السبت - 20 تموز 2024

إعلان

عبر الجزيرة العربية... طريق التوابل يسابق درب الحرير

المصدر: "النهار"
د. خالد محمد باطرفي
من قمّة g20.
من قمّة g20.
A+ A-
في تاريخ العالم نشأت تحولات غيّرت مسار التاريخ. فعندما هجّن  العرب الجمل، سفينة الصحراء، فتحوا الباب أمام التواصل الحضاري والتجاري والاجتماعي بين الأمم. وعندما أنشأت الصين طريق الحرير والطوق البحري، انطلقت قوافل التجارة بينها وبين أوروبا على ظهور الإبل والسفن الشراعية، مروراً ببلاد الهند والسند والنهرين وما وراء النهر (وسط آسيا) وهضبة الأناضول. 

طريق الرسالة والتجارة
وفي جزيرة العرب، نشط النقل بين بلاد التوابل والحرير والعود في جنوب آسيا، وبلاد الروم عبر طريق مكة، مروراً باليمن وانتهاءً بالشام، في ما سُمّي رحلة الشتاء والصيف.

لولا التجارة ووسائل النقل وطرق البر والبحر، لما عرفت أوروبا الحرير والبارود والشاي، ولما وصلنا ذهب أفريقيا وخيرات بلاد الرافدين، ولما تمكن الزرّاع والصنّاع من  تبادل فائض منتجاتهم بما يلبي احتياجات الجميع. فالتجارة تسعة أعشار الرزق، وللسفر عشر فوائد، وإن كان أهمها، في يقيني، هو وصول الرسالة الربانية والإنسانية الى جميع البشر، بعدما كانت محدودة بموطنها. 

سباق الحرير والتوابل
أسوق هذه المقدمة لأقول إن مشروع الممر الاقتصادي الذي تم توقيع مذكرة إنشائه بين ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الأميركي، جو بايدن، ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، والذي ينطلق من غرب الهند وصولاً الى أوروبا، مروراً بالجزيرة العربية والشرق الأوسط، هو جسر حضاري تاريخي آخر، يضاف الى قائمة المنجزات البشرية. 

فبعد أن تأخر مشروع درب الحرير الصيني لأسباب جيوسياسية، وربما مالية، سينطلق الدرب الموازي من الهند هذه المرة، لا من باكستان، الى موانئ الخليج، ثم يعبر قلب الجزيرة العربية بشبكة السكك الحديدية القائمة الى الأردن، عبر الشبكة الخليجية الحديدية، والبرية، والبحرية والجوية، والكهربائية والمائية والكوابل المعلوماتية، الجاري تأسيسها بين دول مجلس التعاون الخليجي الست. 

ومن مرافئ البحر الأبيض المتوسط يمتد "الممر الاقتصادي" الى أوروبا، ويؤمل أن يتفرّع مستقبلاً الى مصر عبر جسر الملك سلمان، ومنه الى البحر الأبيض المتوسط و أفريقيا، وعبر إيران الى وسط آسيا، عبر سوريا الى تركيا، وقد يلتقي أو يتقاطع مع درب الحرير الصيني في أكثر من مدينة وميناء. 

مزايا المشروع
وفيما حملت القوافل في العصور الماضية منتجاتها على ظهور الإبل والسفن، تحملها اليوم شبكة متكاملة من الموانئ والمطارات والطرق  المعبدة، والسكك الحديدية، والانابيب المائية والنفطية، والغازية، والهيدروجينية، إضافة الى الكابلات الكهربائية والألياف البصرية المعلوماتية. وتخدمها منظومة سلاسل توريد وتخزين كاملة، من الأساطيل البرية والبحرية والجوية، والمستودعات. وتديرها غرف عمليات دولية مشتركة عالية التقنية. 

الفوائد لمثل هذا المشروع عديدة، ومن ذلك خفض تكلفة النقل وبالتالي المنتج للمستخدم النهائي. فطن الأرز أو القمح الذي كان يدفع التاجر فيه أضعاف تكلفته لسلسلة التوريد والجمارك والرسوم التي تُفرض عليه في كل محطة من المزرعة الى المستهلك، سيختصر المسافة ووسائل النقل ومحطات التوريد بمحطتين فقط في موقع الإنتاج، وموقع الاستهلاك. 

تخيل توفير التاجر والمستهلك من المال والوقت إضافة الى الاعتمادية. فبدلاً من شهور يمكن أن تصل البضاعة في أيام، وبدلاً من القلق حيال أسعار التأمين والنقل المتأرجحة، والمسارات غير الآمنة، وتقلبات السياسة والطبيعة، سيصبح الأمر أشبه بفتح صنبور الماء أو الاشتراك في شبكة الكهرباء العامة. الوصول مضمون والأسعار محددة. 

تكامل وتعزيز المصالح
ثم إن الربط بين الدول وعبر القارات يعني  تكامل المنتجات والخدمات. فالهند التي تعاني من الفيضانات يمكن أن تورد الماء لدول الخليج. والخليج الذي يزخر بموارد الطاقة يمكن أن يزود الهند بالكهرباء والنفط والغاز والهيدروجين الأخضر. وعلى مثال الماء مقابل الطاقة، يمكن أن نقيس تبادلات الفوائض بين الدول. فأفريقيا غنية بالموارد  الطبيعية، وأوروبا بالمنتجات التقنية، وسلاسل الإمداد أصبحت سريعة وآمنة ومباشرة. 


فائدة أخرى هامة، هي خفض الانبعاثات الكربونية، فبدلاً من استهلاك ملايين براميل النفط سنوياً على عمليات النقل البحري، يمكن توفير جلها بالنقل المباشر  عبر الأنابيب  والشبكات الحديدية الكهربائية، مع اختصار كبير في المسافات والأوقات. 


ومن المصالح التي ستجنيها الدول المشاركة، توفير ملايين الوظائف للعاملين على هذه الشبكة العنكبوتية المتعدد الأوجه والطبقات والمسارات، وتنشيط التجارة بين البلدان، غنيّها وفقيرها، والتقليل من الهدر للمنتجات الفائضة، وخفض معدلات التضخم والغلاء والفجوة بين الأغنياء والفقراء. 


ولا ننسى الجوانب الثقافية، بتنشيط السياحة والتعاون العلمي والتبادل الثقافي والتواصل  الاجتماعي بين الأمم، وبربط قواعد البيانات بين البلدان المشاركة وتوفير مساحة أكبر وأسرع وأرخص لنقل المعلومات. 


تحديات وحلول
وأمام التفاؤل الكبير بالمنتج النهائي، يجب أن نتوقف أمام التحديات. فالبنية التحتية تتفاوت في حداثتها وكفاءتها بين بلد وآخر. والقدرات المادية لتنفيذ أجزاء المشروع تتراوح بين الملاءة في بعض البلدان والضعف في غيرها. وللتغلب على هذه الإشكالية، تجتمع لجان العمل في الشهور المقبلة لتحديد المستهدفات والاحتياجات بدقة، ثم طرحها في السنة المقبلة 2024 على الدول المشاركة بقيادة (الولايات المتحدة، الهند، السعودية، الإمارات، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا وإيطاليا) لتوفير التمويل ووضع خطط التنفيذ، وجدولة الأعمال. 


وفي هذه المرحلة يجري التفاوض مع المنظمات الدولية المتخصصة، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الإسلامي، وصناديق التنمية والمساعدات في البلدان الغنية، ومع البنوك التجارية الكبرى لتوفير السيولة المطلوبة. كما يتم التعاقد مع مكاتب التصميم والهندسة، وبيوت الخبرة، وشركات المقاولات، للبدء بتنفيذ المشاريع في كل بلد مشارك. 


وعندما تتضح الرؤية، ويبدأ العمل الفعلي، يمكن إعلان خريطة الطريق، التي تتضمن كل  المشاريع الفرعية والرئيسية، والتكلفة لكل مشروع، وتواريخ البدء والتسليم. وأتوقع أن يتم ذلك خلال العامين المقبلين، على أن تكتمل المراحل الأولى، على الأقل، في 2030. 


تكامل لا تعارض
من المهم الإشارة هنا الى أن هذا المشروع لا يتعارض، بل يتكامل، مع مشروع الصين المماثل، الأطول مسافة وتعدد مسارات والأعلى تكلفة وأكثر صعوبة. فالمشروع الصيني البري يمر عبر باكستان جنوباً، وإيران وسطاً، ودول وسط آسيا شمالاً،  مروراً بالجزيرة العربية، والعراق وتركيا، وصولاً الى أفريقيا وأوروبا. والطوق البحري يمر بدول جنوب آسيا مروراً بالخليج العربي والبحر الأحمر فالبحر الأبيض المتوسط. ويحمل المشروع نفس الملامح، فهو يعتمد على السكك الحديدية والبرية والموانئ والمطارات والانابيب والكابلات، وعلى المحطات اللوجستية وسلاسل الإمدادات. 


وهكذا تتكامل المنظومة الكونية لطريق البهارات ودرب الحرير وتلتقي في الجزيرة العربية والشرق الأوسط، وتنتهي الى أوروبا وأفريقيا. والتنافس في هذه الحالة يخفض التكلفة، ويحسن الجودة، ويعظم الفائدة لكل المستفيدين. 


من حق  العالم أن يحتفل بأعظم إنجازات قمة العشرين، وأسخى هدية تقدمها للبشرية. ومن حقنا كعرب أن نتفاءل بمستقبل أكثر تعاوناً وتكاملاً ورخاءً. فكما قدمنا هدية الجمل قبل آلاف السنين لقوافل الحضارة والتجارة، نقدم اليوم هدية الوصل بين قارات العالم الثلاث، آسيا وأفريقيا وأوروبا، تجارة، وسياحة، وعلماً، وثقافة. 
 
@kbatarfi
  
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم