السبت - 22 حزيران 2024

إعلان

العلاقات الروسية – الشرق أوسطية تحت المجهر في كتاب جمال القرى... وملاحظات

المصدر: "النهار"
الساحة الحمراء.
الساحة الحمراء.
A+ A-
د. ناصر زيدان*
 
عندما طُلب مني أن أشارك في ندوة مناقشة كتاب الدكتورة جمال القرى البتلوني عن العلاقات الروسية – الشرق أوسطية؛ سمعتُ من المنظمين حديثاً عن توجه لدى الكاتبة والمركز الثقافي الروسي في بعقلين ودار سائر المشرق لإقامة ندوات عن الكتاب في المناطق اللبنانية لتعريف النُخب والرأي العام عن بعض توجهات السياسة الروسية في المنطقة. لكنني عندما قرأت غالبية فصول الكتاب قرّرت أن ألوم أصدقائي الأعزاء الذين سعوا لهذا الحفل، لأن مناقشة مضمونه والإضاءة على جوانب العلاقات التاريخية التي تربط بين الدولة الأكبر مساحة والأغنى بالثروات في العالم مع أهم منطقة في هذا العالم؛ ضرورة لا يجوز تفويتها، أو صرف النظر عنها لأيِّ سبب، خصوصاً أن مضمون الكتاب فيه ألفُ فكرةٍ وفكرة، ومنسوجٌ من كلماتٍ مُنتقاة بموضوعية من كاتبةٍ شغوفةٍ بالبلد الكبير، وهي تنتمي الى البلد الصغير لبنان الذي يُعتبر حجرَ رحى في الشرق الأوسط. وكما الشغفُ يصنعُ الحب، والنحلُ يجني العسل؛ فالدكتورة القرى صنعت المولود الجديد بذات الشغف وجمَّعت عسل الكلمات بمهارة النحل في تتبع الرحيق النافع.
 
موضوعات الكتاب واسعةٌ وغنيّةٌ كاتساعِ مساحةِ روسيا وغنى تاريخها ومواردها، بينما منطقة الشرق الأوسط مهد الديانات السماوية، وتتقاطع عندها أهم القارات، وتاريخها متشعِّبٌ وحافلٌ بكل صنوف الأحداث التي تخضع لقانون المدِّ والجزر السياسي وفقاً لخصوصية كل حقبة، فيختلف تقييم العلاقات معها بين مراحل قديمة تصدَّر فيها العرب والمسلمون على المستوى العالمي، وبين مراحل كانت شعوبهم تحت الاحتلال او الوصاية، ودولهم مُشتَّتة بين أهواءٍ وتوجهاتٍ مختلفة ومتنوّعة، تتجاذبها قوى الاستعمار والهيمنة من كل حدبٍ وصوب، إلا من صوبِ روسيا التي لم يكن لديها طموحات استعمارية أو توسعية في المنطقة في أي وقت.
 
استمتاعُنا بقراءةِ الكتابِ والنظرِ الى ما يحتويهِ من مجوهراتٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ وديبلوماسية؛ لا يعني أننا تعامينا عن بعض النقاط التي لم نتوافق في تشخيصها مع الكاتبة، وإن كانت قليلة، مثل اعتبارها في الصفحة 39، أن الحضارة الروسية هي مزيج متناقض من سمات الحضارتين الغربية والشرقية، بينما نحن نرى أن لروسيا خصائص حضارية تنفرد بها، وهي تحملُ إرثاً ثقافياً وإنسانياً؛ لا يماشي علمانية الغرب المُطلقة، ولا يلتقي كثيراً مع روحانية شرق الشرق وماورائياته، وما نرى أنه يعطي أحقية لرؤيتنا؛ كلامُ الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 21 أكتوبر 2021 هاجم فيه المثلية التي يروَّج لها في الغرب، داعياً الروس الى الالتزام بالتقاليد التاريخية وبالقيم الروحية الخاصة بهم. أما أمير موسكو في منتصف القرن الثالث عشر ألكسندر نيفسكي؛ فقد رفض في عام 1248 عرضاً من بابا روما إينوكنديوس الرابع لمساعدته ضد الغزو المغولي، لأن البابا اشترط على نيفسكي تبنّي الأفكار الغربية (الكاثوليكية) مفضّلاً الخضوع للاحتلال المغولي على تغيير عقيدته السياسية والدينية، أو إلحاق روسيا بالغرب (وهو ما ورد في كتاب د. القرى ذاته ص 42) حتى إن أحد أسباب انفصال الروس عن بيزنطية؛ كان أن الأمبراطور البيزنطي طلب مساعدة الرومان الغربيين لصدّ هجوم الأتراك في عام 1448، والروس اعتبروا أن المرجعية المسيحية انتقلت الى موسكو وأطلقوا عليها اسم "روما الثالثة" لأنها متحررة من أي هيمنة بعدما سقطت القسطنطينية (أو إسطنبول) بيد العثمانيين عام 1453. كل ذلك يؤكد الفرادة الحضارية الروسية التي تجمع بين التشدُّد أو الأصالة الأرثوذكسية و"شوفة الحال" أو ما يسمّيه البعض "الروح الوطنية السلافية".
 
من العِبر التي يمكن ذكرها؛ أن العلاقات الروسية – الشرق أوسطية قديمة، ومَن لا يعرف خباياها لا يدرك حقيقة تاريخ المنطقة، ولا تفاصيل تاريخ روسيا، وربما تعود بداياتها المعروفة الى عام 921 ميلادي، عندما أرسل الخليفة العباسي المؤرخ والديبلوماسي والأديب العربي الشهير أحمد بن فضلان على رأس وفد كبير الى ملك البلغار الذي كانت تمتد سلطته الى موسكو لتعليم العربية وشرح الدين الإسلامي وفق ما ذكر عبد الوهاب الروضاني سفير اليمن في موسكو في محاضرة له في مجلس الدوما عام 2005. وقد وصل الأمر ببعض الكتّاب والمفكرين الى اعتبار روسيا امتداداً ضرورياً للشرق العربي، والعكس صحيح؛ بأن الشرق العربي امتداد لروسيا العظمى. فروسيا كانت بحاجة للعرب لتخطي التهميش الذي كانت تواجهه من الغرب (كأن التاريخ يعيد نفسه اليوم) والعرب كانوا بحاجة لروسيا للحدّ من التغوُّل الغربي والاستبداد العثماني أحياناً.
 
ومنذ ذلك التاريخ حصل شيءٌ من التعاون بين الجهتين غير المستقرتين، كان يتقلَّص أو يتمدَّد وفقاً للظروف، ولمدى تراجع السطوة العثمانية والغربية، علماً بأن روسيا لم تكُن سابقاً كما هي اليوم، والعالم العربي، أو الشرق الأوسط لم يكُن على ذات الحال أيضاً. وما يؤكد عدم وجود نفور بين روسيا والمنطقة العربية منذ القِدم؛ مذكرات ضابط الأركان الروسي "دافلاتشين" التي وردت في كتاب "سفن روسية في الخليج" الصادر عن دار التقدم عام 1990، وهو قال إن المواطنين في مدينة مكة بالحجاز استقبلوه بحفاوة عندما علموا أنه روسي، برغم أن المدينة المقدّسة عادةً ما يُمنع زيارتها لغير المسلمين. ولا بد من الإشارة الى أن الروس كانوا بالفعل أول دولة أوروبية تحتل مدينة عربية مشرقية، هي بيروت، عام 1772، عند مرور اسطولهم في البحر المتوسط الذي جاء بهدف مساعدة الحركات القومية العربية ضد العثمانيين، لكننا نتحفَّظ على ما ورد في كتاب د. القرى نقلاً عن سجلات الديبلوماسية الروسية، في توصيف روسيا كدولة أوروبية، بينما هي أوراسية، ولا تنتمي الى الاصطفاف التقليدي الأوروبي.
 
والحديث عن العلاقة بين بلاد بطرس الأكبر وكاترينا ولينين وأندروبوف وبوتين وبوشكين ودوستويفسكي وتولستوي وغوركي وبين بلاد واسعة تمتد من المحيط الأطلسي الى المحيط الهندي والخليج العربي، يطول ويطول ولا يمكن حصره بمداخلة واحدة أو بكتاب، نظراً لغنى كل من الجغرافيتين بالخصائص الحضارية والدينية والسياسية والأدبية والفكرية.
وقد حفل التاريخ بمحطات تعاون كبيرة بين شعوب الجانبين، ففي المجال الديني بدأت حملات الحج السلمية الروسية الى القدس في عام 1001م، والروس رفضوا المشاركة في الحملات الصليبية الغربية التي أخذت طابعاً عسكرياً واحتلالياً. وأسهمت الجمعية الأمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية التي أسسها القياصرة في ترجمة الأدب الروسي الى العربية والعكس، وهي بنت 111 مدرسة في فلسطين وفي سوريا وفي لبنان، وكانت منافسة للبعثات التبشيرية اليسوعية والإنجيلية لولا قيام الثورة البلشيفية العظمى عام 1917، التي أسهمت في تغيير تاريخ العالم، ولكنها تركتنا فريسة لأطماع الاستعمار الفرنسي والبريطاني بوراثة الأمبراطورية العثمانية، بعد أن غاب دور موسكو لما يزيد عن عشر سنوات بسبب الأوضاع الداخلية القاسية التي عاشتها روسيا – أو الاتحاد السوفياتي – بعد الثورة.
 
أرسى الاتحاد السوفياتي، أو روسيا السوفياتية، علاقات متينة مع العرب ابتداءً من عام 1955، بعد انقطاع طويل، ووقفت موسكو مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر في حربه لتحرير قناة السويس عام 1956، وتمددت الصداقة بين الاتحاد السوفياتي والدول العربية الى أماكن جديدة، ومنها اليمن وسوريا والعراق والجزائر وليبيا والسودان، وقد تحوَّلت جيوش هذه الدول بالكامل الى اعتماد السلاح الروسي، بعدما حجب الغرب عنها السلاح المتطور وأغدق بمثله على إسرائيل المعتدية. وسعت موسكو مع سوريا ومصر الى تعديل موازين القوى في المنطقة بواسطة السلاح الروسي بعد هزيمة عام 1967، ونجحت في ذلك في حرب عام 1973، وكادت إسرائيل تنهار لولا تدخل الولايات المتحدة الأميركية معها، وتهديد قادة العدو الإسرائيلي باستخدام السلاح النووي ضد مصر وسوريا، وهذا السلاح كانت إسرائيل قد حصلت عليه بمساعدة فرنسا لإغاظة عبد الناصر الذي كان يدعم الثورة الجزائرية ضدهم. ولا بد من الإشارة الى وقوف روسيا الدائم الى جانب القضية العادلة للشعب الفلسطيني، كما لوقفة الرئيس السوفياتي الراحل يوري أندروبوف الى جانب الحركة الوطنية اللبنانية، وخاصة الى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي إبان مقاومة تبعات الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وما تفرَّع عن هذا العدوان من أحداثٍ كبرى، وقد استطاعت القوى الوطنية مدعومة من موسكو منع تنفيذ الأجندة الإسرائيلية على لبنان.
 
تراجعت العلاقات العربية - الروسية الى الحدود الدنيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1990، ولم يبالِ الرئيس بوريس يلتسن بالشرق الأوسط على الإطلاق، ما أعطى فرصة للولايات المتحدة الأميركية لإحداث تغييرات جوهرية على الجيوبوليتيك الشرق أوسطي من البوابة العراقية، ولم يكُن هذا التغيير في صالح الدول العربية.
 
وقد حاول الرئيس فلاديمير بوتين استعادة بعض الحضور الروسي الى المنطقة بعد عام 2007، ولم ينجح كما كان يرغب، لأن الشطارة الغربية كانت قد سبقته في رسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط، وأفقدته أصدقاء مهمين، وكان التحوُّل الكبير في العراق وفي ليبيا عندما تمكن الغرب من إعدام الرئيس صدام حسين وقتل الرئيس معمر القذافي، وهما كانا صديقين مقربين من موسكو، بينما استدرك بوتين عند اندلاع الثورة في سوريا، وتدخل عسكرياً عام 2015 للحفاظ على نظامها الصديق لهم، ولكن هذا التدخل أغضب عدداً كبيراً من الدول العربية والإسلامية وغالبية من الشعب السوري، نظراً لموقفهم المعارض لتصرفات نظام دمشق. والرئيس بوتين نجح في إعادة الحرارة الى العلاقات الروسية - العربية، وتحديداً مع الدول النفطية العربية، من خلال تقديم مغريات لهذه الدول التي كانت وما زالت تعاني من الاستغلال أو الاستبداد الأميركي، ولا سيما في محاولات واشنطن السيطرة بالكامل على مفاصل أسواق النفط والغاز.
 
وبالفعل فإن الموقف الذي أعلنته موسكو أخيراً في تأييدها لأحقية الإمارات العربية في السيادة على الجزر الثلاث في الخليج العربي، كان رسالةً مدوّية تعبّر عن خيار روسي بإعطاء أفضلية لعلاقاتها مع الدول العربية، إضافةً الى خيارها الثابت في مساندة قضية الشعب الفلسطيني العادلة. وقد يكون للحرب التي تخوضها موسكو في أوكرانيا تأثير على هذه الخيارات حالياً، لأن الدول العربية حاربت كل الضغوط التي كانت تتعرّض لها للوقوف ضد روسيا، ولم تفعل.
 
كتاب الدكتورة جمال قيمة مضافة لرفوف المكتبة العربية التي تحمل الدُرر والقيم الفكرية والثقافية والديبلوماسية، ويشبهُ في تطريزه وفي المحتوى القيم الأدبية الروسية، واعتماد شبه المشروع، ومرغوب في المحفظتين الروسية والعربية، فقد اعتمد القيصر نيقولاي الأول ذات الشكل الذي بُنيت به كنيسة المهد في فلسطين، عند بنائه كنيسة القيامة بالقرب من موسكو عام 1820.
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم