التوافق على رئيس ومن ثم انتخابه أم انتخاب رئيس يصبح توافقيا؟

آراء 07-11-2022 | 14:27

التوافق على رئيس ومن ثم انتخابه أم انتخاب رئيس يصبح توافقيا؟

التوافق على رئيس ومن ثم انتخابه أم انتخاب رئيس يصبح توافقيا؟
مجلس النواب.
Smaller Bigger
غسان صليبي
 
الفرق شاسع بين الخيارين، الى حدّ التناقض. التوافق على رئيس ومن ثمّ انتخاب أكثريّة النواب له، يعني من بين ما يعنيه:
- أولاً، توافق الزعامات السياسيّة الرئيسيّة على شخصيّة معيّنة، والإيعاز الى النواب بضرورة انتخابه. في العادة يأتي التوافق "من فوق"، من الجهات الإقليميّة أو الدوليّة التي تتبع لها الزعامات السياسيّة التي أنجزت التوافق.

- ثانيًا، تعطيل شبه كامل لعمليّة الانتخاب، كممارسة ديموقراطية لإرادة النواب الحرة، المفترض ان تعكس الإرادة الحرّة لمن ينوبون عنهم، أي الشعب. وهذا ما يسمّونه في علم السياسة "الإرادة الوطنيّة". أي عمليًّا، تعطيل التنافس السياسي بما هو صراع ديموقراطي بين مصالح وقيم وبرامج مختلفة، وبالتالي وقف العامل الأساسي الذي يجعل المجتمعات تتطوّر، وذلك بفعل التغيير الحاصل نتيجة هذا الصراع الديموقراطي نفسه.

- ثالثًا، قد يعني التوافق أيضًا، الاتفاق على شخصيّة غير توافقيّة، إما بسبب توازن القوى لصالح فريق من "المتوافقين"، أو لسبب العجز عن التوافق على شخصيّة توافقيّة، بل التوافق في الواقع، على شخصيّة، يتّفق المتوافقون على انها تناسب كل طرف منهم بطريقة ما، وتؤمّن له مصالحه.

أمّا انتخاب رئيس يصبح توافقياً فتعني نقيض ما أوردناه أعلاه:

- أولاً، هذا الرئيس يكون منتخبًا نتيجة دورات إنتخابيّة متتالية تتنافس فيها شخصيات عديدة لها تاريخها وبرنامجها. و"التوافق" هو حصيلة مسار الانتخاب هذا.

- ثانيًا، يصبح هذا الرئيس المنتخب "توافقيًّا" بفعل اتفاق أطراف سياسيين متصارعين عليه، يرون في شخصه وبرنامجه ما يتقاطع مع برامجهم المختلفة.

- ثالثًا، مفهوم الرئيس التوافقي هذا، يتناسب مع ما حدّده الدستور في المادة 49، كدور أساسي لرئيس الجمهوريّة: "رئيس الجمهوريّة هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان، ووحدته وسلامة أراضيه وفقًا لأحكام الدستور". فلا يمكن للرئيس ان يكون رمز وحدة الوطن إلاّ إذا كان توافقيًّا. ولا يمكنه ان يسهر على احترام الدستور إلاّ إذا كان توافقيًّا، لأن الدستور هو الجامع بين جميع المواطنين والمحدّد لعلاقتهم بعضهم ببعض، والوثيقة التي تؤكّد توافقهم على العيش معًا في ظلّ مواده. ولا يمكنه ان يحافظ على استقلال لبنان، إلاّ إذا كان توافقيًّا، لا يقبل ان يصبح لبنان مقرًّا أو ممرًّا لقوى الخارج، ولا تابعًا لهذا الخارج، أكان شرقًا أم غربًا.

أنهي نصي بثلاث ملاحظات:

الأولى: لأن الدستور يفرض ان يتصرف الرئيس توافقيًّا، بمعنى ان يجسّد وحدة البلاد ويحترم الدستور ويحافظ على الاستقلال، فهذا يتطلّب من الذين يبحثون عن رئيس توافقي، ألاّ يجعلوا من وحدة البلاد واحترام دستوره والحفاظ على استقلاله موضوع نقاش.

الثانية: انتخاب رئيس توافقي لا يعني أبدًا ان يكون المرشّح للرئاسة توافقيًّا في برنامجه، إلاّ في ما يتعلّق بما ينص عليه الدستور. أمّا ما تبقّى من طروحات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، فيمكنها ان تعبّر، لا بل عليها ان تعبّر، عن وجهة نظر خاصة في اتجاه معيّن، لا يتفّق عليه الجميع بالضرورة، وذلك حفاظًا على حريّة الصراع السياسي الذي يجري تنظيمه من خلال الانتخابات الديمقراطيّة. لكن متى أصبح هذا المرشّح رئيسًا، عليه حكمًا ان يطبّق الدستور، وعليه أيضًا ان يتبع سياسة، اسمها "توفيقيّة" وليس "توافقيّة"، أي قادرة على ابتكار حلول لصراع الأفكار والبرامج. و"التوفيقيّة" تحتاج الى إرادة وقدرة ذهنيّة وثقافة، يجب ان يتحلّى بها أي رئيس توافقي.

الثالثة: أخطر ما في استبدال الانتخابات بالتوافق، هو الادّعاء بأن القرارات السياسيّة تتّخذ بالحوار وليس بالتصويت. صحيح ان كل قرار يحتاج الى حوار حوله، لكن الخلافات بين الأفراد أو بين الجماعات، كما علمّنا التاريخ، لا يمكن ان تحل بالحوار وحده، لأن أساسها ليس فقط اختلافًا بالفكر أو بالمنطق، بل بالمواقع والمصالح الماديّة والمعنويّة.
 
ولا يوجد حلّ لهذه الخلافات التي يظهّرها ويوضّحها الحوار، إلاّ عبر طريقين: اما طريق العنف أو طريق الديموقراطيّة. وأداة الديمقراطيّة هي اتخاذ القرارات بالتصويت وبالأكثريّة. وعندما نستعيض عن هذه الديموقراطيّة بما تسميه الطبقة السياسيّة اللبنانيّة بالحوار، فهذا يعني إمّا تعطيل القرارات، أو التمهيد لحل الخلافات عبر الطريق الثاني، أي العنف. ويمكن لهذا العنف أن يأخذ شكلين: عنف بالسلاح أو عنف بالكلام، على غرار ما نشهده غالبًا من تراشق كلامي و"قال وقيل" بين السياسيين لا تؤدّي الى أي مكان، سوى الى الخواء السياسي المليء بالجدال العقيم والهياج الشعبي. وليس افضل من هذه الحالة، للانتقال دوريا الى العنف العسكري.

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/10/2026 5:10:00 AM
⭕ماذا نقل فنيش إلى بري تفاصيل عن مجريات الحرب وواقع الميدان؟⭕رسالة شفوية من الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس المجلس... ما فحواها؟ وما علاقة نصرالله؟⭕هل عادت الأمور إلى مجاريها بين الحزب و"أمل"؟
اقتصاد وأعمال 3/9/2026 5:17:00 AM
يقدر شماس حاجة السوق اللبنانية اليومية بنحو 7.5 ملايين ليتر من البنزين و9 ملايين ليتر من المازوت، وهي كميات لا تزال متوافرة حتى الآن
لبنان 3/10/2026 9:10:00 AM
أسعار المحروقات تشهد ارتفاعاً كبيراً
لبنان 3/9/2026 1:43:00 AM
عند سؤاله إن كان ثمة مبادرة جدية مطروحة، قال سلام إنه لا يمكن الحديث عن مبادرة واضحة حتى الآن، لكن هناك أفكاراً مطروحة، خصوصاً من الجانب الفرنسي.