غسان صليبي
أتطلع الى سنة 2021 وافتش عن امل لشعبي، فلا اجد سوى الحركة الطالبية. الابواب الاخرى شبه مقفلة، في السياسة والنقابات والانتفاضة. طبقة سياسية تتحكم بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وتحاصر السلطة القضائية، وتستخدم السلطات الامنية لقمع شعبها، وتمتنع عن تأليف حكومة تعالج تراكم الازمات. وهي فعليا تستمد قوتها من خارج المؤسسات الدستورية، من خلال الدعم المطلق الذي تتلقاه من حزب مسلح هو "حزب الله".
النقابات غير موجودة في معظم القطاعات التي تشهد اقفالا تاما او صرف عمال وموظفين او تقليصا في الاجور وفي التقديمات الاجتماعية. وحيث هي موجودة، معظمها تابع لاحزاب السلطة. ولم يجرِ بعد تشكل بدائل تنظيمية في القطاعات العمالية.
العاطلون عن العمل والفقراء غير منظمين ويلجأون إلى الجمعيات والاحزاب من اجل المساعدات العينية او النقدية، ناسجين معها علاقات تبعية آسرة.
الانتفاضة مستكينة، تنظم تحركات متقطعة بأهداف ظرفية. وإن ابقت مطلبها الجامع الا وهو تأليف حكومة مستقلة عن السلطة الحالية، لكنها لا تبذل جهدا تنظيميا او تبتكر اساليب ملائمة لتحقيقه. في إعتقادي ان السبب الرئيس لهذا التقصير، هو عجزها عن الضغط على رئيس الجمهورية، الذي يمسك مفتاح تأليف الحكومة، وذلك مخافة الاصطدام بـ"حزب الله"، الذي، كما يبدو، يفضل انتظار انتهاء ولاية ترامب قبل تسهيل عملية تأليف الحكومة.
فب المقابل، نرى الحركة الطالبية تتنظم في الجامعات الخاصة، وتتخذ لها الاشكال التنظيمية الملائمة، وتنتصر في الانتخابات. وقد بدأت أخيرا بتحركات ضاغطة ضد دولرة الاقساط الجامعية. ورغم مشاركة طلاب الجامعة اللبنانية في تحركات طلاب الجامعات الخاصة، الا ان تنظيم هؤلاء لا يزال في بدايته. وبإمكانهم تلقي دعم اساتذة الجامعة اللبنانية المستقلين، الذين كانت لهم حصة لافتة في الانتخابات الاخيرة.
تحمل الحركة الطالبية طاقات تغييرية، تفتقر اليها القوى الاخرى في المجتمع. فبالاضافة الى التنظيم، هناك طاقات اخرى يمكن التعويل عليها في المستقبل. فالطلاب في معظمهم من جيل الشباب الذي شكل رافعة انتفاضة ١٧ تشرين. وهو شباب متعلم، بإختصاصات تشمل ميادين الحياة التي يحتاج اليها المجتمع اللبناني لإعادة إحياء قطاعاته المنهارة. وقد عبر الشباب عن تمسكهم بثقافة الحرية واستقلالية الفرد المواطن، وبحقوق الانسان. ومن بين هذه الحقوق حقوق المرأة. وقد مارس الشباب المسؤوليات في الانتفاضة وفي الانتخابات الجامعية بإحترام كامل للمساواة بين الجنسين. ولفت انتباهي مشهد هذا الشاب الذي يحمل شابة على كتفيه للتعبير عن الانتصار في انتخابات الجامعة اليسوعية. ولعل المشهد يعكس أيضا موقفا إيجابيا من الحرية الجسدية والجنسية.
يعرف الطلاب انهم مقبلون على الانخراط في سوق العمل، في ظل ازمة نمو وتوظيف خانقة، وتزايد مضطرد لمعدل البطالة. بهذا المعنى، القضية المعيشية والاقتصادية هي في صلب تطلعاتهم، لا سيما الذين لا يريدون او لا يستطيعون الهجرة. وهم مضطرون بالتالي الى طرح الازمة المعيشية والاقتصادية على جدول اعمال تحركاتهم، وكجزء من مشاغلهم كطلاب سيتخرجون قريبا. وهم سيجدون انفسهم حكما في مواجهة النموذج الاقتصادي الريعي التهجيري، وفي مناصرة الدعوة الى اقتصاد منتج ومستقل.
يعرف الطلاب أيضا ان الضغط على الجامعات الخاصة لا يحل مشكلة التعليم الجامعي في لبنان، مهما جرت السيطرة على دولرة الاقساط. فمع الغلاء الفاحش، المرشح للاستمرار بالارتفاع، ومع الفقر الزاحف، لا يبدو في الافق الا مطلب دعم التعليم الرسمي وفي مقدمه الجامعة اللبنانية. وقد بدأ هذا التوجه يظهر في بعض شعارات التحركات الاخيرة امام الجامعة الاميركية ولو بشكل هامشي حتى الآن.
قضية الجامعة اللبنانية، ليست مسألة اقساط او مسألة ديموقراطية التعليم فحسب، بل هي مسألة القيم الوطنية الجامعة، التي تبنى عليها المجتمعات. ولطالما كانت الجامعات الوطنية في العالم المدماك الاصلب لبلورة قيم العلمانية. واذا كان للحركة الطالبية ان تستمر في تبني التوجه العلماني، من خلال شبكة النوادي العلمانية، فالجامعة اللبنانية وليس الجامعات الخاصة، هي الاطار الذي يمكن ان يثمر فيه هذا التوجه على المستوى الوطني، ويعمَّم في مختلف البيئات اللبنانية.
المعركة هنا ثقافية مع القوى المذهبية التي سيطرت عبر الزمن على كليات الجامعة اللبنانية، معمِّمةً ثقافة مناقضة لتلك التي تأسست على اساسها الجامعة اللبنانية.
الطلاب في موقع يتقاطع عنده النظام التعليمي والنظام الاقتصادي والنظام السياسي، المأزومة جميعها. لذلك هم كفئة اجتماعية، في موقع استراتيجي، في مسار التغيير في لبنان.
لا احد يمكنه ان يتوقع منذ الآن مآل الحركة الطالبية، وكيف ستستفيد من موقعها الاستراتيجي هذا. جانب من المسألة يتصل بعلاقة الحركة الطالبية بالانتفاضة. فما نشهده على المستوى الطالبي، هو في جزء منه ارتدادات إيجابية للانتفاضة على مستوى الجامعات. وليس معروفا بعد الصدى المرجع لهذه الارتدادات على الانتفاضة نفسها، التي بدونها، لن تستطيع الحركة الطالبية لعب دور يتجاوز المستوى التعليمي. ولا سيما اذا بقيت في اطار الجامعات الخاصة ولم تتمدد الى الجامعة اللبنانية.
ربما تفيدنا سنة ٢٠٢١ ببعض الاجوبة عن هذه التساؤلات، وربما ينبغي لنا انتظار سنة ٢٠٢٢ لاتضاح الصورة، مع حلول استحقاقات الانتخابات النيابية والرئاسية. بدون إغفال تأثير ما سيستقر عليه الصراع الاميركي الايراني على ارض لبنان، ومدى تدخل العنف في رسم المسارات السياسية، كما فعل منذ ٢٠٠٥، لا بل منذ ١٩٧٥.
في عمر الـ٢١ بعد الـ٢٠ يتأهل الشاب اللبناني قانونيا، للعب دور في الحياة السياسية عبر اكتساب حق المشاركة في الانتخابات النيابية. فهل يكون عام ٢٠٢١ بعد العام ٢٠٢٠، عام تأهل الطلاب نضاليا، للعب دور اكبر في مسار التغيير الذي بدأ مع انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩؟
لا بد من هذا الامل المواكب لهذا العمل الذي ينبض نشاطا وإندفاعا.
الأكثر قراءة
المشرق-العربي
5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
الولايات المتحدة
6/3/2026 6:16:00 AM
السجال الذي أعقب المكالمة أعاد طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجبهة اللبنانية، وبالعلاقة بين ترامب ونتنياهو، وبحدود استقلالية القرار الإسرائيلي.
لبنان
6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان
6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.
نبض