كنت بصدد التفكير في كتابة مقال حول "أزمة السد العظيم" أي سد النهضة، تخيلت نفسي أجلس أمام الميكروفون كأحد أبناء الحبشة، ورحت أرتب أفكاري استعداداً لمرافعة بل لمناظرة أمام الجمهور العربي، فماذا أقول؟
طبعاً إثيوبيا ليست بحاجة لي ولا أنا في هذا الوارد، فدمي ينبض بالمصري وقلبي يخفق بالعربي، وأنا كتبت عشرات المقالات والدراسات وأعتبر نفسي "متخصصاً وخبيراً" في عالم الأنهار والسدود التي تابعتها من كثب منذ ثمانينات القرن الماضي وما زلت... لكن من موقعي المهني، وجدت أن "أتقمّص" هذا الدور كي أنقل وبأمانة وموضوعية للقارئ العربي، حقيقة كيف يفكر المسؤولون في الحبشة وبماذا يبررون مشروعهم العظيم ورفضهم لحقوق ومتطلبات دولتي المصب مصر والسودان؟ ما أقتبسه من معلومات منشورة في الصحف مأخوذ مباشرة من مسؤولين إثيوبيين وعلى ألسنتهم من دون زيادة أو نقصان.
إثيوبيا هذه الأيام بصدد إطلاق حملة عالمية لشرح حقيقة أن لها الحق الكامل في بناء السد من أجل تحسين مستوى حياة مواطنيها وتالياً فهي غير مستعدة للدخول في اتفاق من شأنه أن يحرمها من حقوقها المشروعة الحالية والمستقبلية في استخدام نهر النيل وسيبقى شعارها "لن تمنعنا أي قوة في الأرض من بناء سدنا وملئه".
قد يسأل البعض وماذا بشأن "حصص المياه"؟ تقول أديس أبابا: "من حق إثيوبيا بيع المياه الفائضة عن حاجتها بعد الملء الثاني لخزان السد"، وهذا لم يكن زلة لسان من المتحدث الرسمي في وزارة الخارجية كما قيل بل هو واقع قائم.
ومن أجل التسريع ببناء الثقة التي اهتزت، بادرت وزارة الري إلى إطلاق مبادرة للتعبير عن حسن النية وبالطلب من مصر والسودان "بتعيين منسقين بغية تبادل البيانات بين الدول الثلاث قبل المرحلة الثانية المقرر تنفيذها خلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس القادمين".
ليس صحيحاً أن أثيوبيا تفكر باختلاق أضرار تلحقها بالسد "فإذا كان هناك من يفكر بذلك فهذا جنون"، فعاصمة الحبشة تنتظر قرار رئيس الكونغو بصفته رئيساً للاتحاد الأفريقي بمعاودة إستئناف المفاوضات وما قيل عن تأثر الخرطوم بعملية الملء غير حقيقي ومنافٍ لما شهده السودان العام الماضي، وأثيوبيا ستخزن 13.5 مليار متر مكعب من المياه وهذا نصيبها وحقها المشروع من مياه النيل.
ورداً على التهديدات المصرية حازت تغريدة رئيس الوزراء الأثيوبي على تأييد الملايين وهي عبارة عن فيديو يظهر فيه "دجاجة تستند إلى ظهر كلب من أجل تناول الطعام، ثم يسند الكلب على ظهر الدجاجة من أجل تناول الطعام أيضاً". وكان تعليق آبي أحمد "كما ندعم بعضنا البعض لمواجهة مشاكلنا"!!
من يتحدثون عن "حصص ثابتة" تردّ عليهم إثيوبيا بالقول: إذا كانت مصر تشير إلى حصص المياه التي قسمتها مصر والسودان عام 1959 ننصحهم بأن ينسوها وإثيوبيا ليست ملزمة بها، على مصر التخلي عن اتفاقية 1959 مع السودان.
نحن معتادون على استخدام القوة من مصر والتهديدات باستخدام القوة، ما يقوله السيسي ليس جديداً وإثيوبيا تستعد لكل شيء ولأي احتمال وجميع الخيارات مطروحة على الطاولة.
بالنسبة لها السد مشروع وطني قومي يهدف لتحقيق نهضة عملاقة تعيد لها مكانتها وتجعل منها دولة رائدة وقائدة على مستوى القارة.
لقد "حذرت الجميع من ارتكاب أخطاء" وهذه التهديدات التي نسمعها تخالف القانون الدولي بالإعلان عن استخدام القوة... إثيوبيا حرمت من الحق في تطوير مشاريع في نهر النيل بسبب التحديات الداخلية والخارجية، تطوير هذا النهر مسألة بقاء بالنسبة لها وهذه التطورات ستقضي على الفقر وتفيد دول المصب، ليس من العدل أن تنتج 86% من مياه النيل ويموت مواطنوها من الجفاف!
إن الاستعمار الأوروبي سلب من إثيوبيا حقها في المياه لمصلحتي دولتي المصب مصر والسودان وكانت بريطانيا تمثل دولة الاحتلال والمستعمرة لكل منهما.
إن هيمنة دولتي المصب واستئثارهما بالحصة الكبرى من مياه النهر تنبع بالأساس من قوة بريطانيا العظمى، واتفاقية 1902 تعبير عن تلك القوة وأثيوبيا أصلاً لم توقع علي اتفاقيتي 1902 و 1929!
ستمضي الحبشة قدماً في عملية الملء الثاني للسد وسيتم في موعده ووفق ما خطط له ولا يستطيع أحد تغيير موعد الملء الثاني لأنها عملية مرتبطة فنياً بالبناء.
السودان أكثر المستفيدين من سد النهضة وإثيوبيا جاهزة لتلبية مخاوفه بشأن الملء وتبادل المعلومات، فقد أكدت موقفها على أن تكون قيادة التفاوض أفريقية عملاً بالحلول الأفريقية.
وماذا بعد؟ عشر سنوات من تاريخ بدء العمل بالسد وإثيوبيا تماطل وتراوغ، عقدت عشرات الاجتماعات وعلى مستويات وزارية وخبراء ورؤساء دول، وفي النهاية فرضت الأمر الواقع، وما زالت مستمرة بالرفض والعناد والتهرب من الالتزام بحصص دولتي المصب، فماذا ستفعل مصر والسودان يا ترى؟ لندع الأيام القادمة تفعل ما تشاء وننتظر المفاجآت؟
إعلامي وباحث لبناني مقيم في الكويت
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
النهار تتحقق
5/13/2026 7:34:00 PM
يأتي انتشار الفيديو مع تراجع الآمال في تسوية وشيكة بين الولايات المتحدة وإيران.
لبنان
5/13/2026 12:30:00 PM
ماذا نعرف عن نهر الليطاني؟ وكيف تحوّل من مجرى مائي إلى اختبار مفتوح لحدود السيادة في لبنان المعاصر؟
لبنان
5/13/2026 7:33:00 PM
هافن برنابا، ابنة الأعوام الستة، توجه من مركز إيواء في المنصورية رسالة مؤثرة إلى رئيس الجمهورية تختصر وجع قرى الجنوب الحدودية وحنين أهلها إلى العودة
نبض