدة ؟
وما شأننا نحن؟
هذا شأننا. شأننا أننا ابتُلينا بالفكر وهذه مأساتنا. ابتلينا بما كتب فعشنا مع فجائع الأدب. لُعِنّا بجمال الفنّ ونسينا من انتُدب...
لذا، ورغم عدم انتظارنا لأيّ شيء من هذه الحياة، لا تزال المواقف غير الإنسانية تفاجئنا. لذا، بتّ أفهم قليلًا لم انتصرت السطحيّة في نهاية المطاف. هذا ليس لأن التفكير العميق بحدّ ذاته مرهق ولكن لكونه نوعًا متفوّقًا من أنواع الشلل. ينتابك، فيسجنك مدى الحياة في دوّاماته التي تشابه "تريلام أغريبا" الذي يعود إلى نفسه.
والأسوأ من هذا كلّه، أنني لم أستطع ايجاد الحريّة بغير تلك المتاهة. إذ لم أرها في قوميّة، لم أشعر بها يومًا تجاه أرضي، أو ديني، وجنسي. فيكون الشيء الوحيد المشترك بيني بين أصلي المزعوم، هو وعورة الطرق التي اخترتها، المشابهة لجبالي غير المعبّدة.
أوهل تعرفون ما يعنيه أن يعلق المرء بين الاثنين فيضطر لاختيار العيش إمّا بلا أصلٍ؛ أو بلا فكر؟
لهذا وبعد تركي الموت للمرّة الألف بين النهر والجبال، قرّرَت أن تجعلني النار بين الصقيع. أو مجرّد محرقة أخرى، لكؤوس النبيد المرمية فوق السجائر، عند شارع "بيغال"، فوق أثواب التعرّي، عند القومية، والدين، والفراغ.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
7/7/2026 7:21:00 PM
المتحدث باسم الداخلية السورية كشف عن الوصول لطرف خيط يدل على منفذي التفجيرات.
لبنان
7/8/2026 2:50:00 AM
عملت فرق الإسعاف على نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة...
النهار تتحقق
7/7/2026 3:52:00 PM
حمل رجال مجسماً كبيراً للأمين العام لحزب الله، يتقدمهم عسكري، على وقع موسيقى حزينة.
النهار تتحقق
7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.
نبض