قبل أن يُبادر "النوّاب التغييريّون"

قبل أن يُبادر "النوّاب التغييريّون"
نواب من "التغييريّين" قبل بدء أول جلسة تشريعيّة للمجلس النيابيّ الجديد (أرشيفية).
Smaller Bigger

غسّان صليبي

 

فوجئتُ بالبيان الصادر عن خلوة "تكتّل قوى التغيير" بتاريخ 19 آب 2022، الذي عبّرت فيه عن نيّتها إطلاق مبادرة في شأن الانتخابات الرئاسيّة في أول أيلول المقبل.

 

مصدر المفاجأة أنه عشيّة الخلوة كان الانطباع العام أن أعضاء التكتّل منقسمون حيال الموضوع وهم يحاولون رأب الصدع الذي نتج جانب منه من مشاركة بعضهم في اجتماع تنسيقي مع قوى "مستقلّة" و"سياديّة"، فيما إطلاق مبادرة يفترض وحدة متماسكة في الموقف وقدرة على الحفاظ عليها لمدة ليست قصيرة. كما يفترض أيضاً ثقة بهذه الوحدة وهذه القدرة لدى الأطراف الذين ستُعرض عليهم هذه المبادرة.

 

التدقيق في ما جاء في البيان لا يزيل عنصر المفاجأة بل يرفقها بالحذر والقلق. يقول البيان في موضوع الاستحقاق الرئاسي: "في موضوع انتخاب رئيس الجمهورية: تم التركيز على الاستحقاق الرئاسي، وتوافق المجتمعون على إطلاق مبادرة تطرح مقاربة متكاملة له. تشمل هذه المبادرة، المواقف السياسية والمقاربة الدستورية والقيمية التي تؤسّس لحاضنة سياسية وشعبية تدفع باتّجاه انتخاب رئيس يسهم في إطلاق مسار إنقاذي للبلاد. إضافة الى ذلك، استعرض المجتمعون وقيّموا المشهد الانتخابي الرئاسي، وتوافقوا على استكمال المبادرة في ما بينهم، التي ستكون منطلقاً للتواصل مع القوى الأخرى. وتم تكليف النائبين ميشال دويهي وملحم خلف تحضير الوثيقة وإنجاز صياغة المبادرة لإطلاقها في بداية أيلول مع بدء المهلة الدستورية".

 

الى جانب عدم الوضوح في صياغة الموقف في شأن مسألة بهذه الأهميّة، ولا سيما إذا قُورن بالمواقف الواضحة في البيان حول الوضع الاقتصادي والمعيشي، يستدعي النص الملاحظات الآتية:

 

– في ما خصّ تسلسل الأفكار في البيان، يبدو أن الموقف أي "المبادرة"، سبق "استعراض وتقييم المشهد الانتخابي الرئاسي"، مع أن المنطق السليم يفترض العكس.

 

– يذهب الموقف في اتجاهين: من جهة بلورة "مواقف سياسيّة وشعبيّة تدفع في اتجاه انتخاب رئيس يسهم في إطلاق مسار إنقاذي للبلاد"، ومن جهة ثانية، اعتبار "المبادرة" "منطلقاً للتواصل مع القوى الأخرى". السؤال هنا، كيف سيجري التوفيق بين الاتجاهين: هل ستضغط الحاضنة الشعبيّة في اتجاه انتخاب رئيس معيّن وفي الوقت نفسه يتواصل النواب التغييريون مع "القوى الأخرى" لانتخاب رئيس؟ الى أيّ حدّ يساعد أو يعرقل التحديد المسبق لـ"المواقف السياسيّة والمقاربة الدستوريّة والقيميّة" في عقد تسويات مع "القوى الأخرى" في شأن إنتخاب رئيس؟

 

– لماذا كان من الصعب بالنسبة للنواب التغييريين صياغة وثيقة سياسيّة مشتركة طوال المدة التي تلت الانتخابات، فيما بدت المهمّة اليوم قابلة للتنفيذ في أجواء من الإنقسامات حول الإنتخابات الرئاسيّة؟

 

– هل جرى اختيار نائبين مسيحيين بالمصادفة لصياغة الوثيقة والمبادرة في شأن انتخاب رئيس جمهوريّة مسيحي؟ السؤال يكتسب مشروعيّة إضافيّة، بعدما أجاب النائبان مارك ضو وإبراهيم منيمنة بجواب واحد عن سؤال سبب اختيار الدويهي وخلف للصياغة، فقالا لصحيفة "المدن" إن سبب الاختيار هو "اهتمام النائبين المختارين بالموضوع"، وكأن النواب الآخرين غير مهتمّين، وهذا يطرح تساؤلات حول المبادرة ككل. ومعروف أن النائبين ضو ومنيمنة يختلفان على المقاربة الرئاسيّة وعلى الموقف من سلاح "حزب الله".

 

الملاحظات مجتمعة تحيلني إلى مقالي السابق عن الموضوع والمنشور في "النهار" بعنوان "لا منقذ ولا مدير أزمة، بل رئيس يحافظ على الدستور". الأطروحة الاساسية في المقال هي الآتية: تقول المادة 49: "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور". وتضيف المواد ألأخرى أن رئيس الجمهورية هو جزء من السلطة الإجرائيّة التي وضعها الدستور بيد الحكومة مجتمعة، وإذا ترأّس اجتماعها، لا يحق له التصويت. الصلاحيات الرئاسيّة التي نصّ عليها الدستور تترجم هذه القاعدة العامة، التي تلزمه بالمرور عبر مجلس الوزراء أو مجلس النواب ليكون لرأيه تأثير. إن مواصفات الرئيس بحسب الدستور يجب أن تتمحور إذن حول "قدرته على احترام الدستور والحفاظ على الاستقلال".

وفي هذا السياق، تبدو المطالبة بأن يكون للرئيس برنامج سياسي – اقتصادي – مالي – اجتماعي، أو أن يكون ترشيحه من قبل مجموعات النواب على هذا الأساس، هي في الواقع غير ذات معنى دستوريّاً، إذ لا صلاحيات له في هذه المجالات. الأخطر من ذلك، أن الإصرار على وجود برنامج كهذا ووضعه شرطاً لتأييد المرشّح أو لعقد تحالفات دعماً لهذا المرشّح أو ذاك، يصعّب الاتفاق على شخصيّة تحمي الاستقلال وتحافظ على الدستور، ويزيد احتمال انتخاب مرشّحي السلطة الحالية، وتحديداً مرشّحي "حزب الله"، الذين لن يكترثوا بالاستقلال ولن يحترموا الدستور، تماماً كما دلّت عليه تجربة ميشال عون. كما أن رفض التحالف مع أي طرف محسوب على 14 آذار، بحجّة "كلن يعني كلن"، هو تفكير من خارج السياق الزمني، حيث إن 8 آذار أصبحت تحتكر السلطة كلياً، وهي اليوم من يؤلف الحكومة ويتحكم بمصير انتخابات رئاسة الجمهورية، في غياب شبه تام لتأثير جماعة 14 آذار. كما أن التطوّرات الاقليمية المتوقعة، من توقيع للاتفاق النووي ومن ترسيم للحدود البحرية مع إسرائيل، ستزيد هيمنة "حزب الله" ومعه 8 آذار على القرار السياسي والاقتصادي في لبنان.

 

عندما يطلق طرف سياسي مبادرة ما، ينطلق من افتراض أن مبادرته، بحكم موقعه في المشهد السياسي، قادرة على الاستقطاب والدفع بالمسار السياسي في اتجاه معيّن. مبادرة النواب التغييريين من موقعهم الحالي، تسمح لهم ربما بالتأثير في انتخاب رئيس أو بالحؤول دون إنتخاب آخر إذا تحالفوا مع نواب آخرين، لكن ليس باستطاعتهم البتّة أن يطلقوا من خلال مبادرة مبنيّة على وثيقة سياسيّة، تحالفات سياسيّة مع أطراف آخرين، تؤدّي الى انتخاب رئيس يسهم في إنقاذ البلاد كما يقول البيان. فهم أعجز في ظل موازين القوى المحليّة والإقليميّة عن تشكيل تحالف واسع حول مشروع لإنقاذ البلاد، ولا سيما أن "حزب الله" على لسان المعاون السياسي لنصرالله، ينظر هو أيضاً الى "رئاسة الجمهورية كجزء من خطة إنقاذ البلاد". وشتان بين تأثير الطرفين إذا سعى كل منهما لإنجاح مشروعه عبر تحالفات سياسيّة، في ظل تماسك جماعة 8 آذار وتفكّك ما اصطلح على تسميتهم "السياديين" أو "المستقلين".

 

تفككت الانتفاضة عندما عجزت عن مواجهة الضغط الذي مارسه "حزب الله" والسلطة القائمة في حينه، بحجة أنها غير قادرة على الاتفاق على مشروع سياسي عام، فيما كانت متفقة على المطلب الأساسي وهو "حكومة مستقلة ذات صلاحيات استثنائيّة".

 

ما أخشاه أن يكون النواب التغييريون، وهم كانوا جزءاً من الإنتفاضة، يكرّرون استراتيجيّة الهروب نفسها من مواجهة مشروع "حزب الله"، من خلال الغرق مجدداً في التفتيش عن برنامج سياسي موحّد، كشرط مسبق للمواجهة، في عملية انتخاب رئيس للجمهورية لا يفترض انتخابه بالضرورة الاتفاق على برنامج كهذا.

 

الأكثر قراءة

العالم العربي 3/11/2026 12:05:00 AM
أفيخاي أدرعي يرد على باسيل بعد تحميله إسرائيل مسؤولية الحرب
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/11/2026 5:36:00 AM
"الجماعة الإسلامية" تنفي استهداف مكاتبها أو كوادرها بالغارة الإسرائيلية في بيروت