كرامة الإنسان هي القيمة المطلقة الّتي لا يستطيع الإنسان السّيطرة عليها، فيما يعتقد البعض أنّ الإنسان نفسه هو القاضي الوحيد لكرامته. لكنّ مفهوم الكرامة يكشف عن الأزمة الأنتروبولوجيّة الّتي تمرّ بها مجتمعاتنا اليوم. أزمة عصرنا ليست نظاماً دستوريّاً أو اقتصاديّاً، بل هي أزمة نظام أخلاقيّ وأنتروبولوجي. تكمن مشكلة الإنسان في أنّه لم يعد يعرف من هو، وهو يدرك أيضاً أنّه لا يعرف ذلك. يشعر فقط بالدّونيّة وبانسحاق الكرامة.كلّ إنسان مستحقّ لأنّه خلق ليكون عاقلاً على صورة الله. أنت لست تملك كرامتك لأنّها من الله عطيّةً لك من دون استحقاق، لذلك فهي لا تضيع. وبالتّالي إنّ أي إهانة ضدّ الإنسان هي إهانة ضدّ الله "كلّ ما فعلتموه لأحد إخوتي هؤلاء الصّغار، فلي فعلتموه"، وهذا يعني أنّ الاحترام للإنسان غير مشروط.
الكرامة ليست قانوناً مكتوباً بل ولدت معنا وارتبطت بواقع العيش وفقاً لدعوتنا ككائنات عاقلة خُلقت على صورة الله. إنّ معظم الوثائق والدّساتير تشير إلى الكرامة كخاصّيّة بشريّة جوهريّة لا تمحى ولا تضاهى، لها الأسبقيّة على كلّ الحقوق الأخرى، أي هي حقّ أساسي في حدّ ذاته وأساس كلّ الحقوق الأخرى، لأنّ الكرامة مبدأ من مبادئ الإنسانيّة غير القابلة للتّصرّف، أي لا يمكن سلبها وإنهاؤها بشريّاً لأنّه لم يتمّ منحها بشريّاً، وهي غير قابلة للقياس أو للضّياع أو للانتقاص، إنّما هي قيمة مطلقة غير مشروطة لا تعرف درجة أو تمييزاً؛ أنّها مستقلّة عن أيّ حكم وعن أيّ احتمالات خارجيّة وخاصّة، أي إنّها ليست نسبيّة ولا ثقافيّة ولا زمنيّة، كما أنّها ليست خاصّيّة بيولوجيّة أو نفسيّة، بل هي وجوديّة مرتبطة بالإنسان.
لكن أين يركن مفهوم الكرامة اليوم إذا كانت قيم النّبل والأخلاق والعظمة والفضيلة تبدو مصطلحات تحطّ من قدرها ومن قدر ما تعنيه؟ وكيف اختُزلت الكرامة إلى قيمة ذاتيّة ونسبيّة وفرديّة؟ هنا يكمن خطر الانجراف في مفهوم الكرامة كحرّيّة فرديّة. فأنت من خلال جعل نفسك قاضياً على كرامتك تصبح بسرعة هائلة قاضياً لكرامة الآخرين والعكس صحيح، يعني أنّ مفهوم الكرامة يصبح جسراً لتبرير استغلال جسد الآخر والمعوّقين وكبار السّن وضعيفي الحيلة. إنّ الاختيار الشّخصي والحق في أن تفعل ما تريد والتّحكّم في حياتك واحترام إرادة الفرد والذّاتيّة ومسألة الضّمير والشّخص... كلّها مفاهيم يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: الحرّيّة، ولا يجوز الخلط بين الكرامة والحرّيّة.
أمّا السّؤال الجوهري الّذي يجب أن يُطرح: هل هناك فرق بين الكرامة والشّعور بالكرامة؟ إذا كان مبدأ الكرامة أنطولوجيّاً مرتبطاً بخلق البشر على صورة الله، لماذا شعرنا إذاً بالحاجة لإدراجها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الدّساتير الوطنيّة ؟ لا يدرك الإنسان أبداً كرامته إلّا من خلال عمل إنسان آخر وتفاعله معه. ينكشف إذاً إحساسنا بالكرامة من خلال التّضامن البشري والاعتراف المتبادل بحفاظنا على بعضنا البعض. فقط لأنّك لم تعد تشعر بالاستحقاق لا يعني أنّك لم تعد مستحقّاً. لذلك نحن بحاجة إلى الاعتراف لنشعر بالاستحقاق. نحن بحاجة إلى الاعتراف لأنّ كرامتنا مفروضة بالنّظام القانوني لتحقيق العدالة. لقد كشفت الحروب العالميّة والحرب الباردة، عن الآخر، عن العدو، وبالأخصّ عن اللّاإنسانيّة. أمّا الحبّ فهو الّذي يتفوّق. لماذا تتنازل طوعاً عمّا أُعطي لك من السّماء إرضاءً لشياطين السّلطة والمال الأرضيّين بينما هناك إجابات أخرى تفوق الحياة الأرضيّة، تلك الّتي أعطيت في الموعظة على الجبل؟!
تقول محقّاً إنّ الحياة في المجتمع تبدو كما لو كانت حرب عصابات دائمة، ورحلات الرفقة أو الصّداقة أو الحب تبدو وكأنّها ضاعت في هذا الفشل الهائل للأخوّة البشريّة، وعالم البعض الآخر يبدو كاستفزاز دائم للنّضال والتّكيّف والتّغلّب. نعم، هناك نزعة انفصاليّة وفرديّة العمق تعبّر عنها الحضارة الحديثة. لكنّ الحقيقة أنّ المرء لا يفعل الخلاص وحده لا اجتماعيّاً ولا روحيّاً. بمعنى آخر، إنّ فعل الحب هو أعمق يقين للإنسان. وهذا هو الكوجيتو الوجودي الوحيد الّذي يستحقّ الجهاد: "أنا أحبّ لذلك أنا موجود"، والحياة تستحقّ العيش، والعيش يعتمد على التّواصل مع الآخر. ولأنّ الاتّصال يمرّ بالعديد من الإخفاق، فنحن بحاجة ماسّة للتّحدّث بلغة الأخلاق، بلغة الحبّ، لأنّها اللّغة الوحيدة الّتي يفهمها الجميع والّتي تعيد إلينا الشّعور بالكرامة المتأصّلة فينا الّتي نفتّش عنها في خضمّ الإخفاقات المتكرّرة. لقد أخطأ العالم بحقّك وأوهمك أنّك رقم سهل الخرق واستخدمك في كلّ حرب. انتفض وتحدَّ هذا العالم وأخبره أنّك عصيّ عليه واغلبه، إكسره، أخضعه... بالحب.
الكرامة ليست قانوناً مكتوباً بل ولدت معنا وارتبطت بواقع العيش وفقاً لدعوتنا ككائنات عاقلة خُلقت على صورة الله. إنّ معظم الوثائق والدّساتير تشير إلى الكرامة كخاصّيّة بشريّة جوهريّة لا تمحى ولا تضاهى، لها الأسبقيّة على كلّ الحقوق الأخرى، أي هي حقّ أساسي في حدّ ذاته وأساس كلّ الحقوق الأخرى، لأنّ الكرامة مبدأ من مبادئ الإنسانيّة غير القابلة للتّصرّف، أي لا يمكن سلبها وإنهاؤها بشريّاً لأنّه لم يتمّ منحها بشريّاً، وهي غير قابلة للقياس أو للضّياع أو للانتقاص، إنّما هي قيمة مطلقة غير مشروطة لا تعرف درجة أو تمييزاً؛ أنّها مستقلّة عن أيّ حكم وعن أيّ احتمالات خارجيّة وخاصّة، أي إنّها ليست نسبيّة ولا ثقافيّة ولا زمنيّة، كما أنّها ليست خاصّيّة بيولوجيّة أو نفسيّة، بل هي وجوديّة مرتبطة بالإنسان.
لكن أين يركن مفهوم الكرامة اليوم إذا كانت قيم النّبل والأخلاق والعظمة والفضيلة تبدو مصطلحات تحطّ من قدرها ومن قدر ما تعنيه؟ وكيف اختُزلت الكرامة إلى قيمة ذاتيّة ونسبيّة وفرديّة؟ هنا يكمن خطر الانجراف في مفهوم الكرامة كحرّيّة فرديّة. فأنت من خلال جعل نفسك قاضياً على كرامتك تصبح بسرعة هائلة قاضياً لكرامة الآخرين والعكس صحيح، يعني أنّ مفهوم الكرامة يصبح جسراً لتبرير استغلال جسد الآخر والمعوّقين وكبار السّن وضعيفي الحيلة. إنّ الاختيار الشّخصي والحق في أن تفعل ما تريد والتّحكّم في حياتك واحترام إرادة الفرد والذّاتيّة ومسألة الضّمير والشّخص... كلّها مفاهيم يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: الحرّيّة، ولا يجوز الخلط بين الكرامة والحرّيّة.
أمّا السّؤال الجوهري الّذي يجب أن يُطرح: هل هناك فرق بين الكرامة والشّعور بالكرامة؟ إذا كان مبدأ الكرامة أنطولوجيّاً مرتبطاً بخلق البشر على صورة الله، لماذا شعرنا إذاً بالحاجة لإدراجها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الدّساتير الوطنيّة ؟ لا يدرك الإنسان أبداً كرامته إلّا من خلال عمل إنسان آخر وتفاعله معه. ينكشف إذاً إحساسنا بالكرامة من خلال التّضامن البشري والاعتراف المتبادل بحفاظنا على بعضنا البعض. فقط لأنّك لم تعد تشعر بالاستحقاق لا يعني أنّك لم تعد مستحقّاً. لذلك نحن بحاجة إلى الاعتراف لنشعر بالاستحقاق. نحن بحاجة إلى الاعتراف لأنّ كرامتنا مفروضة بالنّظام القانوني لتحقيق العدالة. لقد كشفت الحروب العالميّة والحرب الباردة، عن الآخر، عن العدو، وبالأخصّ عن اللّاإنسانيّة. أمّا الحبّ فهو الّذي يتفوّق. لماذا تتنازل طوعاً عمّا أُعطي لك من السّماء إرضاءً لشياطين السّلطة والمال الأرضيّين بينما هناك إجابات أخرى تفوق الحياة الأرضيّة، تلك الّتي أعطيت في الموعظة على الجبل؟!
تقول محقّاً إنّ الحياة في المجتمع تبدو كما لو كانت حرب عصابات دائمة، ورحلات الرفقة أو الصّداقة أو الحب تبدو وكأنّها ضاعت في هذا الفشل الهائل للأخوّة البشريّة، وعالم البعض الآخر يبدو كاستفزاز دائم للنّضال والتّكيّف والتّغلّب. نعم، هناك نزعة انفصاليّة وفرديّة العمق تعبّر عنها الحضارة الحديثة. لكنّ الحقيقة أنّ المرء لا يفعل الخلاص وحده لا اجتماعيّاً ولا روحيّاً. بمعنى آخر، إنّ فعل الحب هو أعمق يقين للإنسان. وهذا هو الكوجيتو الوجودي الوحيد الّذي يستحقّ الجهاد: "أنا أحبّ لذلك أنا موجود"، والحياة تستحقّ العيش، والعيش يعتمد على التّواصل مع الآخر. ولأنّ الاتّصال يمرّ بالعديد من الإخفاق، فنحن بحاجة ماسّة للتّحدّث بلغة الأخلاق، بلغة الحبّ، لأنّها اللّغة الوحيدة الّتي يفهمها الجميع والّتي تعيد إلينا الشّعور بالكرامة المتأصّلة فينا الّتي نفتّش عنها في خضمّ الإخفاقات المتكرّرة. لقد أخطأ العالم بحقّك وأوهمك أنّك رقم سهل الخرق واستخدمك في كلّ حرب. انتفض وتحدَّ هذا العالم وأخبره أنّك عصيّ عليه واغلبه، إكسره، أخضعه... بالحب.
الأكثر قراءة
العالم العربي
4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
اقتصاد وأعمال
4/2/2026 9:15:00 AM
ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان
ايران
4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات
4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
نبض