لقمة العيش و"حزب الله" وجهاً لوجه في ذكرى "النصر إلهي"
Smaller Bigger
غسان صليبي
 
اعتبر "حزب الله" ما آلت إليه حرب تموز 2006 مع إسرائيل "نصراً إلهيّاً"، لأنه شكّل بالنسبة له معجزة إلهيّة انتصرت على الشيطانين، الأكبر الأميركي، والأصغر الإسرائيلي. الصفة الألوهية تجسّدت في القدرة على الانتصار على قوة عسكرية ضخمة من جهة، والانتصار على الشياطين من جهة ثانية. لكن المفارقة أننا نحتفل اليوم بذكرى النصر الإلهي ونحن في جهنم، حيث الشياطين تحكمنا بحماية "حزب الله".

كيف انتقلنا من نصر إلهي إلى العيش في جهنم؟ لا يتحمّل "حزب الله" وحده مسؤولية الانهيار الذي وصلنا إليه، بل يشاركه في ذلك، بالتضامن والتكافل أطراف المنظومة الحاكمة كافّة. لكنه بالتأكيد يتحمّل المسؤولية الأولى عن إيجاد حلول للانهيار أو لوقفه كحد أدنى، بسبب تحكّمه بقرارات رئاسة الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة المستقيلة، وبسبب تأثير سلاحه في عملية اتخاذ القرارات الوطنية.

ما يشغلني في هذا النص هو الأزمة المعيشية التي تطال معظم الشعب اللبناني، وموقف "حزب الله" من هذه الأزمة، التي كما افترض، يتحمّل جانباً من المسؤولية عن تفاقمها، ولكن كامل المسؤولية عن اتخاذ التدابير للتخفيف من وطأتها على اللبنانيين. فـ"حزب الله" كان "يمانع" حتى الآن المحاولات الجدية من أجل التخفيف من حدّتها، عبر سياسات وممارسات ومواقف أذكر منها:

أولاً: لجم وقمع وترهيب انتفاضة 17 تشرين التي شكّلت محاولة شعبية نادرة لإحداث تغيير في الواقع السياسي والاقتصادي والمعيشي، ومنعها من الضغط الفعلي على المنظومة الحاكمة لتغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

ثانياً: عدم المساعدة على تأليف الحكومة من خلال الإحجام عن الضغط الجدّي على حليفه العونيّ الذي يُعرقل التأليف. لكن البعض يعتقد أن المسألة في مكان آخر. فمعظم التحليلات تشير إلى أن "حزب الله" يربط تأليف الحكومة بالمفاوضات الجارية في فيينا بين إيران والغرب، ويجعل من مسألة التأليف مادة تفاوض في البزار الإقليمي – الدولي، أو أنّه يتقصّد انهيار البلد ليفرض تغييراً دستورياً في النظام السياسي والاقتصادي يُترجم نفوذه العسكري.

والسؤال الذي يُطرح هو لماذا يترك "حزب الله" البلد ينهار كليّاً مع أنّه يتحضّر لحكمه بشكل دستوري؟ وهل يريد أن يحكم بلداً منهاراً تتراكم فيه الأزمات، ممّا سيضعه وجها لوجه أمام معاناة الناس؟ هل هذا الاستهتار بانهيار معظم القطاعات الاقتصادية، بما فيها القطاعات المنتجة، هو تعويلٌ على اقتصاد ريعيّ مستقبليّ، يقوم على عوائد الغاز والبترول، التي من المفترض أن يكون لـ"حزب الله" الكلمة الفصل بشأنها، بعد إدارته، ولو بطريقة غير مباشرة، لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل؟ هل يسعى إلى اقتصاد سياسي ريعيّ على شاكلة البلدان الخليجية، ومن بينها ايران، حيث يستخدم الريع في السيطرة على الشعوب؟

الجميع يدرك أن لا قدرة على مواجهة الأزمة على جميع المستويات من دون حكومة. و"حزب الله" بدوره يُدرك ذلك، ويتصرف كأنه لا يبالي بانعكاس هذه الأزمة على معيشة المواطنين. يقول البعض إن "حزب الله" لا يُريد حكومة يرضى عنها الغرب، لأنّه يشترط لدعمها التعامل مع صندوق النقد الدولي. المخاوف من صندوق النقد الدولي مشروعة نظراً إلى سياساته حول العالم، والتي أدّت إلى تعميق الأزمات الاقتصادية والمعيشية بدل المساعدة على حلّها كما كانت تعد. لكن هذه المخاوف لا تنطبق بالضرورة على لبنان لسببين؛ أوّلاً، لأن جزءاً كبيراً من شروط صندوق النقد الدولي، التي توضع تحت عنوان "الإصلاح"، تطال فساد الطبقة السياسية، وتُحكِم عليها الرقابة. أمّا السبب الثاني، فهو أن ما نتخوّف منه على مستوى معيشة المواطنين، من تقشّف ورفع الدعم وغيره، قد تجاوزناه بسبب الانهيار الحالي. ولم يعد بالإمكان الخروج من الحفرة من دون مساعدة ماليّة، يُجمع العالم، عن حق أو عن باطل، أنها يجب أن تأتي من صندوق النقد الدولي من خلال التفاوض معه. فلماذا لا نتفاوض؟

ثالثاً: التفاوض مع صندوق النقد يحتاج إلى مفاوضين مدعومين من قوى مجتمعية، يحملون موقفاً وطروحات تحسّن من الاتفاق المتوقّع مع الصندوق، على مستوى تنمية الاقتصاد الوطني وعدم التفريط بمعيشة المواطنين، مع المحافظة على الاستقلالية السياسية. فأين هي هذه القوى المجتمعية، المعنية خاصة بالدفاع عن معيشة المواطنين والاقتصاد الوطني؟
زخم الانتفاضة وقدرتها على التأثير في سياسات السلطة، أضعفتها السلطة، وعلى رأسها "حزب الله". أما الحركة النقابية، فالمفترض أن تدافع عن مصالح العمال في أيّ مفاوضات مع صندوق النقد، لكنّها تابعة لأحزاب السلطة. والأكثر نفوذاً بين أحزاب السلطة في الاتحاد العمالي العام هما حركة "أمل" و"حزب الله" اللذين يتحكّمان بالتوجّهات والقرارات الأساسية. إذاً، بإمكان "حزب الله" أن يدفع باتجاه واحد من الخيارين: إمّا الإبقاء على تقاعس الاتحاد العمالي العام في الدفاع عن مصالح العمال، وإمّا المساعدة على تحريره من التبعيّة الحزبيّة، ليتمكّن من التعبير عن إرادة العمال بحريّة، والدفاع عن مصالحهم بوجه صندوق النقد، وبالتالي تحسين شروط المفاوضة ونتائجها. ما هو واضح حتى الآن أن "حزب الله" يفضّل المحافظة على واقع الاتحاد العمالي العام كما هو، واستخدامه في الصراعات السياسية الداخلية.

رابعاً: لا يقوم "حزب الله" بأيّ جهد لوقف التهريب إلى سوريا للموادّ المدعومة، ممّا يفقر خزينة الدولة من جهة لصالح النظام السوري، ويحرم اللبنانيين هذه الموادّ باسعارها المعتمدة، ويجعلهم يقفون مذلولين أمام محطات الوقود وغيرها من المؤسسات التي تبيع الموادّ الأخرى المدعومة والمهرّبة. وتؤكّد مصادر عديدة أن "حزب الله" يستفيد من مداخيل التهريب من أجل تمويل مؤسّساته ومشاريعه الخاصّة.

خامساً: لا يبالي "حزب الله" بتأثير مواقفه العدائية تجاه البلدان الخليجية العربية على الوضع الاقتصادي والمعيشي في لبنان، كما أن البعض يتّهمه بتصدير الكبتاغون إلى بلدان الخليج من أجل جني الأموال على حساب معيشة المواطنين، الذين يتأذّون من قرار بعض البلدان وقف الاستيراد من لبنان، لا سيّما السلع الزراعية، كردّ على تصدير الكبتاغون إلى بلدانهم.

سادساً: لا تأخذ سياسات "حزب الله" العسكرية، بما فيها حروبه وممارساته مع إسرائيل، بعين الاعتبار التكاليف الاجتماعية والاقتصادية لهذه السياسات، كما من المفترض أن تفعل أي مقاومة حريصة على مصالح شعبها ووطنها؛ مع أن حزب الله يرفع شعار ثلاثية" الشعب والجيش والمقاومة"، فهو لا يكترث إلا كلاميّاً بشروط صمود شعبه، إلا إذا قصد من كلمة شعب بيئته المذهبية.

ذلك أن الموازنة بين السياسات العسكرية والتكاليف الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن أن تتم إلا في إطار استراتيجيا دفاعيّة تقرّها الدولة وتنفّذها. وهذا ما يرفضه "حزب الله" بشكل مطلق بالاتفاق مع رئيس الجمهورية الذي لا يبالي بدوره بمعاناة الناس. ألم يُجِب، عندما قيل له إن "حرب التحرير" ستدمّر بيروت، بأن بيروت دمّرت وأُعيد إعمارها سبع مرات، فلتكن الثامنة؟

حتى الآن، واجه "حزب الله" الأزمة المعيشية بمواقف عسكرية مذهبية: "كل من يحاول تجويعنا، سنقتله، سنقتله، سنقتله"، متّخذا كلّ التدابير لتأمين احتياجات بيئته الشيعية، مستفيداً من توافر الدولار لديه على عكس فئات الشعب الأخرى. أمّا إذا قدم طروحات اقتصادية تخصّ البلد ككل، فإمّا تكون سطحيّة من مثل "ازرعوا البلاكين والسطوح"، أو تورّط البلد بالمزيد من المآسي من مثل استيراد النفط الإيراني الممنوع دوليّاً.

لا شك في أنّ ردّة فعل أهالي بلدة شويا شكّلت صدمة كبيرة لـ"حزب الله". وبدل أن تكون مؤشراً قوياً على أن شعب لبنان لم يعد قادراً على تحمّل تكلفة سياساته العسكرية والإقليمية، وبالتالي وجب إعادة النظر فيها، واجهها بتخوين الذين قاموا بها.

لا أعرف كيف سيتعاطى "حزب الله" مع تفاقم الأزمة بشكل كبير من جراء وقف الدعم على البنزين. فهل ستجبره حادثة شويا، معطوفة على نتائج رفع الدعم، على التوقف عن استخدام سلاحه في الداخل، الذي اسمه جبران باسيل، لتعطيل تأليف الحكومة، وبالتالي تسهيل التأليف؟

لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجهه "حزب الله" لا إسرائيل ولا أميركا ولا خصومه في الداخل، بل لقمة عيش اللبنانيين. والتحدّي الذي ترفعه بوجهه لقمة عيش اللبنانيين ليس ذا طبيعة اجتماعية واقتصادية فحسب، بل ذا طبيعة وجودية. فعندما تصطدم مقاومة بمصالح شعبها تكون قد فقدت سبب وجودها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

النهار بيديا 10/26/2026 7:57:00 PM
توفي يشاي زيمرمان عن 93 عاماً، بعدما ارتبط اسمه بالاستيلاء على طائرة مدنية من مطار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في واقعة انتهت باعتراضه بمقاتلتَي "إف-16" واتهامه بالنهب.
العالم 10/25/2026 11:44:00 PM
توفي التوأمان الإكوادوريان خوسيه لويس وخوسيه أرماندو سيبايوس بعد تعرّضهما لمشكلتين قلبيتين متتاليتين.
مجتمع 10/26/2026 10:33:00 AM
كيف سيكون طقس الأيام المقبلة في لبنان؟
فن ومشاهير 10/26/2026 11:55:00 AM
شاركت النجمة نادين نسيب نجيم صوراً تكشف عن وشم جديد على ظهرها يحمل عبارات ملهمة باللغة الإنكليزية ورموزاً فلكية.