19-02-2021 | 10:03

حاتم علي ووهمية الواقع في موت مدرس التاريخ العجوز

حاتم علي ووهمية الواقع في موت مدرس التاريخ العجوز
Smaller Bigger
إن قارئ المجموعة القصصية (موت مدرس التاريخ العجوز) للمخرج الراحل حاتم علي، يجد نفسه أمام كاتب يحاول تعرية الواقع قدر الإمكان، فالكتاب يقع في قسمين، كلّ قسم يحتوي على أربع قصص قصيرة، أي أن الكتاب يقع في ثماني قصص قصيرة، تقع في تسعين صفحة، تتخللها بعض الرسومات للفنان م. أبو صلاح .
يفتتح الكاتب الراحل مجموعته بإهداءٍ لطيفٍ قال فيه:
إذا كان في القصص ما يستحق أن يُهدى، فإلى الغالية د. الرحبي طبعاً.
بعد إهداء الكتاب لزوجته المحامية الكاتبة دلع الرحبي، يبدأ مجموعته بمقولة للكاتب الروسي تشيخوف:
سنرتاح، سنسمع ترانيم الملائكة، وسنرى السماء مرصعة بالماس، سنرى كيف تغرق كلّ شرور الدنيا، كلّ آلامنا في بحر الرحمة، الذي سيغمر العالم كلّه، وستصبح حياتنا هادئة، رقيقة، عذبة كالحنان، أنا أومن، أومن.
ثم يأتي القسم الأول للمجموعة القصصية والذي يحتوي على: العلبة، الصفعة، ذو الياقات البيض، الجمهور يصفقُ طويلاً.
قصة "العلبة" التي تروي موعداً غرامياً وما جال في خاطر البطل طوال الموعد، القصة تحمل في طياتها من البوح الشفاف ما يكفي لجعلنا ننظر إلى أنفسنا بعين الحقيقة الخالية من أي بهرجة، وقد ورد في هذه القصة:
(ابتسمتِ كأنك عرافة تقرأ الأفكار، ثم أرحت يديك فوق الطاولة، كانتا ممدودتين أمامك مثل جثتين، دبت الحياة في عروقي وكما يحدثُ عادةً عصرتُ يديكِ بقبضتي ..).
أما قصة "الصفعة" فقد تناولت هواجس شاب ذهب لخطبة فتاة تعجبه وجرى فيها من الحواراتِ ما عرى الواقع من جميع أكاذيبه، حتى وصل الكاتب بنا في النهاية إلى أن البطل الذي قدم نفسه في البداية على أنه مدير في مصرف مالي يعمل في الحقيقة عامل نظافة ليلياً في شوارع دمشق، وقد ورد فيها:
(الإنسان وحيد حزين، وصحبة امرأة تفتح الشهية على العيش)، كما ورد أيضاً كلمات واقعية قاسية جداً كقوله: (الدنيا لا تفرق بين ابن الأصول والبندوق يا عمتي).
وعن قصة "ذو الياقات البيض" والتي تتحدث عن سجينٍ خرج من سجنه ليستحم ويرتدي ملابس نظيفة وقميصاً ذا ياقة بيضاء، إيماناً منه أنّ المجتمع يحترم أصحاب اللباس الرسمي الأنيق، عاكساً في قصته هذه محاولتنا للاختباء وراء أصابعنا ومحاولتنا الدائمة للتخفي والتحايل على الواقع، وقد ورد فيها: (قلت لها: ولا يهمك، ساعات وتنقلب صورتي، ويتغير جلد رقبتي، وأصير من ذوي الياقات البيض).
ونلاحظ في قصة "الجمهور يصفق طويلاً" وصول الكاتب إلى مرحلة من العجز في التخفّي وظهور أناه الحقيقية كمخرجٍ عاملٍ في الوسط الفني، فنراه يحول تجربته التي تحتوي على رؤيته للواقع الفني إلى قصة تحدث فيها عن المصير المهني للممثل عندما يتقدم به العمر، فيقول: (لقد شتم هذا البلد الذي ينزع الأوسمة عن صدور الأبطال الحقيقيين، ويعلقها على صدور خاوية لا إحساس فيها).
أما عن القسم الثاني من المجموعة فقد كان يحوي على: وحشة، أربعون وجهاً لمأساة السعدي، مدينة ليست للبيع، موت مدرس التاريخ العجوز.
إن قارئ قصة "أربعون وجهاً لمأساة السعدي" يجد فيها امتداداً للأفكار الواردة في "قصة الجمهور يصفق طويلاً"، فقد عالجَ فيها موضوع الشهرة الزائفة، والمدح الوهمي، والتصفيق الأجوف المنبعث من العتمة الزائفة، وحلم الممثلين والإعلام الزائف، وقد ورد فيها: (لا أهمية أيضاً لكون الراحل مغربياً، فالإحساس بالغربة ليس وقفاً على غريب الدار).
أما عن آخر قصة والتي أخذت المجموعة القصصية اسمها وهي "موت مدرس التاريخ العجوز"، فقد جاءت على شكل رسالة يكتبها رجلٌ قبل موته لابنه نبيل، يتحدثُ فيها عن الطريقة التي دخل فيها مدرس التاريخ العجوز إلى المشفى وكيف أعطاه ورقة صغيرة قبل اختفائه كانت تحتوي على كلمتين، وكيف أن هاتين الكلمتين قلبتا جميع الموازين، وقلبتا حياة هذا الوالد رأساً على عقب. فقد كانت هذه الورقة تحوي كلمتين نسفتا جميع ما ورد في كُتب التاريخ وجميع ما قيل عن مرض مدرس التاريخ، (إنهم يكذبون).
لخص حاتم علي في هذه المجموعة رؤيته للواقع كما هو دون أي زيف أو تخفٍّ أو بهرجة. فقد كانت مجموعته أشبه بالبوح الشفاف الذي لا يشوبه أي كذب.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 12:24:00 PM
فيديو يُظهر لحظة استهداف البارجة بصاروخ كروز بحري يحمل شعار "حزب الله"