16-02-2021 | 10:43

"المريضة الصامتة" التحدّي بين الضحيّة والجلّاد

"المريضة الصامتة" التحدّي بين الضحيّة والجلّاد
Smaller Bigger
في الصمت لغةُ الكلام، هكذا يقولُ علمُ النفس، وبهذا الأسلوب العلاجيّ المتطوّر تقدّم سيغموند فرويد في تحليل الاحتقان النفسي الذي يرتطمُ بإحباطاتٍ خارجيّةٍ وداخليّة تعزّزُ من سماكةِ القشور اللاشعوريّة التي تغلّف الإرادة، والتي بدورها توعزُ للعقل باليأس وللقلب بالوجع، فتنقطعُ بهذا قِننُ التواصل بينهما، ويتهاوى الإنسانُ بين اليأس والبؤس. وقد وصف فرويد الاختلاجات الإنسانيّة التي تتّقد على جمر التخيّل الهذياني بقوله: "إنَّ النفس البشرية مليئة بالاضطراب والتخيل، وإن الكثيرين الذين يعيشون في أوهام إذا لم تنقذهم العناية الإلهية منها، ينحدر بهم الطريق إلى الجريمة والجنون".
في روايته السيكولوجيّة "الثاقبة"، يقدّمُ الروائيّ ألكس ميكايليديس قصّة رسّامةٍ محترفة تدعى أليسيا بيرينسون أصابت من الشهرة ما مكّنها من افتتاح متحفها الخاص للرّسم، تعيش مع زوجها غابرييل وهو رسّام متخصّص برسم العارضات عاريات أو شبه عاريات، وتربطه بها قصّة حبِّ كبيرة، ولكنّها تعاني من ماضٍ أليم يخفق بجناحيه على سيار قلبها لترقص كورقةٍ من أوراق الخريف على إيقاع وجعه.
فقد انتحرت أمّها من خلال تعمّدها أن تترك سيّارتها ترتطم بجدارٍ صلب بعد أن قادتها بسرعةٍ جنونيّة، وكانت هي تجلس إلى جانبها، ولكنّها لم تمت، وأُنقذت بأعجوبة، وتأسّف والدها على وفاة والدتها وتمنّى أن تكون هي من ماتت ولفظت أنفاسها، ما قدح شرراً من براكين جامحة متوقّدة بالحقد والثورة في قرارة نفسها لازمتها لاحقاً، بعد أن تكبّدت القسوة من أبيها وعمّتها التي تكفّلت بالعيش في منزلها وتربيتها إلى جانب ابنها. وهنا نعود لقول فرويد الشهير: "قبل أن تقرّر أنّك مصاب بالاكتئاب النفسي أو الإحباط تأكّد إن لم تكن محاطاً بالأغبياء".
تكبرُ أليسيا بحنقٍ على نفسها ومجتمعها وأبيها الذي تمنّى موتها، ورغم وفاته يظلّ طيفه منتصباً في عمق ذاكرتها، وهي في القصّة تكتب يوميّاتها، بدءاً من سعادتها مع زوجها غابرييل الذي ومن شدّة حبّها له، قامت برسمه على شكل المخلّص المسيح لترمز إلى امتنانها وشغفها به، لأنّه خلّصها جزئيّاً من أحزانها، وقد تركت عينيه في اللوحة تشعّان ببريقٍ غامض لأمرٍ أثار حفيظتها ولم تدرك معناه.
ولكنّ يوميات أليسيا لا تلبث أن تنقطع، لتُروى بقيّة قصّتها على لسان طبيبها النفسي ثيو، الذي يخبرنا بأنّها قامت بقتل زوجها، بأسلوبٍ وحشيٍّ متهوّر، وأدخلت مصحّاً للأمراض العقليّة بعد أن فقدت النطق، وتسمّرت أمام القاضي كحجرٍ من صوان.
الطبيب ثيو الذي عانى بدوره من طفولةٍ تعرّجت على عكاكيز ملتوية من سوء المعاملة التي تلقّاها من والده، تزوّج بعد تخرّجه من كاثي التي عشقها واتّخذ منها مثالاً للمرأة الجميلة التي يتطلّع إليها منذهلاً كظلّه من شدّة الرغبة والتوق والحب ولكنّها تصفعه بخيانتها له بعد أن يكتشف رسائل الكترونيّة بينها وبين عشيقها ويقوم بمراقبتها ويتأكّد من الأمر ولكنّه يتجاهل نزوتها ولا يكشف لها عما عرفه.
يروي الطبيب ثيو أنّه تعمّد الالتحاق بعمله في هذا المصحّ بالذات رغبةً منه بمساعدة أليسيا بعد أن سمع بحكايتها وقد مرّ على وقت ارتكابها الجريمة خمسُ سنوات، وعرف أنّها تستلذّ بالصمت وتأنس له كقشرةٍ صلدة لأعماقها، وتحدّى رئيسه في العمل وطبيب أليسيا الذي يشرف على جرعات أدويتها وهو الدكتور "ويست" ليخفّف منها ويجعلها واعيةً مستيقظة لما يدور من حولها، وحاول استنطاقها فانقضّت عليه في محاولةٍ للفتك به، وكادت تخنقه، ولكنّه أُنقذ بصعوبةٍ بالغة.
لم ييأس الطبيب حتّى بعد أن اقتلعت أليسيا عين صديقتها بسبب تهكّم الأخيرة عليها بعد أن منحها عدّة الرسم في المستشفى لترسم وتعبّر عن خواطرها علّها تستعيد وعيها، فتمنحه المريضة ثقتها وتعطيه دفتر يوميّاتها ليقرأ فيها أسراراً خطيرة، منها أنّ شقيق غابرييل زوجها قد حاول التحرّش بها، وأنّها قامت بطرد المدير الفنّي المسؤول في متحف الرسم خاصّتها قبل أيّامٍ من الجريمة، وكذلك وصفت رجلاً قام بملاحقتها ومراقبة منزلها وأخبرت زوجها بالأمر واعتقد أنّها تتوهّم بسبب الترسّبات النفسيّة التي تعزّزت في نفسها من ذكريات والدها وطفولتها. واصطحبها إلى طبيبٍ زميلٍ له ليعالجها في المنزل دون إذنٍ رسميّ، ما يعتبر مخالفة كبيرة للقانون. وللمصادفة يكون هذا الطبيب هو "ويست" الذي لم يعطِ أيّ إشارةٍ لمعرفته السابقة بأليسيا، ما أدهش ثيو ودفعه لمواجهته. وتختتم اليوميّات عن يوم الجريمة واقتحام هذا الغريب منزلها وتهديده لها بالمسدّس.
تكثر وجوه المشتبه بهم في هذه الرواية، إلى أن تنتهي بقتل أليسيا ويكون المتّهم الرئيسيُّ هو الطبيب ويست لأنّه كان مذعوراً من أن يفضح ثيو أمره ويكشف معرفته القديمة بأليسيا، ولكنّ الكاتب يقدّم لنا ضربةً فولاذيّة من صدمةٍ محبوكةٍ بأسلوب سيكولوجي عندما يكشف لنا أنّ القاتل الحقيقي هو الطبيب ثيو.
فقد كتبت أليسيا قبل أن يحقنها ثيو بالمادّة السامّة يوميّاتها الأخيرة ودسّتها في غلافٍ سريّ للّوحة الأخيرة التي كانت ترسمها، وقد أكّدت أنّ ثيو هو من قام باقتحام منزلها ليلة الجريمة وقام بتكبيل يديها وانتظر عودة غابرييل ليقيّده هو الآخر وشهر المسدّس في وجهه وأرغمه على الاختيار بين حياته وحياة زوجته فاختارـ ولأنانيّته، بأن يعيش هو وتموت زوجته! تعود الذكرى السيّئة لتنهب عقل أليسيا وانتصب وجه أبيها حيّاً أمامها عندما فضّل موتها على موت أمّها، وعندما يغادر ثيو بعد أن ترك زوجها حيّاً وهدّده بعدم الاقتراب ثانية من زوجته وسخر منها بعد أن بيّن لها حقيقة زوجها "المثالي"، تأخذ المسدّس عن الأرض وتصوّبه ناحية زوجها وتطلق النيران في اللاوعي. وقد أدركت أنّ جريمتها قد شوّهت جمال روحها تحت نقابٍ مظلمٍ من فقدان الثقة بالذات والشعور بالاضطهاد والظلم.
يأتي المحقّق بصمت إلى منزل ثيو ليواجهه بالأدلّة وتنتهي القصّة بشروده الذهنيّ عبر النافذة واستسلامه لمصيره الأحمق.
رواية "المريضة الصامتة" نافست رواية "فتاة القطار" في أسلوبها الذي يترك ذهن القارئ يلتهب عطشاً للنهاية، وقدّمت براهين سيكولوجيّة عن تأثير الماضي على مراحل تطوّر الإنسان وتحفيزه لسلوك طريق الضحيّة أو الجلّاد.

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
"تبدو وكأنك تقول: يا إلهي، كنت في طائرة مقاتلة قبل دقيقتين أحلق بسرعة 800 كيلومتر في الساعة، وانفجر صاروخ للتو على بعد أربعة أمتار ونصف فقط من رأسي"
لبنان 4/4/2026 7:56:00 PM
مقتل جندي إسرائيلي في شبعا بنيران صديقة خلال عملية جنوب لبنان